سبق وأن أشرنا إلى وظيفة الكاف في بحث "كن فيكون" و "أهل الذكر" التي طرحتهما مختصة الهيروغليفيا القرءانية العزيزة منى شماخ. فرسم الكاف يبيّن وظيفتها بل يبيّن مفهومها كما سيأتي توضيحه في هذا البحث النافذة. وملخص ما سبق قوله فيما نُشر من بحوث أنّ الكاف تعمل كآلة تحصر أنظارنا في معنى محدد إذا جاءت منتصبة وتشير إلى سعة المعنى إذا جاءت منحنية وكان هذا بيان لوظيفة الكاف ولم يتم تحديد مفهوم الكاف وتعلقه الكوني. سنحاول الآن الدخول في كتاب الكاف القرءاني بغوص أعمق في رسمه.
عندما يرد الكاف في آخر لفظ فإنّ رسمه يتحول
فجأة من "كـ " أو "كـــــــــ" إلى
ـك أو ك
ويظن القارئ لأول وهلة أن ما بداخل الرمز
"لــ " همزة "ء" وبقليل من التركيز سيكتشف القارئ أنّ العلامة
ليست همزة بل كاف مصغرّة!!!!!!!!!!!
فرسم الكاف في أخر اللفظ لم يتغير ماهية بل
تغير هيئة وصغرّ حتى صعب تمييزه وهذا وحده يكفي للتدليل على انتفاء العبثية والاصطلاح
في رسم علامات القرءان وأجدني أقف صغيرا جدّا مع هذه الدقّة فتصغير الكاف أنبأني
بصغر حجمي في دراسة البلاغ وعند كشفي أن ما بداخل "لــ " كافا صغيرة
انتبهت أنّ النقلة الجديدة نوعية بل مقدارية ستنقلني مسافات مكوكية مع الكاف
القرءاني "ك ".
جاءت رمز الكاف المصغر داخل حامله "لــ
" مصغرّا لينقلنا عبر البعد الثالث المقابل للقارئ في عمق الصفحة، فكأنّ
الكاف كانت بشكلها المعروف "كـ " ثمّ سافرت ورحلت في عمق الصفحة سفرا
مكوكيا حتّى صعُب تمييزها لصغرها فهي تنقلنا معها في هذا السفر عبر الزمان والمكان
ويرسم حامل الكاف "ـلـــ" حائطين تحدّان الكاف في حركتها وهما أشبه بسلم
للبعد وُضعا ليرسما مقدار بعد الكاف في حركتها الزمنية المكانية، فحمل الكاف في
هذين البعدين إلى الأبعد والأعمق هو دليل هذا الرسم العجيب. إنّني هنا أدعو القارئ
لترك الأفكار التراثية المتعلقة بإتباع القرءان لرسم قوم أو جنس نابع من اصطلاحهم واتفاقهم
المرحلي التاريخي بل أدعوه للدخول إلى رسم هيروغليفيا القرءان من دون أفكار مسبقة
ليرى بنفسه كيف سيتحول الكتاب بين يديه إلى خطاب إنساني بعيد عن تجنيس أو قومية وكيف
ستتحول علاماته من مجرد رسم اصطلاحي إلى عمقها الكوني.
فكاف المخاطب كما سمّاها الأسلاف بعيدة
المرمى، لا تخاطب الحالي بل خطابها مرتحل إلى أقاصي الزمان والمكان، فالمخاطب ليس
شخصا معنيا وإن ظنّ أنّ الخطاب موّجه إليه حصرا فكل قارئ عليه أن يشعر بحصر الخطاب
فيه ولكن الكاف الخطابية تشير برسمها أنّها ممتدة غائرة إلى كل أحد مهما بعد مكانه
وزمانه عن التنزيل. فالقرءان ينبأ عن احتواءه خطابه للزمان والمكان بهذه الكاف
تحديدا التي سمّاها الأسلاف كاف الخطاب.
