التخطي إلى المحتوى الرئيسي

خطوات في تأسيس منهج قراءة القرءان (4)


 ثالثا ألفاظ القرءان حق. 


القرءان يقول عن نفسه أنّه حق، نزل بالحق و يهدي إلى الحق. و قبل أن نمضي بعيدا في معرفة كنه هذا الكلام علينا أولا تحديد دليل لفظ "حق" في القرءان في مشتركه اللفظي في البلاغات التالية : 

"قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآَنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (51)" يوسف 51 

ظهر صدق النبي الكريم يوسف و أنّ ما قاله و شهد به هو عين ما وقع و أنّ امرأت العزيز هي التي راودته عن نفسه. 

"نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آَمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (13)" الكهف : 13 

يتضح من الآية أنّ قصة أصحاب الكهف كانت متداولة في أوساط قوم النبي قبل نزول القرآن و لكن أُدخلت عليها تعديلات وتحريف جعل القرآن يصحح "بالحق" الدخيل فيها و المحرف ويجعل قصَصه مطابق لما وقع. 

"لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا (27)" 

الفتح :27 

فحدث دخول المسجد الحرام وقع كما رءاه النبي في رءياه، فطابق الحدث الرءيا. 

"يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (24) يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (25) 

النور 

فيوم القيامة يرى الناس ما سجلوه، و ما سجلوه هو وديعتهم وهو بتعبير القرءان دينهم. وهذه الوديعة هي نسخة أعمالهم في إتفاق تام و مطابقة لما فعلوه في حياتهم الدنيا دون ظلم أو خطأ أو مبالغة. 

"وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68)" 

الفرقان :68 

فقتل النفس لا يجوز إلاّ بفعل يطابقها تماما و هو القتل، و هنا نرى دلالة لفظ "الحق". 

" فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (23)" 

الذاريات :23 

فكما أنّ كل حرف ننطق به يقابله حرف منسوخ في الصحيفة فكذلك أمر الجنة و النار و ما جاء فيهما من القرآن، فما جاء فيه مطابق لما هو موجود مطابقة تامة. 

الحق إذن هو ما وافق و طابق مقابله، و ضده الباطل، الذي يبطل مفعوله بفعل كشف جديد أو نقص أو تلبيس في موضوعه أمّا الحق فيتسم بالمطابقة التامة مع موضوعه فلا يبطل و لا يتبدل و لا يتغير في وصفه لموضوعه عكس الباطل و لنقرأ : 

" وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آَيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا (56)" 

الكهف : 56 

"بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (18)" 

الأنبياء : 18 

القرآن يصف نفسه أنّه حق و هو في هذا يؤكد أنه نسخته لا باطل فيها بل مطابقة و موافقة تماما لموضوعه، و موضوع القرآن كما قلنا في الجزء الأول من هذا البحث هو الكون الذي يطلق عليه القرآن إسم "الكتاب" و لنقرأ : 

" وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (66) لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (67) " 

الأنعام 

التكذيب يقابله التصديق، وهو في قوم النبي ناتج عن الجهل بحق القرآن،و ينبههم القرآن أنّ أنباءه ستستقر و تُعرف شيئا فشيئا. 

" قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (108)" 

يونس :108 

و نلاحظ تكرر لفظ "وكيل" في آية الأنعام و آية يونس و القرآن بهذا ينبه أنّ القارئ للقرآن هو من يتفاعل و يبحث ليصل إلى استقرار النبأ فيه و لا ينتظر وكيلا في شخص مبلغ القرآن ليوصله إلى حقائقه. 

القرآن إذن يؤكد في مجموع هذه الآيات و في غيرها أنّه الحق و نسخته مطابقة لموضوعه في كل تفاصيله، وموضوع القرآن كما سبق و قلنا الكون برمته. القرآن لا يقول عن نفسه أنّه حق فقط بل يقول أنّه نزل و أنزل بالحق، وهذا يعني أنّ وسيلة تعبيره حق، فعباراته حق مطابقة لمدلولها و موافقة له موافقة تامة في كل التفاصيل ولنقرأ : 

"وبالحق أنزلناه و بالحق نزل، ومآ أرسلناك إلاّ مبشرا و نذيرا" 

الإسراء 

"الم (1) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (2) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (3) " 

أل عمران 

فالكتاب (الكون بتعبيرنا) نزّل بحق بحيث لا يخالف محتوى صحيفته في كل لفظ من ألفاظه موضوعه، إذ الحق هو وسيلة إنزاله و هذا معنى جملة "بالحق" كما أنّ الحق موضوعه ، فكل ما يعبر القرآن عنه فهو مطابق لمدلوله وهذا التنزيل مصدق لبينات الكون التي سنكشف عنها في المستقبل و هذا ما يعنيه "لما بين يديه"، وهنا نرى هذا الإرتباط بين دراسة الكون و معرفة التطابق التام بين الحق الكوني و الحق القرآني. 


المائدة (46 - 48)

فالإنجيل الذي أوتيه عيسى مصدق لبينات التوراة أمّا القرآن فهو مصدق لما بين يديه من الكتاب، أي مصدق لبينات الكون التي سيعرفها الناس. فالقرآن كما قلنا و لن نفتأ نقول هو تنزيل و إنزال للكون في صحيفة تطابق و توافق موضوعها في كل تفصيل. وهذا الإنزال (الإسقاط) تمّ بالحق أي بإتفاق تام كامل. 

فنص القرآن هو الحق و نزوله و إنزاله تمّ بالحق، فالقرآن بهذا يقول عن نفسه دون مواربة أنّه يحوي الكون برمته مطابقة و أنّ تعبيره في كل تفاصيله حق أي مطابقة لمدلولها، فكل حرف و كل لفظ و كل رمز مطابق لما يتحدث عنه تطابقا تماما. 

