التخطي إلى المحتوى الرئيسي

دراسة خط القران

 

دراسة خط القران

 

هل صحيح أنّ النبي كلّف غيره بكتابة القرآن وهذا التكليف للغير نابع من جهله بالخط كتابة وتلاوة؟

هذا البحث هو محاولة للإجابة عن هذا السؤال والتعريف ببعد قرآني لم يبحث بعد بعمق.

القرآن يؤكد أنّ النبي كان يتلو الصحف أي يصفف عباراتها، ففي دليل التلاوة التتابع والرص بين السابق واللاحق ويقول القرآن أنّ هذه التلاوة بدأت بالتنزيل أي أنّ هذا الخط لم يكن مسبوقا وهذا لا ينفي أن يكون النبي قد خطّ أوراقا قبل القرآن وتفحصّها ولكن لم يعرف تلاوة كتاب (إسقاط الكون) من توراة أو صحف الإنجيل التي يقال أنّها من الكتاب ولذلك جاء لفظ "من كتاب" ليشمل الحقيقي منه وغيره ولنقرأ:

لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ {1} رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُّطَهَّرَةً {2}

البينة

وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ۖ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (48)

العنكبوت



وبطبيعة الحال لن أعتبر هذه الآيات دليلا بذاتها في البحث ولكنّي أشير إليها لأنبّه أنّ اعتقاد أنّ النبي رجل لم يخط في حياته شيئا ولم يتلو صحيفة أمر لا يدعّمه القرآن وأمّا لفظ أمّي فلا علاقة بالخط و الصحف بل هو متعلق بالقراءة والغوص، فالأمّي هو البعيد عن قراءة الكتاب (الكون) أو إسقاطه (توراة وقرآن) والمتبع لنهج أمّه.

منهجي إذن في هذا البحث ـ النافذة استقرائي يحاول استنطاق الرسم القرآني لمحاولة إثبات حقيقة موضوعية وهي أنّ النبي خطّ القرآن بيده دون إعانة أحد، وتلقّاه تنزيلا على قلبه (مخه) خطا ولفظا.

مقدمة

يبدو لأول وهلة أنّ قضية رسم القرآن (خط القرآن) لا علاقة له بكاتب القرآن، إذ نطق الألفاظ ممن يتحدث كافٍ لخطّها من أي سامع يحسن خط معاصريه، فأيا كان الكاتب فسيخطّ الألفاظ المنطوقة بنفس طريقة معاصريه، ويكفي أن يمليَ النبي على أحد أتباعه النص الموحى دون مراقبة منه لتتم كتابته وفق الضوابط الخطية المتعارف عليها آنذاك. ولكن تتبع ألفاظ القرآن يجعل الباحث في حيرة كبرى. فاللفظ الواحد يكتب بطرق متعددة و ببنى مختلفة و ليبحث من يريد البحث في الألفاظ التالية ليرى:

كتاب / كتـ ا ـب

رحمة / رحمت

كلمة / كلمت

إبراهم / إبراهيم

بصآئر / بصـ ا ـئر

الغمام / الغمـ ا ـم

نشـ آ ـؤا / نشاء

نبـ ؤا / نبأ

(مرضى ا / مرضى) الألف المخففة على الألف المقصورة

أيد / أييد

وعشرات غيرها بل مئات أترك بيانها لمن يريد الغوص.

اللفظ الواحد يجمع جموعا متغايرة قسّمها الأسلاف إلى جمع سالم وجمع تكسير من دون دليل، وقسمّوها وهو الأخطر إلى جمع مؤنث وجمع مذكر وهذا خطأ محض غطّى وكفر البلاغ القرآني فهندسة الجمع في القرآن تبين أنّ هناك جمع تنوع وجمع تعدد وجمع تفاعل وجمع استقلال من دون تقسيمات الأسلاف وإذ لا نستطيع أن ندخل في هذا البحث هنا نشير فقط إلى بعض أمثلة هذه الجموع:

نبي : أنبياء / نبيون

عين : عيون / أعين

سنبلة : سنابل / سنبلات

غرفة : غرف / غرفات

ميت : موتى / أموات

كافر : كافرين / كفّار

وأترك البقية لمن يريد البحث. إذ هذه الهندسة تتبع القرآن في كلّ صفحة من صفحاته تقريبا.