فالكاف أشبه بمرآة أو منظار
"تلسكوب" أو مجهر يقرب فيحصر وينحني فيوسع ويشمل ويتصاغر كي ينقلنا إلى
أقاصي الزمان والمكان، فمفهومه متعلق بتدقيق الصورة ابتعادا أو اقترابا بموجة
ضوئية ونقلا للخطاب في موجة صوتية فهو محيط الحركة القولية في القرءان وأثيرها
التي تنتقل فيه.
الكاف هو منظار القرءان " كـ
كــــــــــــــــــ ك " وسندخل الآن في دليل بعض البلاغات القرءانية لنحاول الارتقاء
بفرضيتنا هذه أو لتعميقها وتحويرها أو لنقضها والانطلاق ثانية بالقلم لبناء فرضية
أخرى. لا شك أنّنا سنعتبر الفرضية السابقة صحيحة ونبني عليها مفاهيم جديدة لم تكن
لتظهر في قراءات السابقين وليسمح القارئ أنّنا لن نتحدث عن كل الآيات وسنترك
للتفاعل مجاله كي يشع النور بالحوار.
*
"و لولا فضل الله عليك ورحمته
لهمّت طآئفة منهمـ أن يضلّوك و ما يضلّون إلآّ أنفسهم، و ما يضرّونك من شيء؛ و
أنزل الله عليك الكتاب و الحكمة و علّمك ما لم تكن تعلم؛ و كان فضل الله عليك
عظيما"
النساء:113
عليك ـ يضلّوك ـ يضرّونك ـ عليك
خطاب الآيات موّجه حسب أقوال الأسلاف إلى
النبي الكريم محمد وسياق الآية قد يدّعم هذا الرأي فهي ترسم في ذهن القارئ هذا
المعنى بإيرادها لعبارات "طائفة منهمـ" و "أنزل الله عليك الكتاب والحكمة
" و "علّمك ما لم تكن تعلم" وكأنّها تشير بخطابها إلى فرد بعينه بل
وتؤكد الآية أن ّ هذا الفرد تلّقى فضلا عظيما.
ليس في القرءان دليل أنّ علامة الإحاطة
"ك" أو كما يسميها الأسلاف "كاف الخطاب" مرتبطة بشخص النبي
حصرا و تسميتها بكاف الخطاب يجعل القرءان محصورا في التاريخ إن ظنّ هؤلاء أنّ
الخطاب القرءاني أو بعض ءاياته موّجهة لفرد بعينه لا يتجاوز خطابها غيره و لا يأخذ
صفة الشمول و الاتساع الزماني و المكاني. فالقرءان بحسب التقسيمات اللغوية للأسلاف
يخاطب النبي الكريم محمد في ءايات عدّة بصيغة "الغائب" كما يقولون ولنقرأ:
"و ما محمد إلاّ رسول قد خلت
من قبله الرسل؛ أفإين مّات أو قُتل انقلبتم على أعقابكم؛ و من ينقلب على عقبيه فلن
يضر الله شيئا؛ و سيجزى الله الشاكــــــــرين"
أل عمران:144
"الّذين يبلّغون رسالات الله
و يخشونه و لا يخشون أحدا إلاّ الله، و كفى بالله حسيبا (39) مّا كان محمد أبا أحد
من رّجالكم و لكن رسول الله وخاتمـ النبيين، و كان الله بكل شيء عليما (40) يأيّها
الذين ءامنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا (41) و سبّحوه بكرة و أصيلا (42) هو الّذين
يصلّى عليكم و ملآئكته ليخرجكمـ من الظلمات إلى النور؛ و كــــــــان بالمؤمنين
رحيما (43) تحيّتهم يوم يلقونه سلام؛ و أعدّ لهم أجرا كريما (44) يأيهّا النبي
إنّآ أرسلناك شاهدا و مبشرا و نذيرا (45) و داعيا إلى الله بإذنه و سراجا مّنيرا
(46)"
الأحزاب
فخطاب النبي بصيغة "الغائب" يشير
إلى غياب المتحدث عنه أو إلى تحييده في الخطاب واعتباره عنصرا ثالثا بين قائل
الصحيفة والمخاطب بها والشخصية المغيبّة في الخطاب. ونرى في هندسة ءايات الأحزاب
أعلاه انتقالا من صيغة "الغائب" إلى صيغة المخاطب المباشر بعبارة
"يأيّها النبي" تدل أنّ المخاطب المغيب وهم اللغويين وهندسة القرءان
تتجاوز هذا التقسيم وتكسر هذا التناقض بجعل شخص النبي كما نرى مُخاطبا من
المخاطبين لا يتوّجه إليه الخطاب القرءاني حصرا لا في أي ءاية من ءاياته.