و أكبر من هذا فالقرآن يقول عن نفسه أنّه يهدي للحق و أنّ الإنسان يستطيع به أن يهتدي إلى الحق و للحق ولنقرأ : 

"إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (41)" 

الزمر :41 

"وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآَنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (29) قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (30)" 

الأحقاف 

القرآن ليس فقط هو الحق و نزل و أنزل بالحق بل يوضح السبيل الذي يوصل إلى معرفة هذا الحق، أي إلى معرفة التطابق التام بينه و بين الموضوع المُسقط فيه و هو الكون. 

الحق كما رأينا هو المطابقة والموافقة التامة لموضوعه و هو بهذا لا يقبل الإبهام و لا التمويه و لا النقص و لا الزيادة و لا المبالغة بل داله هو مدلوله. و بهذه التفصيل نصل إلى ضرورة نفي المجاز عن القرآن إذا أردنا أن نسايره في إعتبار نفسه حق من كل جهة. فالمجاز لا ينضبط بضابط و هو راجع إلى الذوق لا إلى الحق، فالمجاز يقتضي التقدير فما معيار التقدير و ما هي قاعدة ملأ الفراغ في البلاغ المبين. 

إنّ ما فعله كثير من الأسلاف في التعامل مع البلاغ المبين جريمة بحق. فبدل التعامل مع النص القرآني كنص كامل لا يحتاج إلى أن يتكأ على عكاز من خارجه و إلى رواية تفسره، و لا يفتقر إلى شعر "جاهلي" يوضح غامضه، لجأ هؤلاء إلى مطابقة "أحسن الحديث" عن الكون بشعر البشر و نثرهم بدل البحث عن هذه المطابقة في الكون. فبدل الغوص و البداية في البحث العلمي الكوني و في البنية القرآنية لتحديد دلالة ألفاظ القرآن و إستقرار نبأها لجأ الأسلاف إلى روايات بشرية قاصرة أقصى ما توصف به أنّها تاريخية. 

ألفاظ القرآن لا تخضع في تحديدها لنص يسبقها حتى تُقاس به بل هي ألفاظ كونية تُضبط بتعاظم معرفتنا بالكتاب (الكون) لا غير، وليس بالتستر وراء المجاز لتجاوز المعنى الظاهري الحسي الوثني التي رسخته مدرسة الحديث. فكلما تعمقت معرفتنا بالكون كلما اتضحت للعالمين ألفاظ القرآن : 

"سنريهمـ ءاياتنا في الأفاق و في~ أنفسهم حتّى يتبين لهم أنّه الحق، أولم يكف بربّك أنّه على كل شيء شهيد" 

فصلت 41/ 53 

هكذا نعرف التطابق بين حديث القرآن و حق الكون، وبالعلم فقط سواء كان علما في العالم الحي (بيولوجيا و توابعها) أو علما في عالم الميت (فيزياء و توابعها)، يستقر نبأ القرآن و ألفاظه : 

الحج (52 - 55)


هذا القرآن هو إسقاط للكون في لغة مقروءة، فالكتاب المنزل على النبي ليس صحيفة بل هو الكون برمته جعل قرآنا يتلى. 

و القرآن بهذا يربطنا ربطا وثيقا بدراسة الكون الذي هو السبيل الوحيد لضبط مفاهيم القرآن في جدلية مستمرة أساسها دراسة الكون و العودة إلى القرآن. فلا يمكننا معرفة الحق القرآني و ضبط ألفاظه إلاّ بالبحث العلمي المتصل (الذين أوتوا العلم) فالقرآن يبحث عنه في الكتاب ـ الكون و ليس في الشعر الجاهلي و لا في لغة أهل البادية بين سكان الجزيرة. و كتاب الكون يحتاج إلى استكناه حقائقه بطول البحث و رسوخ العلم : 

"و يرى الذين أوتوا العلم الذي أُنزل إليك الحق من ربك هو الحق و يهدي إلى صراط العزيز الحميد" 

سبأ :6 

إنّ إستبعادنا الكناية و التشبيه ـ إلاّ إذا جاءت التعابير بأدوات التشبيه أو الكناية كالكاف و مثل ـ و إستبعاد المجاز من البلاغ المبين ليس رجوعا إلى معان حسية للألفاظ، فألفاظ القرآن تضبط بتعاظم معرفتنا بالكون كما سبق، فالمشكلة في فهمنا للقرآن هي في ضبط ألفاظه. ف "يد الله" هي يد الله ما دام جاءت الجملة هكذا في القرآن و ليس علينا إلاّ أن نسأل : 

ما هي دلالة "يد" في القرآن ؟ 

و ما هي دلالة "الله" في القرآن؟ 

و ليس لنا أن نقول أنّ "يدالله" عي "عون الله" أو "رحمة الله" أو "قوة الله"، فهذا إتهام واضح للقرآن أنّه لا يُحسن التعبير عن الحق و لا يحمل الحق. 

فألفاظ القرآن عربية أي خاصة به وحده في بناءها و هي بهذا بعيدا عن تخرصات الشعراء و البلغاء و الأدباء والبشر أجمعين: 


النحل: 103

إنّ كل حروف العالمين أعجمية عاجزة عن التعبير عن الحق بالحق و القرآن وحده القادر على صياغة اللغة الكونية التي تسمح بالتعبير عن كل الحق بالحق. 

و نفي المجاز عن القرآن ليس معناه نفيه عن نصوص البشر، إذ المجاز في تعابير البشر هو القاعدة و يستحيل على البشر صياغة لغة كونية إلاّ إذا أحاطوا علما بحقائق الكون من اللامتناهي الصغر إلى الكل الكوني وهذه الإستحالة هي التي تعطي للتحدي القرآني بالإتيان بقرآن مثله معناه. 

التعامل مع أي نص إنساني يدفعنا إلى إعتبار المجاز و تقدير المحذوفات و ملء الفراغات في النص، سواء كان هذا المعبر من شعراء "الجاهلية" أو من نحاة العصر العباسي أو من أي كاتب كان. و ربمّا هذا هو السبب الرئيسي في تعامل الناس مع كتاب الله بنفس منطق تعاملهم مع النصوص الإنسانية الأخرى. 