إضافة لوجود رموز غريبة في النص القرآني من علامات سكون مختلفة الرسم÷علامات ضم ٍمختلفة÷أشكال طيور÷ علامات سماها الأسلاف علامات الوقف ورموز لم يشر إليها الأسلاف وكنت عرضت جزءا منها في بحث المنهج فليرجع إليها من شاء. هذه الملاحظات التي سنفصل القول فيها في هذا البحث تجعلنا نشك في وجود قواعد كتابية في قبائل الجزيرة قبل زمن النبي وبعده. هذه القواعد أدخلت فيما بعد، واعتبر ما خالف هذه القواعد داخل النص القرآني لغات قبلية مخالفة للسان قريش.

وحتى ما اعتبره النحويون "خطأ" حسب قواعدهم موجود بكثرة في البلاغ المبين. هل هذه "الأخطاء" واختلاف رسم نفس الألفاظ سببها الكتّاب الأولون أم النساخ المتأخرون أم أنها شهادة حسية أنّ النص القرآني حقيقة موضوعية خارج شخص النبي؟

للإجابة عن هذا السؤال سنبدأ في اكتشاف هندسة الرسم في القرآن ببحث رسم حرف الميم تحديدا في آخر الألفاظ التي ورد فيها ومحاولة استنكاه دلالته في آخر البحث.

1. لفظ واحد برسوم متعددة:

أوّل ما يلفت الانتباه هو رسم الفاتح حم في القرآن فهو يُرسم برسمين في السور الست التي أتى في فاتحتها:

حم (غافر ÷ الزخرف ÷الدّخان ÷الجاثية ÷الأحقاف)

حمـ (فصّلت ÷ الشورى)

وأدرك أنّ بعض القراء الكرام سيقول مستنكرا أنّ النسخ القرآنية لم تتفق في هذا الرسم بل منها من يرسمها دوما حم حصرا أو حمـ ومنهم من يرسمها بالرسمين ولكن ليس بنفس ترتيبها أعلاه في السور الست، وأقول قبل التفصيل لنأخذ النسخ التي ورد فيها هذا الفاتح بهذا الرسم أو ذاك حصرا ولنرى رسم ألفاظها التي تنتهي بالميم فهل سنجد رسم الميم في أخر اللفظ هل ورد بالميم الكاملة (م) أو الميم الناقصة (مـ) حصرا!!

هذا الفاتح إذن فتح لنا أفاقا علينا الولوج فيها بيُسر لنستبين الأمر ولنبدأ ببحث رسم بعض ألفاظ التي تنتهي بالميم في النسخة التي يسميها الناس "نسخة عثمانية".

أ) لفظة القوم في البلاغ المبين:

وردت لفظة "قوم" بالميم الكاملة "م" التي تأتي في آخر الألفاظ ووردت اللفظ "مـ ".

ولنعرض الآيات التي توضح ما نقول:



قد يمكن اعتبار هذا التعدد ّفي الرسم خطأ من النساخ أو اعتباره طرق أخرى للكتابة متكافئة عند نسّاخ القرآن فلنواصل البحث بالنظر في رسم لفظ "قومُ" في الآية التالية:

 



 

ومع هذا قد تكون هذه المقابلات الخطية محض عفوية وقد تكون أخطاءً غير مقصودة من نساخها وقد يكون تعدد خطّها أنّ النساخ لم يعتبروا هذا التعدد ذات أهمية أو ذات بال. ولكن الأمر يصبح مختلفا عند ورود هذا التعدد في نفس الآية، إذ كيف لا ينتبه الناسخ إلى تعدد الخط في نفس الآية لنفس اللفظ. ولنسق الآيات التالية لتوضيح الفكرة:



هذه عينة من ورود لفظ "قوم" في بعض الآيات ولا يمكن في هذا البحث استقصاؤها كلها. و سأورد الآن قبل التطرق لألفاظ أخرى نتيجتين ذات أهمية قصوى في بحثنا عن لفظة "قوم" في البلاغ المبين.

النتيجة الأولى:

لا وجود للفظة "قومِ بالميم الكاملة" بالكسرة المضاعفة في القرآن، مع أنّ "قوم" بالكسرة المضاعفة وردت 78 مرّة بالصيغة التالية في البلاغ المبين:

قومـٍ

البقرة118÷164÷230ـ آل عمران 117 ـ النساء90÷92(مرتين)

المائدة2÷8÷41÷50÷54÷77 ـ الأنعام 97÷98÷99÷105÷126÷133

الأعراف 32÷52÷58÷93÷150÷188÷203 ـ الأنفال 53÷58÷72

التوبة 11÷14÷ ـ يونس 5÷6÷24÷67÷101 ـ هود 60

يوسف 37÷111 ـ الرعد 3÷4÷7÷11 (مرتين) ـ الحجر 58

النحل 11÷12÷13÷64÷65÷67÷69÷79 ـالكهف 90 ـ الأنبياء106

المؤمنون 44 ـ النمل 43÷52÷86 ـ القصص 3 ـ العنكبوت 24÷35÷51 ـ الروم 21÷23÷24÷28÷37 ـ الزمر 42÷52

فصلت 3 ـ الجاثية 4÷5÷13÷20 ـ الفتح 16 ـ الحجرات 11

الذاريات 32.