فما يُظنّ لأول وهلة أنّه خطاب لشخص النبي
حصرا هو ليس إلاّ امتداد لتأثير أقوال الأسلاف اللغوية في جعل كاف الإحاطة
التلسكوبية "ك" أداة لخطاب فرد بعينه دون رؤية دليلها و بتجاوز سياق
الآيات، فليس في الآيات السابقة خطابا للنبي الكريم فآيات الأحزاب توضح مهام النبي
الرسالية في التبليغ لتمنع التلاعب باسمه من أي أحد من الرجال ذكرا كان أو أنثى و
تسحب من الوصوليين البساط ممن يحاول استغلال اسم النبي في شرعنه سياسة أو خطاب أو
فكر و الآية 45 تحديدا توضح مهام النبي و ترسم الخطوط الحمراء التي للأسف تجاوزها
الناس فاختلقوا الوحي الموازي الذي أسموه "سنّة" و جعل البعض منهم انتسابه
للنبي شرعنه لاستلامه السلطة و دخلوا فيما يعلمه الجميع من منطق إمبراطوري و من
تطاحن مذهبي يتواصل إلى يوم الناس هذا بل و سيتواصل.
فالكاف التلسكوبية "ك" في لفظ
"أرسلناك" تبين أنّ الرسالة غائرة في الزمان و المكان محيطة به و سيبقى
شخص النبي الكريم برسالته:
شاهدا
مبشرا
نذيرا
داعيا إلى الله
سراجا منيرا
و أية أل عمران :144 تتحدث عن انقلاب الناس
عن الرسول بعد قتله ممن عاصره أو بعد موته ممن أتى بعده لتوضح أنّ الرسالة متعلقة
بتفعيل نفخ الروح و ليست متعلقة بشخص النبي.
و لنقرأ:
"الذّين كفروا و صدّوا عن
سبيل الله أضلّ أعمالهم (1) و الّذين ءامنوا و عملوا الصالحات و ءامنوا بما نُزّل
على محمد و هو لحق من ربّهم كفرّ عنهم سيئاتهم و أصلح بالهم (2)"
محمد:2
فمن الناحية النفسية يصعب التصديق أنّ النبي
الكريم يمكنه خط هذه الآيات كأنّه شخص غائب وإلى الآن ليس هناك دراسة عميقة للخطاب
القرءاني من ناحية نفسية من صاغه واكتفي أخطر الباحثين في عصرنا في الدراسات
الألسنية و الفيلولوجية و نتمنى أن ينتبه القارئ إلى هذا البعد لخطورته. أعود
للآية لأنبّه أنّ خطابها يتجاوز شخص النبي. و يجدر بنا أن نتساءل كيف يستقيم في
صحيفة ألفها رجل أن يتحدث عن نفسه بصيغة "الغائب" و يمعن في تغييب شخصه
و في نفس هذه الصيغة يمعن في تأكيد توجيه الخطاب له من نفسه!!!!!!