فعندما نقرأ في البلاغ المبين : 

"و من كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى و أضل سبيلا" 

نحاول تقدير معنى للفظ "أعمى" واعتبار المجاز حتّى تُحوّل لفظة "أعمى" المتعارف عليها بمعناه الحسي إلى معنى آخر مقبول و متسق مع دلالة الآية لإستحالة أن يكون المعنى الحسي هو المراد. فهل هذا هو منهج تحديد دلالة اللفظ في القرآن؟ 

هذا ما سنراه في القاعدة الرابعة و علينا فقط هنا التأكيد على أنّ ألفاظ القرآن حق أي مطابقة لما وُضعت له، ف "أعمى" هي "أعمى" وليست شيئا آخر. 

المجاز إذن هو تقدير معاني لألفاظ لم توضع لها ابتداء. وهذا هو الذي يرفضه القرآن كما رأينا و هو يعبر عن نفسه أنّه الحق من كل جهة. فتقدير معاني الألفاظ بالمجاز يخضع لشيوع استعمال هذا التقدير بين الناس فتقدير القدرة للفظ اليد أو تقدير العطاء أو أي معنى آخر يخضع لشيوع استعمال هذا المعنى بين فئة من الناس في عصر ما. فهل يخضع البلاغ المبين لهذا المنطق؟ 

و الأخطر من قبول المجاز هو أن يقال أنّ المعاني الأولية للألفاظ في البلاغ المبين هي حسيّة بالدرجة الأولى أو كما هو شائع ظاهرية إلاّ بقرينة، و كالعادة تغيب القرائن ليهيمن المعنى الحسي الوثني على فهم البلاغ المبين. و هذا ما نجده مسطورا في المعاجم و كتب التفسير و اللغة، فهم يعتبرون معان حسية للألفاظ ثم يسترسلون في الكلام عن المعاني المجازية التي وضعت لها هذه الألفاظ. 

من يستطيع أن يقول أنّ لفظة "يد" في كتاب اللّه معناها الأولي الجارحة و الحاسة ؟ 

من يستطيع أن يقول أنّ لفظة "أعمى" في البلاغ المبين معناها الفاقد لجارحة العين؟ 

لقد قال كثير من الأسلاف هذا الكلام اللغو و قالوا أنّ معاني الألفاظ ظاهرية (أي حسيّة) إلاّ إذا صرفت بقرينة. هكذا إذن، و بهذه الطريقة يقرءون كتاب الله،هم من يحدد المعاني الأولية للألفاظ، التي هي حسيّة عندهم، و هم من يكتشف و يحدد القرائن . 

من قال لهم أنّ معاني الألفاظ الأولية حسيّة ؟؟ من ؟ 

كثير هو اللغو الباطل الذي حُكم به البلاغ المبين و يُحكم به. لماذا لا تكون المعاني التجريدية هي المعاني الأولية للألفاظ؟ 

إنّ اللفظ في البلاغ المبين وُضع في مكانه و هو يقصد به عين اللفظ و لا شيء سواه. فكلمة "يد" يقصد بها يد و لا يقصد بها قدرة أو معونة أو أي شيء آخر. و لو أراد القرآن الحديث عن القدرة لأتى بلفظ "القدرة" و لو أراد غير ذلك لعبّر بلفظ آخر. فالقرآن يقول عن نفسه أنّه حق كله و أي لفظ وُضع فيه فهو يقصد به عين اللفظ و لا شيء سواه. ومحاولات التقدير منّا بالمجاز أو المحذوفات سيوقعنا في خطر كبير و هو توقف معرفتنا بحقائق البلاغ المبين بإنتهاء تفاعلنا مع المعرفة الكونية. 

و لكي يزول الإشكال نهائيا يُبعد القرآن عن نفسه شبهة العلاقة بينه و بين تعابير البشر فيشير القرآن أنّه ليس شعرا و لا كهانة و لا ينبغي له أن يكون كذالك : 


يس :69/70 

دليل شاعر و جمعه شعراء نستبينه من إشتقاقاته في القرآن : 

تشعرون / يشعرون /يشعركم/يشعرنّ 

أشعارها 

الشعرى 

شعآئر 

الشعرى 

المشعر 

فعل "شَعَر" بفتح الشين و إسمه "أشعار" و"شعآئر" يدل على عمل إستقبال و تمرير شيء و الولوج به في مسلك ضيق دون تململ ودون اضطراب، و "الشِعرى" يدل على أقرب نجم عنّا بعد شمسنا الذي يسمح بتمرير الكواكب بينه و بين الشمس في فلكها مع خفاء تأثيره عن هذه الكواكب الذي يدل عليه الكسر في الشين. وقول "الشِعر" هو إذن خفاء الفعل "شَعَر"، ونشير هنا دون تفصيل أنّ الفتح في القرآن يدل على الظهور عكس الكسر الذي يدل على الخفاء. فقول الشِعر يغيب فيه المرور في المسلك الضيق الضروري للوصول إلى الحق، إذ "الشِعر" ينقصه رؤية ما وراء البصر في الحق الكوني، سواء المبصر منه أو الغيبي في اللامتناهي الصغر. فهو قول لا ينفذ إلى الحق إلاّ ظنّا و ووهما. 

و الشاعر بهذا يندفع بقوة مشاعره و أحاسيسه الأولية لا بقوة البحث و التقليم التي تجعله يعي و يطمئن لما يقول أنّه موافق للحق ،و مع ذالك لم ينتبه الناس إلى اليوم أنّ الشعر لا يمكنه أن يكون دليلا لفهم القرآن و القرآن ينتقده في صياغته و في ما يحمله من مفاهيم. وحتّى الإستشهاد لا يصح به، إذ كيف يُستشهد بقول شاعر و هو لا يدري أين يضع ألفاظه و كيف يجعلها تنطق بما يريده هو بله أن تنطق بالحق. لقد ظُلِم القرآن ظلما كبيرا بهذا المنهج المعوج مع تحذير القرآن منه. و أنت لا تكاد تجد بحثا في دليل لفظ قرآني في كتب الأسلاف إلاّ و أبيات الشعر تترى ليُعرف دليلها به و لم يرد أحد أن يبحث في البنية اللفظية للقرآن. 