النتيجة الثانية:

لم ترد لفظة "قوم" بالكسر إلاّ مرّة واحدة في البلاغ المبين:

ولكنها وردت برسم الميم الناقصة 93 مرّة بالصيغ الثلاث الآتية:

قومـِ

الأعراف 69÷109÷127÷138÷159 ـ التوبة 70 (مرتين

التوبة 70 (مرتين)ـ هود 70÷74 ـ إبراهيم 9 ـ القصص 76

غافر 31.

ووردت بصيغة:

يـ ا ـقومِ

البقرة 54 ـ المائدة 20÷21 ـ الأنعام 78÷135÷147 ـ الأعراف 59÷61÷65÷67÷73÷79÷85÷93 ـ يونس 71

هود 28÷29÷30÷50÷51÷52÷61÷63÷64÷78÷ 84÷85÷88÷89÷92÷93

طه 86÷90 ـ المؤمنون 23 ـ النمل 46 ـ العنكبوت 36

يس~ 20 ـ الزمر 39 ـ غافر 29÷30÷32÷38÷39÷41

الزخرف 51 ـ الصف 5 ـ نوح 2.

ووردت بصيغة:

القومـِ

البقرة 250÷286 ـ آل عمران 147 ـ النساء 78÷104

المائدة 25÷26÷68÷84 ـ الأنعام 45÷74÷77 ـ الأعراف 47÷176 ـ التوبة 96 ـ يونس 85÷86 ـ هود 44 ـ يوسف 110

النحل 59 ـ طه 87 ـ الأنبياء 77÷78 ـ المؤمنون 28÷41÷94

الفرقان 36 ـ القصص 21÷25 ـ العنكبوت 30 ـ الجمعة 5

التحريم 11.

لقد تعمدت إيراد كل التفاصيل لأبيّن أنّ غياب لفظة "قوم بالميم الكاملة" بالكسرة المضاعفة ليست عفوية ويستحيل من وجهة نظر احتمالية أن تكون عفوية.

فعلى 73 حالة لم ترد ولو حالة واحدة لفظة "قوم بالميم الكاملة" بالكسر المضاعف. إنّنا أمام ظاهرة خطية تستدعي التوقف والمسألة. هل يمكن لناسخ أيّا كان أن ينهي رسم لفظة قوم بالكسر المضاعف 73 مرة بالميم الناقصة

ويطرح السؤال المنطقي: هل حدوث هذا التعدد عفوي؟ لا شك انّ دخول القواعد الخطية والنحوية يدفع بالنساخ إلى إبعاد هذا التعدد، ولكن هذا لم يحدث. ممّا يدفع بي إلى فرضية أولى وهي أصالة النسخة الموجودة بين أيدينا على الأقل قبل هيمنة قواعد الخط والنحو.

لا شك أنّ هناك نسخ حديثة يتغافل نساخها اعتبار الخط القرآني بعدا خاصا ومهماً في ذاته لفهم الدلالات فيجعلون لفظة قوم تخط بنفس الرسم، ولا شك أنّ إهمال هذا البعد تحريف للقرآن.

فاعتبار ظاهرة الخط القرآني غير عفوية يقودنا لنتيجة بديهية وهي أنّ النبي محمد هو من خطّ القرآن بيده، إذ من غير المعقول أن يملي على كاتب النص القرآني دون أن يراقب طريقة كتابة لفظة "قوم" على الأقل ويستحيل ألا يقوم كاتب لا يفرق بين رسم "قومـ " و "قوم" بخط لفظة "قوم بالميم الكاملة" بالكسر المضاعف ولو مرة واحدة مع أنّ الكاتب نفسه قد رسمها بكل الأشكال الأخرى:

القومَ

البقرة 258÷264 ـ آل عمران 140 ـ المائدة 51÷67÷108

الأنعام 144 ـ الأعراف 137÷150 ـ التوبة 19÷24÷37÷80÷109 ـ يونس 13 ـ النحل 107 ـ الشعراء 10 ـ القصص 50 ـ الأحقاف 10÷25 ـ الصف 5÷7 ـ الجمعة 5 ـ المنافقون 6 ـ الحاقة 7.