إنّ هذه الملاحظة مهمة فهي تشير لمن يفترض
بشرية القرءان أنّ من ألفه وضع نفسه أمام مرآة ويخاطب نفسه بنفسه ويأمر الأمر نفس
المأمور ليستجيب المأمور لنفس الأمر فهو الآمر وهو المطالب بالاستجابة، وأترك
للقارئ تعميق النظر في ءايات القرءان التي وردت بكاف "الخطاب" كما قال
الأسلاف ليرى استحالة هذه الفرضية من الناحية النفسية. والفرضية التي قد تلقى قبولا
هي اعتبار جهة ثانية تخاطب النبي في مرحلة الأولى ليتم بعدها المرور إلى توسيع
الخطاب بمعرفة بنية القرءان اللفظية والتركيز في رسمه ودليل ءاياته. و حتّى ترتسم
الفكرة أؤكد أنّ في كل إنسان قطعة من إبراهيم و موسى و عيسى و أيوب و إدريس و محمد
و هذه الأسماء هي مقاطع من جينات نفخ الروح فينا لترسم مجتمعة الخطاب القرءاني في
ذات القارئ ليفعلّها جميعا:
"و تلك حجتّنآ ءاتيناهآ
إبراهيمـ على قومه؛ نرفع درجات من نشآء، إنّ ربّك حكيمـ عليمـ (83)
ووهبنا له إسحاق و يعقوب؛ كلاّ
هدينا؛
و نوحا هدينا من قبل،
و من ذريته داود و سليمان و أيوب و
يوسف و موسى و هارون؛
كذلك نجزي المحسنين (84)
و زكريا و يحيى و عيسى و إلياس، كل
من الصالحين (85)
و إسماعيل و اليسع و يونس و لوطا؛
و كلاّ فضلنا على العالمين (86)
و من ءابآئهم و ذريتهم و إخوانهم،
و اجتبيناهم و هديناهمـ إلى صراط مستقيمـ (87)
ذلك هدى الله يهدى به من يشآء من
عباده؛ و لو أشركوا لحبط عنهمـ مّا كانوا يعملون (88)
أولئك الّذين ءاتينهم الكتاب و
الحكم و النبوّة؛ فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكّلنا بها قوما لّيسوا بكافرين (89)
أولئك الّذين هدى الله فبهداهم
اقتده، قل لاّ أسألكم عليه أجرا، إن هو إلاّ ذكرى للعالمين (90)"
الأنعام
ليس من بين هؤلاء من وصل إلى شيء دون قناعة وليس
منهم مقلّد أعمى لغيره دون دليل وبيّنة "ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا
يعملون" وهؤلاء مجتبين كالذين سيأتون من بعدهم سواء كانوا ذرية من نسلهم أو
إخوانا ممن سلكوا نفس السبيل وكذلك من سبقهم بتعليم المنهج "ءابآءهم"
وهنا ينشأ التساؤل الكبير، هل النبوّة في القرءان محصورة في ألقاب أم هي أسماء تسع
الناس كلهم أنّ كل من وصل إلى مستوى معيّن في نفخ الروح يستحق هذا الاسم ويصبح من
النبيين، سؤال جوابه متضمن في نفس السؤال.