الأنبياء : 4/6 

يروم المكذبون بالقرآن وصفه من أنّه أضغاث أحلام تعبر عن تخبط رؤى صاحبها، أو قول شعر يحمل الظن و التخرص بقول الشعر وهم يطالبون بآية حسية يرونها كما أوتيها من جاء قبل النبي الكريم الخاتم و ينسون أنّ مجيء الآية الحسية سبق للزمن و إرهاص بالعذاب، فمن يطالب أن يسافر في الزمن ليصدّق بدل أن يبحث هو بنفسه عليه أن يقبل أنّ تكذيبه معناه نهايته. فالعذاب اللاحق بالمكذبين بعدها أشبه بمحاكمة. فالقرآن يؤكد هنا أنّه الآية التي ترينا الآيات كلها بحكم مجيئها ممن يعلم القول (صيرورة كل حدث) في السماوات و الأرض. 

ونترك القارئ يرى حكم القرآن على من يجعله مطابقا في صيغته و صياغته و حقه للشعر : 


الشعراء :221 /227 


فالشاعر يهيم في واده ليجد الطريق إن وجده، و في دليل الواد ما حددت معالمه فلا يسمح بالخروج و هو ما يُعرف بالقافية أو الوزن شعرا كان أو رجزا. وأنّ ما يقوله الشعراء لا تنطبق عليه صفة الحق و لا ينطبق حتى مع أفعالهم. 

و ينفي القرآن أن يكون كلامه كلام كاهن : 

"فذكّر فمآ أنت بنعمت ربّك بكاهن و لا مجنون (29) أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون (30) قل تّربصوا فإنّي معكم من المتربّصين (31 ) 

الطور 

"فلا أقسم بما تبصرون (38) و ما لا تبصرون (39) إنّه لقول رسول كريمـ (40) و ما هو بقول شاعر؛ قليلا ما تؤمنون (41) و لا بقول كاهن قليلا ما تذّكرون (42) تنزيل من رب العالمين (43)" 

الحاقة 

و الكاهن مرحلة متقدمة في التخرص على الشاعر وهو أقرب للجنون ممن مرضت نفسه بغلق جميع سبل معرفة الحق 

متمتما عبارات لا يحسن المرء فهمها ولا عقل أجزاءها بل يطلب منه فقط تذكرها وهذا ما يفعله الكهنوت في كل عصر بتخرصه و مرضه السرطاني بمنع النظر و البحث فيما يقول وما يتمتم كي لا تظهر سوءة أقواله و سوءها. 

القرآن ليس قول شاعر و لا قول كاهن بل هو الحق الذي يُطالب القرآن بتقصي البحث لمعرفته و للوصول لإستقرار نبأ حقائقه. 

فقول الشاعر لا يُطمئن له "لا تؤمنون" و قول الكاهن لا يُذكر لأنّه لا أساس له و لا بناء. فالقرآن ينفي أن يكون قوله قول شاعر أو كاهن بل قوله الحق الكوني. 

إنّ كل لفظ في القرآن دال يتطابق مع مدلوله دون تورية و لا مجاز و لا مبالغة و لا تقدير محذوف في العبارات و لا ألفاظ زائدة. و بعد ما قلناه في كل ما سبق نوضح المراد بأمثلة سقناها هنا لترسيخ الفكرة مع إمكان رجوع القارئ إلى بعض المواضيع المنشورة في هذا المنتدى، ففيها تفصيل أكبر. 

أ ـ ما هي الساق؟ 


القلم:34/43 


الآية(41) من سورة القلم تقاسمها أصحاب المذاهب و تصارعوا فيها وبلغ الأمر بمن لا يستحي منهم أن قال أنّ لله فاطر السماوات و الأرض عضو سماه ساق وحتى يتحاشى غباء هذا القول أضاف "هي ساق تليق بجلاله" وجاء من ينقض هذا القول و يُدافع تنزيها لله عن هذا القول الفاحش في حقه فقال أنّ الساق عضو و لكنّه في هذه الآية مجاز يعبر عن عسر الأمر يوم القيامة و إشتداد الأزمة على المجرمين. 

ألفاظ القرآن حق كما قلنا ولا يُترك تحديدها لنا وفق الذوق، ف "ساق" هي "ساق" وليست أمرا آخرا ولهذا توّجب علينا فهم دليلها. و لمّا كان تحديد دليل لفظ في القرآن لا يصح إلاّ بمعرفة البنية اللفظية في القرآن، وما دمنا نجهل هذه البنية فإنّنا سنلجأ كما قلنا في القاعدة الثانية للمشترك اللفظي و للآيات التي ورد فيها هذا اللفظ و دراسة أقرب مشتقات هذا اللفظ وسنلجأ إلى الكون وما جدّ في معارفنا له لنحدد دلالة هذا اللفظ. 

أقرب مشتقات "ساق" في القرآن هي الألفاظ التالية : 

سُقْناه : الأعراف 57؛ فاطر 9 

نسوق : مريم 86 ؛ السجدة 27 

سِيق : الزمر 71، 73 

يُساقون : الأنفال 6 

سائق : ق 21 

المساق : القيامة 30 

ساقَيْها : النمل 44؛ ص 33 

سوقه : الفتح 29 

الأسواق : الفرقان 7، 20 

و نلاحظ بوضوح أنّ "ساق" تحمل في دليلها الإرسال و والتوجيه من خلف إلى أمام. فالقائد متقدم و السائق متأخر. أمّا الساق فهي آلة توجيه المسوق و تحديد إتجاه حركته. 