القومُ

الأنعام 47 ـ الأعراف 99÷177 ـ يوسف 87 ـ الأحقاف 35

قومَ

يونس 98 ـ هود 89 (ثلاث مرات) ـ الأنبياء77 ـ الشعراء 11 ـ الدخان 17.

قومُ

الأعراف 148 ـ هود 89 ـ الحج 42 ـ الشعراء 105÷160

ص 12 ـ الدخان 37 ـ ق~ 12 ـ القمر9÷33.

قومُُ

المائدة 102 ـ الأعراف 81÷138 ـ الأنفال 65 ـ التوبة 6÷56÷127 ـ الحجر 15÷62 ـ النمل 47÷55÷60 ـ يس~ 19

الزخرف 88 ـ الدخان 22 ـ الحجرات 11 ـ الذاريات 25÷53 ـ الطور 32 ـ الحشر 13÷14.

المائدة 11 ـ الفرقان 4 ـ الشعراء 166 ـ الزخرف 58.

لم أعرض كل الآيات التي تحوي هذه الصيغ واكتفيت بعرض عينات منها وفرقت بين صيغتي الضم المضاعف (التنوين) للفت النظر إليها.

ويجدر بي قبل أن أنتقل للفظ آخر أن أسجل الملاحظات الآتية:

إنّ كاتب القرآن لا يمكنه رياضيا ألا يأتي بلفظة "قومٍ بالكسرة المضاعفة" ولو مرة واحدة لتعدد ورودها بكل الصيغ الأخرى. وافتراض وجود أكثر من ناسخ يجعل هذه النتيجة أكثر صلابة.



وورود لفظة "قوم بالكسر" مرة واحدة بالميم الكاملة في آية يونس 10/84 مقابل ورودها 93 مرة بالميم الناقصة يضعنا أمام نتيجة موضوعية وهي أنّ صاحب القرآن يبلغنا أنّ لهذا الرسم أهميته وأنه ليس عفويا وأكبر من هذا يبلغنا أن من رسم القرآن يجهل هذه الحقيقة. إذ من غير المعقول ألا ينتبه من رسم القرآن إلى هذا التعدد في رسم اللفظ الواحد دون أن يحاول هو أو النساخ من بعده إزالتها. وجودها إذن بهذا الرسم دليل على أنّ كاتبها الأول يعتقد أن ما يخطه هو حقيقة موضوعية خارج ذاته ولا يحق له تغييرها وإن رأى فيها ما يخالف ذوقه وأنّ النساخ من بعده حتى مع هيمنة قواعد الخط والنحو لم يجرؤوا على تغييرها اعتقاد بقداسة ما يخطون.



وأخيرا لن يكون لهذا التعدد في الرسم معنى إلاّ إذا كان يحمل دلالة مختلفة، إذ لا شك أنّ صاحب القرآن يشير إشارة واضحة إلى وجود فارق بين لفظتي "قومـ " و "قوم ".

ب) تكرار ظاهرة "قوم"

ظاهرة رسم لفظة "قوم" قانون يسري في البلاغ المبين وسأكتفي هنا بعرض لفظين يوضحان الفكرة.

ب.1 لفظة "مريم"

وردت "مريم" كاملة الميم "مريم":

في الآيات التالية:

البقرة 87 ـ آل عمران 37÷42÷44÷45 (مرتين)ـ النساء 157÷171 (مرتين) ـ المائدة 17(مرتين)÷46÷110÷114÷116

التوبة 31 ـ مريم 16÷34 ـ المؤمنون 50 ـ الأحزاب 7

الصف 6÷14 ـ التحريم 12.

ووردت ناقصة الميم "مريمـ " في الآيات التالية:



البقرة 235 ـ آل عمران 36÷43 ـ النساء 156

المائدة 72÷75÷78÷112 ـ مريم 27 ـ الزخرف 57 ـ الحديد 27

قد يكون تعدد رسم هذا اللفظ مجرد صدفة إذ لم يرى الناسخون الأولون ضرورة لفظيه برسم واحد أو أنهم لم يتعودوا على رسم معين لغياب الكتابة في محيطهم.

وإذا كان الأمر كذلك فينبغي أن يسْر هذا الأمر في بقية الألفاظ. فكيف نفسر إذن رسم بعض الألفاظ التي تنتهي بالميم في القرآن برسم واحد وغياب التناظر في رسمها، وقبل أن نتوسع في حل هذا الإشكال أشير إلى مجيء الرسمين في سياق واحد في الموضعين الآتيين من البلاغ المبين:



وحتى هذا يمكن اعتباره مجرد صدفة. إنّ النص القرآني يمنح من الأمثلة ما يستحيل معه أن يكون للصدفة مجال في اختيار الرسم وعلى الرغم من أنّ الدلالة هي محك الاختيار فالإشارات المقدمة تكفي لتنبيهنا لخطورة هذا الرسم ولنبدأ الآن في تقديم أمثلة البلاغ المبين.

