التخطي إلى المحتوى الرئيسي

لغو الإنسان و جدل الفناء

بدأ الكون بفجر عظيم و لحظة الفجر أعلنت ميلاد المكان و الزمان ، و توّلد من هذا الفجر شفعا ووترا ، أي جزيئات تتزاوج و تتعاضد لتنشأ أشياء جديدة بدورها تتآلف مع غيرها و نشأت الذرات الخفيفة من هيدروجين و هليوم ثم أعقبها نشوء النجوم و التي على إثرها نشأت ذرات أثقل في فرنها الداخلي و بإنفجار هذه النجوم نشأت كواكب تحمل شروط بدء الحياة.

من نفس واحدة "خلية" بدأ الأحياء ينتشرون وصولا في كوكبنا في ملايين السنين إلى كائن غريب هو الإنسان ، كائن يستطيع تقدير تعاسته وحجم ذكاءه و تأثيره على محيطه، كل هذا سجلّته الرسالة و من وحيها أعلنت لنا الخبر السعيد ، أعلنت أن لحظات حياتنا هنا في هذه الحياة الدنيا مزرعة لحياة أرقى و أعلى ، و بشّرتنا ببشرى عظيمة ، أنّ ما يشبه السجن الكبير و الإنتحار البطيء في حياة عد أيامها قليل ، أّن السجن مزرعة. و لكن الناس ترفض أن تبصر السماء و أن تدرس محيطها القريب و ما يحويه من أحياء و غرائب قد تدلّنا على شفرة سبب وجودنا أو تنفي سبب الوجود لتؤسس للعشوائية و التيه.

"وَيَقُولُ الإِنسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (66)

أَوَلا يَذْكُرُ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا (67)

فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (68)

ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا (69)

ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا (70)

وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا (71)

ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (72)"

مريم

 تعجب الإنسان من أن فناء جسده يعني فناءه و كأنّ حياته كجنس "إنسان" مرتبطة بأجساد قائمة منها خُلق ؟؟

إن المسألة أعمق ، فالإنسان لم يكن هنا و هو حلقة في سلسلة خلق بدأت من جماد مرورا إلى أول خلية و على الإنسان أن يذكر ، فالذكرى مبثوثة في لولب جيناته الداخلي و في أرشيف الأرض و الكون بما تحمله من بينات.

 ستربو معرفة الإنسان بمحيطه و بنفسه سيتأكد لديه أن جيناته البيولوجية هي صورة تقريبية لماهيته الأخروية في جينات يصنعها عمله و يغرزها في ذاكرة أخروية ستخرج له ماهيته يوم الحساب و لذلك جاء في الآية لفظ "يذكــــر" بكافه المنبسطة ، ذكرى لماهيته هنا و تذكر لماهيته الأخروية التي ستأتي.

 إن كل الماهيات الأخروية ستظهر ، فوعد الرّب أن معرفتنا ستتعاظم لنستيقن أو سنرى و نبصر الأمر عن قرب حال وقوعه ، فنحن هنا في هذا الكون كل منّا يصنع ماهيته و جيناته الأخروية ، جينات بهيمة أو جينات علوية تسمح بإستمرار رحلة الكشف المستمرة ، و هذا هو معنى الحشر ، فهو ليس تجميع فقط بل تجميع لأطراف مختلفة لا تريد الجمع شأن جمع الأسد و الغنم و الإنسان في بيت واحد. سيُحشر الجموع و أوهامهم "الشياطين" ، هذا الحشر جيني يتم فيه التحضير لمظاهرنا الخارجية في جهنّم ، هي أشبه صورة بالبراكين الصلصالية التي تم فيها تحضير خلية البشر الأولى في كوكبنا هذا ، فهي خلايا جينية يتم تصنيعها في شروط محيطها و ذلك أتت أداة "ثمّ" لترسم هذا الحدث الطويل.

إن الماهيات ثلاث :

ـ من كانوا أشد على الرحمان عتيا

ـ من هم أولى بالنار صليا

ـ الذين ءامنوا

إن الفئتين الأوليتان هم فئتا الظالمين أي كل من تجاوز على أخر في حياته الدنيا تجاوزا متعمدا بسبق الإصرار و الترصد ، هؤلاء سيبقون في ماهية بهيمة "جِثّيا" أي أنهم لا يستطيعون التطور و لا التطوير فالجاثي لا يقوم و لن يقوم و سيبقى في ماهيته يترنح و أما من كانت جيناته تحمل روحا أسسها الإيمان أي تأمين نفسه بالتساؤل و البحث و الركون إلى الضمير في تعامله مع الأخر لضمان شروط الأمن العام و تأمين الأخر في ذاته و بحثه ، هؤلاء سينطلقون من الجثو إلى مراحل السفر الطويل.