و نفهم إذن أنّ الإنسان يُنشأ ساقه التي تسيره يوم الحساب نحو اليمين أو نحو الشمال و هو يُرسل و يبث في كل لحظة من حياته الدنيا نسخة من أفعاله ليكوّن زوجه الأخروي يلتف بزوجه الدنيوي لينشأ إنسان جديد من هذين الزوجين ولنقرأ : 

" وإذا النفوس زُوجّت " التكوير :7 

"فيومئذ لا يُعذِّبُ عذابه أحد (25) و لا يُوثِقُ وثاقه أحد (26) " الفجر 

فساقه التي هي نسخته و زوجه الأخروية هي التي توثقه و هي التي توجهه و تسيره، وهي ساق حقيقية تماثل نسخة DNA الدنيوية : 

"و ترى كل أمة جاثية؛ كل أمة تدعى إلى كتابها اليوم تُجزون ما كنتم تعلمون (28) هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق؛ إنّا كنّا نستنسخ ما كنتمـ تعملون (29)" 

الجاثية 

وحين تتزاوج النسختين DNA الدنيوية بـ DNA الأخروية ينتج فردا جديدا لا يستطيع أن يستجيب لأمر أو نهي في برنامج نفخ الروح المودع في نسخته الدنيوية وهذا ما نقرأه في آية سورة القلم : 

"يوم يُكشف عن ساق و يدعون إلى السجود فلا يستطيعون " 

ومع أنّ هذا الفهم واضح في الآية إلاّ أنّ الأسلاف ظنّوا أنّ الله هو من يحضر بذاته و إن اختلفوا في تحديد ماهية هذه الذات و كان يكفي أن يلاحظوا أنّ فعل الكشف لم يبّين فاعله : 

يُكْشَفُ 

و لم يأت فعلا لله بصيغة "يَكشف". إضافة إلى سياق الآيات التي كما سنرى في القاعدة الخامسة مرتبطة حلقيا ببعضها البعض وكل آية مرتبطة بما يليها و الذي لا يترك شكا في تعيين المراد من الآية و لكن المذاهب سجن تمنع الناس من إبصار آيات البلاغ المبين. ففي هذا المثال نرى أنّ كلام الله ككلماته مضبوطة و نظمه متناهي الدقة، كل حرف فيه له موضعه و كل لفظ له دلالته التي لا يشاركه فيها غيره و هو يحمل الحق و لا يحتاج لتقدير محذوف أو إعتبار مجاز : 

"الذّي خلق سبع سماوات طباقا، ما ترى في خلق الرحمان من تفاوت، فارجع البصر هل ترى من فطور (3) ثمّ ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا و هو حسير (4)" 

الملك 

ب ـ صيغ المفرد و المثنى و الجمع 

إعتبار القرآن ألفاظه حق ينفي أن يورد المفرد و هو يريد الجمع أو يورد الجمع و هو يريد الإفراد أو يورد المثنى و هو يرد المفرد أو الجمع وهذه القاعدة التي تظهر بسيطة في بدايتها سرعان ما تصبح مستحيلة التطبيق عند الأسلاف و من تبعهم لضرورات المذهب العقائدي و الأفكار المسبقة. 

و لتوضيح هذا الكلام سأجعل الحديث حوارا بين فردين أحدهما أطلقت عليه إسم "وَرَث" الذي يمثل المفسرين و الآخر "قيَرى" الذي يمثل محاولة قراءة القرآن بألفاظ القرآن نفسها، ويدور حوارهما حول آيات من القرآن سوف أعرضها تباعا و أبدأ بآيات من سورة هود : 


هود (69 - 76)

قيرى : رسل من جاءت لإبراهيم ؟ 

ورث : رسل الله؟ 

قيرى : لماذا قال رسلنا و لم يقل رسلي كما قال : 

" كتب الله لأغلبن أنا و رسلي" المجادلة :21 ؟ 

ورث : أورد الجمع هنا للتعظيم و التفخيم لنفسه 

قيرى : كان أولى أن يقول إذن "لنغلبن أنا و رسلي" وهل الله يحتاج لتفخيم الخطاب و تعظيمه و المبالغة فيه، أليس كلامه حقا؟ و أسألك يا ورث، من قائل كل هذه القصة للنبي الكريم إبراهيم ؟ 

ورث : أولاّ إيراد الجمع مرة و المفرد مرة أخرى قد يكون فيه حكمة خفت علينا، أماّ قائل هذه القصة لإبراهيم فهو الله سبحانه 

قيرى : كيف يكون هو الله و هو يقول "يجادلنا في قوم لوط"، هل الله فاطر السماوات و الأرض يُجَادل وهل يعبر عن نفسه بالجمع؟ 

ورث :قد يكون المعنى أنّ مجادلة إبراهيم للملائكة هي نفسها مجادلة لله إذ هو من أرسلهم 

قيرى : كان يجب إذن أن تأتي الصيغة "يجادلهم" الله ما دام هو المتكلم وهل يقول الله لإبراهيم "قد جاء أمر ربك" متكلما عن نفسه بصيغة الغائب؟ 

ورث : أنا عندي أنّ القرآن كلام الله و خطابه و لا أريد الجدال كثيرا في هذه التفاصيل ويكفيني التصديق بها. 

قيرى : القرآن كلام الله ولا يكفي التصديق بل المطلوب هو التدبر و الغوص لفهم ما يحمل من حق و يا ورث واصل قراءة سورة هود و اقرأ معي : 


هود (81 - 83)


قيرى : من المتكلم بالجمع؟ 

ورث : الله تعالى مفخما نفسه 

قيرى : كيف يكون هو الله و هو يتكلم عن نفسه بالجمع و بصيغة الغائب "مسومة عند ربك" في آن واحد ولا يقول "مسومة عندي" ؟ 

و لن نواصل هذا الحوار طويلا ف "ورث" سيطلعنا على مراوغات المفسرين و تخريجاتهم و أساليبهم في لي آي القرآن وخلاصة القول أن النص القرآني يغيب في متاهات مذاهبهم الفكرية العقائدية و في رواياتهم التي جعلوها مكملة للنص القرآني و كأنّ القرآن ناقص يحتاج لإحكام آياته من خارج نصه. 