ب.2 (لفظ "اليتيم"

ورد هذا الفظ في البلاغ المبين في خمس آيات بالميم الناقصة حصرا "يتيمـ " في المواضع الآتية:

الأنعام 152 ـ الإسراء 34 ـ الفجر 17 ـ الضحى 9

الماعون 2.

ولم يرد بالميم الكاملة ولو مرة واحدة ولعلّ قلة عدد الآيات التي ورد فيها هذا لفظ يدفع إلى:

اعتبارها مصادفة سعيدة ولا نستطيع اعتبارها عينة إحصائية كافية للجزم بأنّ الرسم ليس عفويا. فلنلاحظ إذن اللفظ الآتي.

ب.3) لفظ "نِعْمَ"

ورد هذا اللفظ 16 مرة في القرآن كلها جاءت بالميم الكاملة حصرا.

نعمَ

في الآيات التالية:

آل عمران 136÷173 ـ الأنفال 40 (مرتين) ـ الرعد 24

النحل 30 ـ الكهف 31 ـ الحج 78 (مرتين) ـ العنكبوت 58

الصافات 75 ـ ًص 30÷44 ـ الزمر 74 ـ الذاريات 48

المرسلات 23.

لم يرد إذن ولو مرة واحدة لفظ "نِعْمَ" بالميم الناقصة ويدرك القارئ أنّ اختياري لهذا اللفظ بالذات للاستدلال ليس عفويا بل هو مبني على أفكار لغوية مسبقة. إنّ هذا الاختيار بالذات يثبت أن صاحب القرآن يتعامل مع الرسم تعاملا "واعيا" و أنّ العفوية أمر غير وارد.

وقد يتبادر إلى الذهن أن كاتب القرآن الأول متعود على كتابة الميم الكاملة في آخر الألفاظ بدل الميم الناقصة وهذا من الناحية النفسية ذو أهمية بالغة إذ تعلّم الإنسان لخطٍّ معين يجعل هذا الرسم يلاحق كل كتاباته كبصمة نهائية لطريقة خطّه. والتنوع الموجود في طريقة خط الميم في ظاهرة ألفاظ "قوم" يجعلنا نفترض ألا يكون كاتب القرآن واحد ولكن ما سبق من أمثلة ("اليتيم" و "نِعْمَ") وغياب الميم الكاملة في إحداها وغياب الميم الناقصة في الأخرى يجعل من هذه النتيجة شبه مستحيلة من الناحية الرياضية، فإذا اعتبرنا أن كتبة القرآن أكثر من كاتب لاحقتنا ألفاظ من جنس "نعم" التي أتت كلّها بالميم الكاملة وإذا اعتبرنا كاتب القرآن شخص واحدا لاحقتنا الأمثلة التي تنوع فيها رسم الميم في أخر نفس اللفظ ميما كاملة مرّة وناقصة مرّة أخرى. وندخل هنا في حلقة مفرغة، فما هو السبيل لحلّ هذه الإشكالية؟ لنواصل الغوص.

سنواصل في بحث مسألة التناظر في رسم الميم، هل هو لصالح الميم الناقصة أم لصالح الميم الكاملة.

التناظر بين الميم الناقصة والميم الكاملة في ظاهرة ألفاظ "قوم" ليس لصالح الميم الكاملة في كل الحالات

والأمثلة التالية في البلاغ المبين تشهد:

لفظ "النعيم" أتى 13 مرة بالميم الناقصة مقابل إتيانه 3 مرات فقط بالميم الكاملة، وإليك الإحصاء:

النعيمـِ

المائدة 65 ـ التوبة 21 ـ يونس 9 ـ الحج 56 ـ الشعراء 85 ـ الطور 17 ـ الواقعة 12÷89 ـ المعارج 38

الإنفطار 13 ـ المطففين 22÷24 ـ التكاثر 8.

النعيمِ

لقمان 8 ـ الصافات 43 ـ القلم 34.

ورد لفظ "الأنعام" بالميم الناقصة 21 مرة في البلاغ المبين مقابل ورودها 5 مرات بالميم الكاملة.