والكاف التلسكوبية في "أولئك"
تنقلنا إلى التاريخ البعيد والزمن السحيق لتنبهنا أن نفخ الروح ليس متعلقا بالكشف
التقني وبكم الوسائل المتاحة بل هذا النفخ بدأ مع أول إنسان وليس هذا النفخ متعلقا
بتاريخ بل هو قوّة كامنة في كل إنسان تحتاج التفعيل. فكل منّا فيه أسماء النبوّة
جميعا من نوح إلى محمد الذي ختم هذه الأسماء ليرسم العشرين حمض أميني المبثوث في
بنيتنا البيولوجية وهم:
عيسى
يحي
يوسف
إدريس
هارون
موسى
إبراهيم
إسحاق
يعقوب
محمد
نوح
داود
سليمان
أيوب
زكريا
إلياس
إسماعيل
اليسع
يونس
لوط
والإنسانية لا تعر لقصص الأنبياء اهتماما في
القرءان وتحتقر سيرتهم ومثلهم ويعتبرهم الناس رمز الدجل والفشل في الحياة والدجل وإن
لم يصرّحوا بهذا بل لقد كرّس الكهنوت هذه الرؤية بما اختلق من أخبار والقرءان بعد
أن يصوّر عينات من الإنسان النبي صاحب تفعيل نفخ الروح فيه يشير إلى إمكان دخول أي
إنسان في هذه السلسلة ويرتفع، أليس سورة الأنبياء هي الواحدة والعشرون 21؟؟
إن خطاب القرءان ليس محصورا في التاريخ وإن
تلبس في شخصيات تاريخية ليبين أن تفعيل الروح ممكن وقد حدث فعلا، فالقرءان في كل
جزء فيه خطاب للعالمين مرتفع عن الزمان والمكان وموضوعه الكون والاضطلاع بمهمة
الخلافة فيه وعبارة:
" أولئك الّذين هدى الله
فبهداهم اقتده، قل لاّ أسألكم عليه أجرا، إن هو إلاّ ذكرى للعالمين "
موّجهة لكل قارئ بما فيهم النبي الكريم محمد
متلّقي التنزيل بالسير على هذا النهج دون طلب مقابل. فأي التباس في التاريخية يدفع
بالباحث المقتنع بعلّو القرءان إلى الغوص لمعرفة سبب هذا التلبس ولنا في سير
الأنبياء وقفات مستقبلية بتفصيل ولنعد الآن إلى الموضوع.
**
"إنّ الّذي فرض عليك القرءان
لرآدك إلى معاد؛ قل رّبى أعلم من جآء بالهدى و من هو في ضلال مّبين (85) و ما كنت
ترجوا أن يُلقى إليك الكــــــــــتاب إلاّ رحمة من رّبك، فلا تكوننّ ظهيرا
للكافرين (86) و لا يصدّنك عن ءايات الله بعد إذ أُنزلت إليك، وادع إلى ربّك، و لا
تكوننّ من المشركين (87) و لا تدع مع الله إلها ءاخر لا إله إلاّ هو؛ كل شيء هالك
إلاّ وجهه؛ له الحكمـ و إليه تُرجعون (88)"
القصص
ليس هناك دليل واحد في هذه الآيات أنّ الخطاب
موّجه لشخص النبي وعبارة "وما كنت ترجوا أن يُلقى إليك الكتاب" موّجهة
لكل قارئ وإن كان النبي مخاطبا بها ويشعر بثقلها فهو كشخص حمل القرءان في قلبه وبينّه
نسخة للناس ولكن الكتاب ألقي لكل من يقرأه والقارئ الذي غاص في توليد الحق
القرءاني وإخراج قروءه ما كان يرجو أن يلقي إليه الكتاب بل هي رحمة من صائغ
الكتاب. إنّ كاف الإحاطة في هذه الألفاظ:
رآدك ـ يصدّنك
تنقلنا إلى سعة الزمان والمكان مهما تباعدا.
فمهما تعددت الأعداد البشرية واتسع الزمان فالكل مردود إلى الرب والصد عن ءايات
الله كونا مبصرا أو قرءانا مقروءا سيستمر وندخل إلى هذه الإحاطة بالمنظار الكافي
الذي ينقلنا في سفر الزمان والمكان. وقد يكون النبي فهم من هذه الآيات أنّ الخطاب
موّجه إليه فليس لنا دليلا عن فهم النبي الكريم لهذه الآيات ولا لغيرها من ءايات القرءان.