و نقف هنا لنبدد الزعم القائل أنّ الله يتكلم عن نفسه بصيغة الغائب تنزيها و بضمير الجمع تعظيما و تفخيما على عادة بعض الملوك و لنقرأ : 

"و نادى فرعون في قومه قال ياقومـ أليس لي ملك مصر و هذه الأنهار تجري من تحتي، أفلا تبصرون " الزخرف :51 

"أنا ربكم الأعلى" النازعات 24 

"أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون" النمل :32 

"أيكم يأتيني بعرشها" النمل 

"ما مكنّي فيه ربّي خير فأعينوني بقوة أجعل بينكم و بينهم ردما" الكهف :95 

و هؤلاء كلهم ملوك (فرعون، بلقيس، سليمان، ذو القرنين) يصيغ القرآن كلامهم بصيغة المفرد فأين ما قاله المفسرون عن عادة الملوك بالحديث عن أنفسهم بصيغة الجمع تعظيما؟ 

ووقفة مع آية من كتاب الله تُنهي قولنا في هذه المسألة 

ولنقرأ : 

"و لقد آتينا داوود و سليمان علما، و قالا الحمد لله الذي فضّلنا على كثير من عباده المؤمنين" النمل:15 

فصيغة المثنى تدل على فردين و لم يأت القرآن بصيغة الجمع هنا مع أنّهما ملِكين، وهذه الآية تجيب عن سؤال من يظن أنّ القرآن يمكن أن يأتي بصيغة الجمع للحديث عن المفرد في قوله : 

"يأيها الناس عُلّمنا منطق الطير و أوتينا من كل شيء" النمل :16 

ويُفهم من الآية أنّ من عُلِّم ليس فقط سليمان بل أباه كذالك. 

فالقرآن يؤكد إحكام عباراته و ألفاظه و بهذا ينبغي أن نقرأه لنصل إلى حقائقه و ندخل إليه كما ندخل مخابرنا. وكلام الله عربي و ليس أعجمي فبنيته دقيقة متقنة لا تختلط فيه لا دلالات الألفاظ و لا صيغها. 

و أمّا منهج الأسلاف، إن كان لهم منهج، فقد جعلوا من القرآن خليطا لا ضبط فيه ولا حق. كيف يمكن أن يعبر الله عن نفسه بالجمع و لم يأت في القرآن أبدا : 

"سبحانكم" 

و لا " الحمد لكم" 

ولا " عليكم توكلنا" 

و لا "إياكم نعبد" 

"لا إله إلاّ أنتم" 

.... 

لماذا لم ينتبه الأسلاف إلى هذه الصيغ و لم يعطوها حقّها من العناية لأنّهم اعتقدوا إبتداءً أنّ المتحدث في القرآن هو الله مباشرة ولم يروا أساسا أنّ القرآن من ملائكة الوحي الموكلين بمسيرة الإنسان خلقا و تعليما و إماتة و بعثا و حسابا وهذا ما نقرأه في القرآن كله لو لاحظنا أنّ عبارات القرآن حق لا مجاز فيها و لا تورية ولا إلتواء. 

فالملائكة بإجتماعهم كوّنوا روحا تمّ بها إنزال الوحي من ربهم وربّ النبي و من معه من الملأ الأعلى و يكفي قراءة سورة الصافات وهي تصف كيف صيغ القرآن و حُفظ من مركز صياغته إلى إخراجه صحيفة مقروءة للناس. فصياغة القرآن نصا جاءت من الملأ الأعلى و ليس من الله فاطر السماوات و الأرض ولقد أكد القرآن هذا وقرره و لنقرأ: 

"قل نزّله روح القدس من ربّك بالحق ليثبت الّذين ءامنوا و هدى و بشرى للمسلمين" 

النحل :102 

فلو اعتبرنا الله فاطر السماوات و الأرض هو من صاغ النص القرآني فكيف يقول في الآية "من ربّك" بدل "منّي"، ولو جعلنا الملائكة هي من تتحدث في هذه الآية وتشهد أنّ الله ذاتاً هو من صاغ النص القرآني و أرسلها به لوقعنا في نفس الإشكال إذ كان يجب أن تقول "قل نزّله روح القدس من ربّه" و ستبقى إذن صياغة "من ربّك " خاطئة الصياغة في الحالتين. فالآية تقول أنّ تنزيل القرآن (نزّل) إلى قلب النبي تمّ بإجتماع ملائكي كوّن روحا هي التي تحفظ نصه من التأثير عليه و هذا التنزيل هو من صياغة رب النبي المكلف به و بصياغة القرآن. 

ولنقرأ كذلك في آية سبأ:6 توضيح مباشر لمصدر صياغة القرآن : 

"و يرى الّذين أوتوا العلم الّذي أُنزل إليك من ربّك هو الحق و يهدي إلى صراط العزيز الحميد" 

و نفس الملاحظة تنطبق على هذه الآية، ففي إعتبار الله ذاتاً هو من صاغ القرآن تناقض في صياغة الآية. وليس هذا القول دليلا على إمكانية دخول الخلل في النص القرآني بحكم صياغته من مخلوقات بل هذه شهادة أنّ الله خلق الكون كلمات و كلاما و أنّه خلق مخلوقات عالمة واكبت خلق الكون منذ إنفجاره. 

و هؤلاء الملائكة المدبرين المواكبين لمسيرة الخلق و مسيرة الإنسان بنفخ الروح فيه هم نفسهم من ساير الإنسانية بإرسال الأنبياء و تحضيرهم و بتربية الإنسان و رقيه كي يأخذ على عاتقه وظيفة الخلافة التي من أجلها خُلق و نقرأ وقوفهم مع نوح في محنته : 

"و لقد نادانا نوح فلنعم المجيبون" المؤمنون :27 

وهذه القوى الملائكية هي ما نجد صورها في أساطير الأمم القديمة منحوتة أو منقوشة عند الأشوريين و السومريين و القبطيين التي عجزنا عن إستنطاقها بطريقة صحيحة لإعتبارنا إياها تخريفا و وهما. 