الأنعـ ا ـمـَ

آل عمران 14 ـ النساء 119 ـ المائدة 1 ـ الأنعام 136÷138(مرتين)÷139÷142 ـ الأعراف 179 ـ يونس 24 ـ النحل 5÷66÷80 ـ الحج 28÷34 ـ الشعراء 133 ـ فاطر ـ الزمر 6

الشورى 11 ـ الزخرف 12.

الأنعـ ا ـمَ

الحج 30 ـ المؤمنون 21 ـ الفرقان 44 ـ غافر 79 ـ محمد 12.

هذه المقابلة لصالح الميم الناقصة نجدها كذلك في لفظ "اليم" و "القلم ".

إننّا إذن أمام ظاهرة خاصة تجعلنا نرى كاتب القرآن الأول ناسخ لوثيقة موجودة أمامه نسخا مطابقا حتى وإن خالف رسمها طريقته في الرسم. وحتى إذا افترضنا أنّ الناسخ لم يرتكب خطأ في رسمه للنص القرآني فمن أين أتى هذا الكاتب بهذه الوثيقة التي ينسخ منها؟

إنّ الفرضية المنطقية على ضوء ما سبق هي اعتبار القرآن من تأليف هذا الناسخ، وعندئذٍ سنعود إلى البداية وهي استحالة أن يكون كاتب القرآن واحد لتعدد طرق رسم الميم في آخر ألفاظ ظاهرة "قوم". وإذا اعتبرنا أنّ هناك أكثر من كاتب النص القرآني فكيف يفسر غياب الميم الناقصة في بعضها وغياب الميم الكاملة في أخرى. إنّنا لن نخرج من هذا الدور إلا إذا اعتبرنا أنّ الذي كان يخط القرآن خطّه دون أن تكون لإرادته وزن فهو يخط ملفا منقوشا في مخه يظهر أمام عينيه و هو يخط و ينساب في خطّه خارج إرادته.

ولعل عمل مستقبلي يحصي بدقة كل ألفاظ ظاهرة "قوم" بتفصيل أكبر يسمح لنا بفتح نوافذ أوسع لفهم هندسة البلاغ المبين. هذه الهندسة لا شك أنّ لها علاقة بدلالة الألفاظ في سياق الآيات إذ لا يمكن أن تكون للفظ "الأنعـ ا ـمـ " و الأنعـ ا ـم" نفس المعنى أو نفس الدلالة في سياق الآيات.

وموضوع الرسم ليس مختصا فقط بالدلالة بل ربما أرتبط هذا النظم الخطي ارتباطا وثيقا ببنية رياضية مبثوثة في القرآن.

إنني أعتذر عن عدم سوق كل ألفاظ ظاهرة "قوم" و يكفي هذا القدر المساق للتدليل على أهمية الرسم في البرهان على أنّ القرآن تنزيل، أي أن مخ النبي (قلبه بالتعبير القرآني) هو مستودع النص رسما و لفظا ويستحيل أن يكون غيره هو الذي خطّ القرآن.

هذه النتيجة سوف تتوضح أكثر في دراسة الظواهر الرسمية (الخطية) في باقي الحروف القرآنية.

و أقدم الآن بعض ألفاظ ظاهرة قوم دون تفصيل لمن أراد الغوص :

بين العلمـ و العلم

بين لحمـ و لحم

بين رحيمـ و رحيم

بين الأرحامـ و الأرحام

عليمـ و عليم

الحكيم و الحكيمـ

الإسلامـ و الإسلام

السلامـ و السلام

السلمـ و السلم

عظيمـ و عظيم

جهنمـ و جهنم

الحرام و الحرامـ

حليمـ و حليم

أليمـ و أليم

علامـ وعلاّم

مقيمـ و مقيم

الجحيمـ و الجحيم

النعيمـ و النعيم

عامـ و عام

بحث الدلالة

لا أزعم الفصل في دلالة حرف الميم في القرآن فدلالته مرتبطة برسمه المتعلق بحقائق كونية لم تصل الإنسانية إلى استقرار النبأ فيها ولكنّي أحاول تصوير المحيط الذي يدور فيه هذا الحرف ومدى حركته، فكما قلت في المنهج فالجين في القرآن يبدأ من الحرف وليس من الجذر الثلاثي ولذلك سأسعى هنا لبحث محيط دلالته.