ففرض القرءان أي عطاؤه دون إلحاح من طالبه لا يُقصد به شخص النبي حصرا بل كل شخص
لقي القرءان فنزل عليه فرضه مقصود في خطاب الآيات. و القرءان يطالب قارئه:
"قل ربّى أعلم من جآء بالهدى
و من هو في ضلال مبّين"
فالهدى القرءاني ليس محصورا قرؤه في زمن
النبي الكريم بل هو صيرورة بحث إلى أبد الآبدين، فكل فرد مطالب ببيان هذا الهدى
قولا أي صيرورة طول بقاءه في الدنيا.
***
"و إذ يمكر بك الّذين كفروا
ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ؛ و يمكرون و يمكر الله، و الله خير
الماكـــــــــرين"
الأنفال:30
فالنبي شخص حمل رسالة وأصبح بها رسول والرسول
الباقي الذي داخل قلب النبي هو الرسول الآن وإلى الأبد وهو القرءان، فهو من يريد
الذين كفروا أن يثبتوه في الزمان والمكان وأن يحصروه إشعاعه وهو من يُراد به القتل
إنهاء لحياته الطبيعية التي تطول الأزل وهو من يُراد إخراجه. وهنا نرى الارتفاع في
الخطاب:
تثبيت وعدم حركة في الزمان والمكان في سعة
عمل الكافرين زمانا ومكانا
أو قتل تفريغ من الحياة
أو إخراج نهائي من ساحة الزمان والمكان.
إنّ فهم الآيات على أنّها تدل على شخص النبي
ممكن استيعابه إن قُصد بها الرسول حامل الرسالة فشخص النبي ليس هو المقصود بل
تثبيت الرسالة وقتلها وإخراجها وهذا الأمر ليس مرحليا متعلقا بشخص النبي بل هو
ممتد يشمل الرسالة في سعة الزمان والمكان.
****
"و إن كــــــــادوا ليفتنونك
عن الّذي أوحينا إليك لتفترىَ علينا غيره، و إذا لاّتخذونك خليلا (73) و لولآ أن
ثبتناك لقد كدتَّ تركــــــــن إليهمـ شيئا قليلا (74) إذا لأذقناك ضعف الحيواة و
ضعف الممات ثمّ لا تجد لك علينا نصيرا (75) و إن كـــــــــادوا ليستفزونك من
الأرض ليخرجوك منها، و إذا لاّ يلبثون خلافك إلاّ قليلا (76) سنّة من قد أرسلنا
قبلك من رسلنا، و لا تجد لسنّتنا تحويلا (77) أقمـ الصلواة لدلوك الشمس إلى غسق
الّيل وقرءان الفجر، إنّ قرءان الفجر كان مشهودا (78) و من الّيل فتهجد به نافلة
لك عسى أن يبعثك ربّك مقاما محمودا (79) و قل ربّ ادخلنى مدخل صدق و أخرجني مخرج
صدق و اجعل لى من لّدنك سلطانا نّصيرا (80) و قل جآء الحق و زهق الباطل؛ إنّ
الباطل كان زهوقا (81) و ننّزل من القرءان ما هو شفآء و رحمة للمؤمنين و لا يزيد
الظالمين إلاّ خسارا (82)"
الإسراء
يعز دائما على قلمي أن يقف مقتطعا ءايات
السورة وفي هذا المشهد القرءاني بالذات الكاتم للأنفاس بخطابها لكل قارئ يحاول طرح
الوحي الحقيقي واختلاق أخر كي تتم الصفقة والآية 74 تخاطب من صبر وثبت وتخاطب
الآيات 78 إلى 80 من ركن وخضع ليعود وتعطيه سبل العودة والتصحيح وأترك القارئ
يتمعن الآية بعقلية من تخاطبه الآيات هو شخصيا ليرى كيف ستظهر له الآيات بحلّتها
القرءانية. ولا أدري كيف يعتبر الأسلاف الآيات 78 ـ 80 موّجهة لكل قارئ ويجعلون
الآيات 73 ـ 76 موّجهة لشخص النبي حصرا. ربّما أوحت لهم الآية 76 هذا الرأي:
"و إن كــــــادوا ليستفزونك
من الأرض ليخرجوك منها، و إذا لاّ يلبثون خلافك إلاّ قليلا"
فربّما ظنّوا أنّ المقصود بها هو النبي
الكريم محمد تحديدا والآية تتحدث مع نفس الشخص أي مع كل قارئ وتقول له أنّها عادة
الرسل المدافعين عن الرسالة أن الاستفزاز والإخراج لهم عادة وأنّه مرحلي لا يلبث
أن يتلاشى. ونرى ألفاظ:
يفتنونك ـ اتخذونك ـ ثبتناك ـ أذقناك ـ
يستفزونك ـ يخرجوك ـ يبعثك
تشير إلى سعة الفعل وإحاطته للزمان والمكان
لتصور السنة التي لا تتحول.