كل هذه الحقائق نجدها في القرآن واضحة لولا ثقل موروث أسلافنا الذي يسيطر على قلوبنا، و من رحمة الله بنا أنّ قراءة القرآن عند عجز الناس عن التفاعل معه تأتي من وحي الملائكة نفسها بما تكشف لنا من علم لتخرج قروء القرآن قرءا قرءا و يستقر نبأها عندها : 

"فإذا قرأناه فاتبع قرءانه" القيامة :18 

و هؤلاء الملائكة هم نفسهم الذين قالوا في القرآن : 

"تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا (63) و ما نتنزّل إلاّ بأمر ربّك، له ما بين أيدينا وما خلفنا و ما بين ذلك؛ وما كان ربُّك نسيّا (64)" مريم 

يجب علينا إذن إن أردنا فهم الحق القرآني أن نترك القرآن يتكلم و لا نبيح لأنفسنا أن نتكلم في مكانه و لا أن نسوغ حقائقه وفق مذاهبنا و أفكارنا المسبقة، وعلينا أن نلتزم عباراته و نجعل المفرد مفردا و الجمع جمعا و المثنى مثنى، و أن نرى أنّ ألفاظه حقا لا تمويه فيها و لبس. 

و أنّه لا يجوز لنا بحال تقدير محذوف في عباراته أو في علاماته بله أن نعتبر فيه حروفا أو ألفاظا زائدة. 

ج ـ هل قطع النبي الكريم محمد أشجارا مثمرة عمدا ؟ 

القارئ لكتب السيرة و التراث الحديثي يجد أنّ النبي الكريم يُتّهم بقطع أشجار مثمرة في إجلاءه ليهود بني النضير و جاء هذا الإتهام في روايات أراد منها أصحابه شرح ما جاء في أوائل سورة الحشر إن أحسنّا بهم الظن أو أرادوا إتهام النبي بالوحشية إن ساء ظنّنا بهم و لنقرأ : 


الحشر (1 - 6)


لنترك القرآن يسرد لنا حقائقه بنظمه في تنازعنا مع الروايات التي تتهم النبي الكريم بقطعه للأشجار المثمرة. 

اعتبر الرواة و المفسرون أنّ "لينة" هي شجرة التمر المعروفة 

(النخلة وجمعها نخل) أو اعتبروا "لينة" وصفا للنخلة فهل هذا صحيح؟ 

ورد لفظ "النخل" في القرآن 13 مرة و هذه المرة الوحيدة التي ورد فيها النخل بلفظ "لينة" بالمفرد حسب المفسرين. ونسأل المفسرين و الرواة لما أضاف القرآن عبارة "قآئمة على أصولها" و هي إضافة لا داع لها إن اعتبرنا أنّ "لينة" هي نخلة إذ كان يكفي أن يُقال "ما قطعتم من لينة أو تركتموها فبإذن الله". 

و نسأل لما أضاف "على أصولها" إلى قائمة لو كان المقصود ب "لينة" النخلة وكان يكفي أن يقول "قائمة" دون إضافة "أصولها" التي هي حشو عبارات بهذا الفهم لدليل لفظ "لينة" و هل هناك نخلة تقوم إلاّ على أصلها؟ 

و نختم أسئلتنا التي تأتي على إتهامهم من أصله فنقول: "لينة" مفرد فلماذا قال "أصولها" بصيغة الجمع بدل "أصلها" بالمفرد و قد جاء القرآن في بلاغ آخر بصيغة المفرد : 

"كشجرة طيبة أصلها ثابت و فرعها في السماء" إبراهيم :24 

إنّ ما روته الروايات و ما سطره أصحاب السير في أحداث إجلاء بني النضير لا يستقيم مع الآية القرآنية أبدا و من أي جهة أخذته وجدته يتناقض مع البلاغ القرآني فماذا يقول القرآن و عن ماذا يتحدث ممّا غاب عن الأسلاف رؤيته. 

الآية و بكل بساطة تقول أنّ الذي لا يقوم على أصله يُقطع من جذره، فمن هو الذي لا يقوم على أصله : 

ـ خائن الوطن بترك الدفاع عنه أو محالفة العدو عليه أو الإفساد فيه 

ـ خائن العهد الذي وقع على ميثاق ثمّ خرقه 

و هذا ما يؤكده القرآن بوصفه لهذه "لينة" ب "الفاسقين الذين تحددهم هذه الصفات : 

".. وما يضل به إلاّ الفسقين (26) الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه و يقطعون مآ أمر الله به أن يُوصل و يفسدون في الأرض؛ أولئك هم الخاسرون(27 ) "البقرة 

يهود قوم النبي الكريم موسى في يثرب التي أصبحت بمجيء النبي إليها "المدينة" بفعل الميثاق المديني فيها بين أهلها و النبي، هؤلاء اليهود لديهم كتاب منزل يمنعهم من التآلب على موالاة الكافرين المعتدين على أبناء وطنهم الصالحين المصلحين و يحرم عليهم الغدر، 

ولكنهم خانوا هذه الأصول و كفروا بها فهؤلاء قطعوا أصولهم بأيديهم، والقرآن يشير أنّ هؤلاء اليهود أصولهم عريقة في المنطقة و سماهم "لينة" التي من أقرب مشتقاتها "لون" في البلاغ المبين. 

و لون البشرة علامة الأصل الجغرافي للإنسان في كل بلد، و هؤلاء اليهود إذا عريقون في المنطقة و ليسوا دخلاء كما ظنّ الناس بفعل حملة الكهنوت اليهودي من قوم النبي الكريم موسى و ترويجه فكرة تواجده الأولي في بابل ثمّ في بلاد النيل، والحقيقة أنّ يهود يثرب ممن عادوا النبي هم أقلية إذ أغلبية يهود يثرب أسلموا و حنفوا و ناصروا النبي الكريم و نصروه و على رأسهم رئيسهم الفيدرالي عبد الله بن أبي بن سلول. 