 

ورد الرمز "مـ" في الآيات التالية وقد يكون البحث لم يسعفني أن أجد البقية:



 

ونرى حرف الميم ذو الهيئة الصغيرة الناقصة "مـ " في الألفاظ:

قولهم

سبيلا

امرأته

فما الذي يجمع هذه الألفاظ الثلاثة ليكون رمز الميم الصغيرة الهيئة الناقصة فوق كل واحد منها؟

إنّ رمز الميم "مـ " مرفوع وكأنّه أمر منزوع ممن وضع فوقه، فامرأة أبي لهب لا حياة فيها ولا تهدي بما تحمل من حطب وقول السابقين الذين يطالبون أن يكلمهم الله أو تأتيهم الآيات قول خراف لم يحدث ولن يحدث فهو لا حياة فيه إذ لا وجود له والجسد الذي صنعه بعض قوم موسى من حليهم بعجلتهم (إذ العجل من العجلة وليس كما تصور المفسرين أنّه ولد البقرة) لا يهدي سبيلا إذ لا هو يملك أن يقول ولا أن يشير فهذا السبيل غير موجود بل هو طريق من يخرّف. فدليل الميم "مـ " يشير إلى الحيواة وتحديدا إلى أساسه وهو الماء سواء كان جزيئي.

فلننتقل الآن إلى ورود هذا الرمز بالميم الكاملة "م".

ورد هذا الرمز كما في أعلاه في سورة الأعراف :148 فوق أداة "من" وفي بلاغات أخرى منها:

"الذين ءاتيناهمـ الكتـ ا ـب يعرفونه كما يعرفون أبنآءهم "م" الّذين خسروا أنفسهم فهمـ لا يؤمنون"

الأنعامـ :20

الذين صنعوا الجسد من حليّهم لم يجدوه بل هم صنعوه وهم من نفخ الحياة فيه وهو من يوضح عمقهم فهم فيه يحيون بالوتد الذي يغرز الميم الذي يربطهم به وس كذالك المنهج الذي لقنه هؤلاء الأباء للأبناء هو هو نسخة طبق الأصل فهم من جعلوه حيّا في أبناءهم.

لنأخذ الآن لفظا ورد بالميم الناقصة والكاملة في آخره وهو لفظ النجوم في البلاغ المبين فهو يفتح لنا آفاقا معرفية أخرى للتفريق بين دلالة الميم الناقصة والميم المستقرة الكاملة. فالنجم له دلالة محددة فيزيائية إذ النجم وحده يهوي (53/1) والنجوم وحدها هي التي تطمس (المرسلات 77/8)

فالنجوم هي التي تتحول إلى ما نسميه اليوم الثقب الأسود فالنجم إذن هو ما تتجاوز كتلته ثلاث مرات كتلة شمسنا، فلنقرأ:



إنّ النجوم علامات يهتدى بها والنجم وكل ما تشّجر يسجد لله بخضوعه للسنن الكونية. و لنقرأ:

"و هو الذي جعل لكم النّجوم لتهتدوا بها في ظلمات البّر و البحر، قد فصّلنا الأيـ ا ـت لقومـ يعلمون "

الأنعامـ : 97

و لمن أراد الاستزادة في ملاحظة لفظ "النجم" و النجوم" بالميم الكاملة:

الأعراف :54

النحل :12

الحج : 18

المرسلات : 8

التكوير : 2

إنّ النجم بالميم الكاملة يخبر أنّ وجوده أتى من غيره إذ هو تجمع غازات بثت فيه صورته بفعل تجمعها وجعلته بفعل جاذبيتها ينتج الانشطارات النووية التي تخرج ضوءه أمّا الحديث عن النجمـ بالميم الناقصة فهو يعبر عن نهاية الحياة فيه بانتهاء وقوده وبداية هويه:

"و النجمـ إذا هوى"

النجم: 1

لا أزعم بطبيعة الحال صحة القراءة في دليل الميم فهذا ليس إلاّ جهدا بسيطا لفتح نافذة البحث علّ من يأتي بعد يطيل النظر ليستقر عنده الأمر ولكن غايتي هو بيان استحالة عبث الرسم القرآني ولو كان كذلك لاختفت هذه الرموز في بداية ظهور القواعد النحوية والصرفية والرسمية ويكفي ملاحظة صحائف الناس للاقتناع بهذا الأمر وأنّ القرآن فريد برسمه لا يشاركه فيه أحد وهو بهذا حقيقة موضوعية ذاتية لا دخل للبشر فيها.