*****
" إذ قال الله يا عيسى إنّى
متوفّيك ورافعك إلىّ و مطهرّك من الّذين كـــــــفروا و جاعل الّذين اتّبعوك فوق
الّذين كفروا إلى يومـ القيامة، ثمّـ إلىّ مرجعكـــــــم فأحكــــــــــم بينكم
فيما كنتمـ فيه تختلفون (55) فأمّا الّذين كفروا فأعذّبهم عذابا شديدا من الدّنيا
و الأخرة و ما لهمـ مّن نّاصرين (56) و أمّا الّذين ءامنوا و عملوا الصالحات
فيوفّيهمـ أجورهم، و الله لا يحبّ الظالمين (57) ذلك نتلوه عليك من الآيات و
الذّكر الحكيمـ (58)"
أل عمران
توفية عيسى درجته و إعطاؤه مكانته و رفع
التهمة عن مولده و إعلاء مثله في بني إسرائيل لمن لا يزال يرى فيه جبانا خوّارا
مسالما لطغيان روما و ساكت عن مقاومتها، كل هذا سيزول شيئا فشيئا فهذا قول قرءاني
و سنّة كونية "و إذ قال الله إنّي متوّفيك" فليست "متوفيك"
هنا من إنهاء الحياة بل الوفاة في القرءان مفهوم بوصول شيء إلى أجله المنشأ
لحقيقته و تتبع اشتقاقات هذا اللفظ في القرءان يجعل هذا المفهوم أكثر وضوحا و
لنقرأ :
"..و من أوفى بعهده من الله
.." التوبة:11
"ثمّ يجزاه الجزاء
الأوفى" النجم:41
"...والموفون بعدهم إذا
عاهدوا..." البقرة:177
هذه بعض الاشتقاقات التي تساعد في تحديد
مفهوم الجذر العربي ( و ف) في القرءان. فوفاة الإنسان هي استكمال نسخته الأخروية
التي تسمح له بالخروج فردا محسنا أو مجرما أو غير ذلك فليس كل فرد تصل نهايته في
الدنيا وفاة بل منهم من يموت دون أن يصل الوفاة وهذا البحث يحتاج غوصا في بلاغات
القرءان لا يسمح به هذا الموضوع.
عيسى سيوفّى حقّه هنا وسيرفع إلى الله أي
سيتضح أن خلقه سنّة كغيرها من جنس السنن الأخرى وسيُفرق بين عيسى المثل ومن يستعمل
اسمه ظلما وعدوانا على الأخر وتعمية للحوار والنقاش وتسليطا للسيف على القناعات
"ومطهرك من الذين كفروا" ونرى كيف رسمت كاف الإحاطة هذه المعاني في:
متوفيك ـ رافعك ـ مطهرك
لتوضح القول الإلهي السائر في المكان والزمان
ليعود ذكر عيسى الحق في الذكر الحكيمـ المتصل بميمه الناقصة الصانعة للحياة في
لفظها. فالقرءان ينبأ أنّ تبرئة عيسى ورفعه وتطهيره سيأخذ أمادا بعيدة ومهما طال
الزمان واتسع المكان فسيعود الحق للّذي تحمل الرسالة وأتاه الاتهام من كل مكان.