و القرآن يحدد أنّ أصولهم تنحدر من الجزيرة لا غيرها. هؤلاء اليهود خانوا وطنهم و خانوا كتابهم و خانوا عهودهم فاستحقوا القطع، ويشير القرآن إلى ترك "لينة" أخرى لم تُقطع و هم يهود بني قريظة و التي كانت تهيأ لعمل الخيانة و أرجأها النبي الكريم علّها تعود و انتهت هي كذلك كأختها في مستنقع الخيانة و انتهى أمرها قطعا بإجلائها. 

القرآن هو الحق كله في حركة ألفاظه و نظمه و علاماته التي تتحرك حيّة لترسم المشهد الحق، فألفاظه حق لا مجاز فيها و لا لبس و لا تمويه و عباراته محكمة لا محذوف فيها و لا تقدير و لا زيادة و علاماته تنهي رسم المشهد بكامله و صيغه وُضعت بحق دون مبالغة أو إرادة تفخيم و تعظيم


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

معارج التأويل البيولوجي للفاتح الم

  معارج التأويل في سفينة المـ في تقابل بنآء النص القرءاني مع بنآء الأحياء البيولوجي   ملاحظة تحتاج قراءة هذا البحث شيئا من القدرة على معفرة الذنوب فصاحبه ليس مختصا في البيولوجيا و لكنه متطفل عليها أرغمه القرءان على الدخول إلى أبوابها و لعل كتابة هذا البحث تملي على قارئه أن يعود إلى قرائته ثانية إن كان مثلي متطفل على البيولوجيا. ---------   هي رحلة ، حكاية عن رحلة مع ءايات سورة أل عمران و فاتحها الذي جعلني أكتشف نفسي، أكتشف مقدار التعاسة التي أحملها ظالما للقرءان، إكتشاف رهيب جعلني أرى صورتي الفرعونية الصغيرة و هي تحاول أن تقحم القرءان أن تدخله في البوتقة التي تريد أن تعنفه ليصل إلى مبتغاها مستعملة كل الوسائل. بعد كشف رهيب في الفاتح المـ البقرة ظننت أن القرءان سيواصل معي رحلة البنية اللفظية ، رحلة كشف البنآء القرءاني أخيرا. و لكنّه قادني بل هداني إلى ما لم أكن أتصوره يوما ، ما لم يخطر ببالي حتى في أعظم أحلامي. لعلنّي و لأول مرة أتسور القرءان و أدخل في باحة صغرى من باحاته لأرى حجم العمارة.     المـ ، كتاب علمني أن أساير النص ، أن أتركه يقود ، أ...

الفواتح مفاتيح الغيب المنتظر | الجزء الأوّل | مفتاح البنآء "الٓمٓـ" البقرة

  الفواتح مفاتيح الغيب المنتظر الجزء الأوّل مفتاح البنآء   الٓمٓـ البقرة   " وَمِنۡهُمۡ أُمِّيُّونَ لَا يَعۡلَمُونَ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّآ أَمَانِيَّ وَإِنۡ هُمۡ إِلَّا يَظُنُّونَ " البقرة 77 في المصحف الذي بين أيدينا ما يشبه الأكواد في بعض السور ، في 29 سورة من سور القرءان أكواد 14 عشر. أكواد أبجدية غريبة لا علامات إعراب فيها و بعض علاماتها تحمل رمزا غريبا، رمزا يشبه الموجة المنكسرة     هذه الأكواد الأربعة عشر لا تشبه كلمات  القرءان الأخرى و تلاوتها هجائية في أغلبها فالكود  الٓمٓـ ينطق الف لام ميم و الكود كٓهيعٓصٓ ينطق " كاف هـ يـ عين صاد " ، فالكاف و العين و الصاد تهّجى  أمّا الهاء و الياء  و الصاد فتنطق بلا إضافات ، يـ و ليس ياء و هـ و ليس هاء. هكذا تم نقل نطقها منذ أن نطق بها النبي و واصل الناس نطقها في نسك الصَّلَوٰةَ فمن خلاله تأصّل هذا النطق و استقر.   لم يسبق أنّ شكك أحد في نسبة هذه الفواتح لنص القرءان إلاّ المستشرقون فالقرءان عندهم من تأليف النبي بل و في بعض أجزاءه من تأليف غيره و ما دام النبي هو من ألّف هذا القرءان...

الجزء الثالث | المـ التنزيل - خطوة أولى في طريق فهم البنآء القرءاني

  المـ التنزيل خطوة أولى في طريق فهم البنآء القرءاني   " وَإِن يُرِيدُوٓاْ أَن يَخۡدَعُوكَ فَإِنَّ حَسۡبَكَ ٱللَّهُۚ هُوَ ٱلَّذِيٓ أَيَّدَكَ بِنَصۡرِهِۦ وَبِٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡۚ لَوۡ أَنفَقۡتَ مَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا مَّآ أَلَّفۡتَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيۡنَهُمۡۚ إِنَّهُۥ عَزِيزٌ حَكِيمٞ " نقلنا الفاتح المـ آل عمران إلى بحث الثنائيات ، و الذي نقلنا إليها فاصلة آل عمران بين الفاتح و حديث السورة عن الكتاب المـ " الٓمٓـ (1) ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡحَىُّ ٱلۡقَيُّومُ (2) نَزَّلَ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقٗا لِّمَا  بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَ أَنزَلَ ٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ (3)" عبارة الحي القيوم وضعتنا على فكرة الإرتباط فلا يرد القيوم في القرءان إلا مرتبطا بالحي ثم لما تلونا الكلمات التي تبدأ بالكتاب المـ كما فعلنا في سورة البقرة وقعنا على المفاجأة الغير المنتظرة و هي بداية تسلسل المجموعة و نهايتها بنفس الثنائية الميعاد  - المهاد ثم مفاجأة تشابه كلمات الثنائية المـ  ـيعـ   ـاد...