بن نبي

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

معارج التأويل البيولوجي للفاتح الم

  معارج التأويل في سفينة المـ في تقابل بنآء النص القرءاني مع بنآء الأحياء البيولوجي   ملاحظة تحتاج قراءة هذا البحث شيئا من القدرة على معفرة الذنوب فصاحبه ليس مختصا في البيولوجيا و لكنه متطفل عليها أرغمه القرءان على الدخول إلى أبوابها و لعل كتابة هذا البحث تملي على قارئه أن يعود إلى قرائته ثانية إن كان مثلي متطفل على البيولوجيا. ---------   هي رحلة ، حكاية عن رحلة مع ءايات سورة أل عمران و فاتحها الذي جعلني أكتشف نفسي، أكتشف مقدار التعاسة التي أحملها ظالما للقرءان، إكتشاف رهيب جعلني أرى صورتي الفرعونية الصغيرة و هي تحاول أن تقحم القرءان أن تدخله في البوتقة التي تريد أن تعنفه ليصل إلى مبتغاها مستعملة كل الوسائل. بعد كشف رهيب في الفاتح المـ البقرة ظننت أن القرءان سيواصل معي رحلة البنية اللفظية ، رحلة كشف البنآء القرءاني أخيرا. و لكنّه قادني بل هداني إلى ما لم أكن أتصوره يوما ، ما لم يخطر ببالي حتى في أعظم أحلامي. لعلنّي و لأول مرة أتسور القرءان و أدخل في باحة صغرى من باحاته لأرى حجم العمارة.     المـ ، كتاب علمني أن أساير النص ، أن أتركه يقود ، أ...

الفواتح مفاتيح الغيب المنتظر | الجزء الأوّل | مفتاح البنآء "الٓمٓـ" البقرة

  الفواتح مفاتيح الغيب المنتظر الجزء الأوّل مفتاح البنآء   الٓمٓـ البقرة   " وَمِنۡهُمۡ أُمِّيُّونَ لَا يَعۡلَمُونَ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّآ أَمَانِيَّ وَإِنۡ هُمۡ إِلَّا يَظُنُّونَ " البقرة 77 في المصحف الذي بين أيدينا ما يشبه الأكواد في بعض السور ، في 29 سورة من سور القرءان أكواد 14 عشر. أكواد أبجدية غريبة لا علامات إعراب فيها و بعض علاماتها تحمل رمزا غريبا، رمزا يشبه الموجة المنكسرة     هذه الأكواد الأربعة عشر لا تشبه كلمات  القرءان الأخرى و تلاوتها هجائية في أغلبها فالكود  الٓمٓـ ينطق الف لام ميم و الكود كٓهيعٓصٓ ينطق " كاف هـ يـ عين صاد " ، فالكاف و العين و الصاد تهّجى  أمّا الهاء و الياء  و الصاد فتنطق بلا إضافات ، يـ و ليس ياء و هـ و ليس هاء. هكذا تم نقل نطقها منذ أن نطق بها النبي و واصل الناس نطقها في نسك الصَّلَوٰةَ فمن خلاله تأصّل هذا النطق و استقر.   لم يسبق أنّ شكك أحد في نسبة هذه الفواتح لنص القرءان إلاّ المستشرقون فالقرءان عندهم من تأليف النبي بل و في بعض أجزاءه من تأليف غيره و ما دام النبي هو من ألّف هذا القرءان...

الجزء الثالث | المـ التنزيل - خطوة أولى في طريق فهم البنآء القرءاني

  المـ التنزيل خطوة أولى في طريق فهم البنآء القرءاني   " وَإِن يُرِيدُوٓاْ أَن يَخۡدَعُوكَ فَإِنَّ حَسۡبَكَ ٱللَّهُۚ هُوَ ٱلَّذِيٓ أَيَّدَكَ بِنَصۡرِهِۦ وَبِٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡۚ لَوۡ أَنفَقۡتَ مَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا مَّآ أَلَّفۡتَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيۡنَهُمۡۚ إِنَّهُۥ عَزِيزٌ حَكِيمٞ " نقلنا الفاتح المـ آل عمران إلى بحث الثنائيات ، و الذي نقلنا إليها فاصلة آل عمران بين الفاتح و حديث السورة عن الكتاب المـ " الٓمٓـ (1) ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡحَىُّ ٱلۡقَيُّومُ (2) نَزَّلَ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقٗا لِّمَا  بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَ أَنزَلَ ٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ (3)" عبارة الحي القيوم وضعتنا على فكرة الإرتباط فلا يرد القيوم في القرءان إلا مرتبطا بالحي ثم لما تلونا الكلمات التي تبدأ بالكتاب المـ كما فعلنا في سورة البقرة وقعنا على المفاجأة الغير المنتظرة و هي بداية تسلسل المجموعة و نهايتها بنفس الثنائية الميعاد  - المهاد ثم مفاجأة تشابه كلمات الثنائية المـ  ـيعـ   ـاد...