******
""انفروا خفافا و ثقالا
و جاهدوا بأموالكم و أنفسكم في سبيل الله؛ ذلك خير لكم إن كنتمـ تعلمون (41) لو
كان عرضا قريبا و سفرا قاصدا لأّتبعوك و لكن بعدت عليهم الشقّة؛ و سيحلفون بالله
لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم و الله يعلم إنّهم لكاذبون (42) عفا الله
عنك لم أذنت لهمـ حتّى يتبيّن لك الّذين صدقوا و تعلمـ الكاذبين (43) لا يستأذنك
الّذين يؤمنون بالله و اليومـ الأخر أن يجاهدوا بأموالهم و أنفسهم، و الله عليمـ
بالمتّقين (44) إنّما يستأذنك الّذين لا يؤمنون بالله و اليومـ الأخر و ارتابت
قلوبهمـ فهمـ في ريبهمـ يتردّدون (45)"
التوبة
نعم لو كان السفر ذو وجهة محددة تحمل غاية
مادية لأتبعوك لأخر الأرض و مهما طال الزمن "اتبعوك" وتجرؤهم على الاستئذان
نابع طواعية المقاومة في دولة الذين ءامنوا و أنّها ليست إجبارية "عفا الله
عنك لما أذنت لهم" و هذا العفو و السمح خطورته بكثرة عدد من يستأذن، فالأمر
متعلق بكل مخاطب يحمل مسؤولية من وراءه ليقرأ هو و غيره فيرى حجم المسؤولية و
ليرتفع حسّه السياسي و يرقب مواقفه و لا يبقى يتردد حتّى يتحول الريب في قلبه إلى
صفة متأصلة حيّة تعيش، فالميم الناقصة في "ريبهمـ" تصور إمكان وصوله إلى
مرحلة الحياة و التأصل. إنّ ما سُميّ "غزوة تبوك" أو ما سمّاه القرءان
"ساعة العسرة" لينبهنّا أن الاسم تحديد لماهية الشيء وليس لقبا اصطلاحيا
في القرءان، هذه الغزوة قد تكون مناسبة لنزول هذه الآية وليس هناك دليل في القرءان
أنّ سبب معين يستدعي نزول ءاية في ذلك الحين فقد يكون بين المناسبة والتنزيل مرحلة
ووقت والمؤكد أنّ القرءان مرتفع عن هذه المناسبات وإن كان يرسم الحدث التاريخي بكل
قصصه. فالقرءان لا يخاطب شخص النبي ليحصر الخطاب فيه بل النبي الكريم هو من
المُخاطبين وكاف الإحاطة تشمله كما تشمل جنس العالمين فإليهم يتوجه القرءان
بخطابه.
إنّني لن أستطيع أن آتي على كل آيات القرءان
فهي كثيرة جدّا وسأترك للتفاعل فرصة مناقشة بعضها وسأختم هذا البحث بملاحظة رسمية.
ورد رمز الكاف في عنوان سورة واحدة هي سورة
التكاثر من بين 7 سور جاء في حروفها كافا وهي:
الكهف
العنكبوت
الملك
التكوير
الكوثر
الكافرون
ولم ترد علامة الكاف كرمز إلاّ في سورة
التكاثر تحت حرف الكاف مظللة تحته. وأترك للقارئ التأمل.
وفي الختام فخطاب القرءان يسع الزمان والمكان
وكافة ترسم هذه الإحاطة عمقا واتساعا فألفاظ جاءوك وحجوك وجادلوك ويجادلونك ويسألونك
ويستفتونك ... ليست موّجهة حصرا لشخص النبي الكريم حصرا بل كلها متوجهة في سياقها
لمن يسع الزمان والمكان الكوني وهو القرءان أو من يسعه اتساع الزمان والمكان وهو
جنس المخاطبين.
تعليقات
إرسال تعليق