الفئات الثلاث سيردون فرن التكوين و لن يسلم منه أحد ، فالأمر سنني لكن بعد النشوء ، إنحدار للظالمين و إرتقاء للمؤمنين ، فهي عملية خلق و تخليق أشبه بعملية الخلق في حياتنا الدنيا :

"أولا يذكر الإنسان أنّا خلقناه من قبل و لم يك شيئا"

إن تكذيب الإنسان قول في القرءان و ليس حديثا الشفاه و الخلق قول والكفر قول ، و للقارئ أن يسأل ، هل حسابنا سيتم في ملعب واسع و مسرح فسيح نمر فيه أحادا أم أنّ الأمر و السيناريو مكتوب بقول أخر. و لنترك هذا السؤال الآن ، فما يهم أنّ من زرع جينات حصد. فماهية تخليقنا الأخروية هي الآن غيبية بالنظر لقصر معارفنا الإنسانية الحالية فنحن في عصر الطفولة العلمي عكس ما يظن الناس و سيصل بعضنا إلى اليقين بحتمية اليوم الأخر بل و يصل إلى إستيقان كيفية حدوثه ، فلنضع لبنته لمن يأتي و نشرّع أبواب البحث و التشكيك بدل وصدها بالمسلمات و بمحاكم العقائد البائسة.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

معارج التأويل البيولوجي للفاتح الم

  معارج التأويل في سفينة المـ في تقابل بنآء النص القرءاني مع بنآء الأحياء البيولوجي   ملاحظة تحتاج قراءة هذا البحث شيئا من القدرة على معفرة الذنوب فصاحبه ليس مختصا في البيولوجيا و لكنه متطفل عليها أرغمه القرءان على الدخول إلى أبوابها و لعل كتابة هذا البحث تملي على قارئه أن يعود إلى قرائته ثانية إن كان مثلي متطفل على البيولوجيا. ---------   هي رحلة ، حكاية عن رحلة مع ءايات سورة أل عمران و فاتحها الذي جعلني أكتشف نفسي، أكتشف مقدار التعاسة التي أحملها ظالما للقرءان، إكتشاف رهيب جعلني أرى صورتي الفرعونية الصغيرة و هي تحاول أن تقحم القرءان أن تدخله في البوتقة التي تريد أن تعنفه ليصل إلى مبتغاها مستعملة كل الوسائل. بعد كشف رهيب في الفاتح المـ البقرة ظننت أن القرءان سيواصل معي رحلة البنية اللفظية ، رحلة كشف البنآء القرءاني أخيرا. و لكنّه قادني بل هداني إلى ما لم أكن أتصوره يوما ، ما لم يخطر ببالي حتى في أعظم أحلامي. لعلنّي و لأول مرة أتسور القرءان و أدخل في باحة صغرى من باحاته لأرى حجم العمارة.     المـ ، كتاب علمني أن أساير النص ، أن أتركه يقود ، أ...

الفواتح مفاتيح الغيب المنتظر | الجزء الأوّل | مفتاح البنآء "الٓمٓـ" البقرة

  الفواتح مفاتيح الغيب المنتظر الجزء الأوّل مفتاح البنآء   الٓمٓـ البقرة   " وَمِنۡهُمۡ أُمِّيُّونَ لَا يَعۡلَمُونَ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّآ أَمَانِيَّ وَإِنۡ هُمۡ إِلَّا يَظُنُّونَ " البقرة 77 في المصحف الذي بين أيدينا ما يشبه الأكواد في بعض السور ، في 29 سورة من سور القرءان أكواد 14 عشر. أكواد أبجدية غريبة لا علامات إعراب فيها و بعض علاماتها تحمل رمزا غريبا، رمزا يشبه الموجة المنكسرة     هذه الأكواد الأربعة عشر لا تشبه كلمات  القرءان الأخرى و تلاوتها هجائية في أغلبها فالكود  الٓمٓـ ينطق الف لام ميم و الكود كٓهيعٓصٓ ينطق " كاف هـ يـ عين صاد " ، فالكاف و العين و الصاد تهّجى  أمّا الهاء و الياء  و الصاد فتنطق بلا إضافات ، يـ و ليس ياء و هـ و ليس هاء. هكذا تم نقل نطقها منذ أن نطق بها النبي و واصل الناس نطقها في نسك الصَّلَوٰةَ فمن خلاله تأصّل هذا النطق و استقر.   لم يسبق أنّ شكك أحد في نسبة هذه الفواتح لنص القرءان إلاّ المستشرقون فالقرءان عندهم من تأليف النبي بل و في بعض أجزاءه من تأليف غيره و ما دام النبي هو من ألّف هذا القرءان...

الجزء الثالث | المـ التنزيل - خطوة أولى في طريق فهم البنآء القرءاني

  المـ التنزيل خطوة أولى في طريق فهم البنآء القرءاني   " وَإِن يُرِيدُوٓاْ أَن يَخۡدَعُوكَ فَإِنَّ حَسۡبَكَ ٱللَّهُۚ هُوَ ٱلَّذِيٓ أَيَّدَكَ بِنَصۡرِهِۦ وَبِٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡۚ لَوۡ أَنفَقۡتَ مَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا مَّآ أَلَّفۡتَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيۡنَهُمۡۚ إِنَّهُۥ عَزِيزٌ حَكِيمٞ " نقلنا الفاتح المـ آل عمران إلى بحث الثنائيات ، و الذي نقلنا إليها فاصلة آل عمران بين الفاتح و حديث السورة عن الكتاب المـ " الٓمٓـ (1) ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡحَىُّ ٱلۡقَيُّومُ (2) نَزَّلَ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقٗا لِّمَا  بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَ أَنزَلَ ٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ (3)" عبارة الحي القيوم وضعتنا على فكرة الإرتباط فلا يرد القيوم في القرءان إلا مرتبطا بالحي ثم لما تلونا الكلمات التي تبدأ بالكتاب المـ كما فعلنا في سورة البقرة وقعنا على المفاجأة الغير المنتظرة و هي بداية تسلسل المجموعة و نهايتها بنفس الثنائية الميعاد  - المهاد ثم مفاجأة تشابه كلمات الثنائية المـ  ـيعـ   ـاد...