التخطي إلى المحتوى الرئيسي

ماهى الامانة التى رفضها الجبل ؟

ماهي الأمانة التي رفضتها السماوات والأرض؟

ما معنى فاشفقن منها؟

كيف حدث ان حملها الإنسان؟

لماذا يصف الله الإنسان بالظلوم الجهل في الآية؟ اكانت حماقه من بنى آدم؟

هل كان ان يأبى مثل الجبال؟ ام ان الانسان لم يحمل الأمانة كما اراد المولى؟

 

سؤال ثقيل كثقل الأمانة التي حملها الإنسان. وبداية يفهم قارئ الآية أنّ معرفة ماهية الأمانة هو المطلوب إن أردنا فهم دليل الآية خاصة وقد جاءت "الأمانة" معرفة بالألف واللام التي تدل على أنّها معروفة ومذكورة في نفس سورة الأحزاب.

لنبدأ الآن البحث في ماهية هذه الأمانة:

الأمانة هي الوديعة التي تُركت لتُعاد لأهلها دون ان تُمس أو يُتصرف فيها فالذي يحمل الأمانة عليه أن يوفر لها ما به يأمن بقاءها دون تغيير.

هذا معناها الشائع وهذا معناها القرآني، فهي رهان في آية البقرة:

"فإن كنتم في سفر فرهان مقبوضة، فإن أمَن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته وليتق الله ربه، و لا تكتموا الشهادة؛ و من يكتمها فإنّه آثم قلبه، والله بما تعملون عليمـ " البقرة 283

فهذه الرهان ينبغي أن تعاد لصاحب الأمانة إن كاتب دينه أو رده.

 

ولو تفحصنا أقرب المشقات للأمانة في البلاغ المبين لرأينا:

الأمن ـ الإيمان ـ مأمن

وهي ألفاظ تدل على إشاعة الطمأنينة التامة في الذات وفي الغير، وبهذا فدليل الأمانة هو تأمين الغير على ما استحفظنا إياه وإعادة مستحفظه ووديعته دون تغيير ودون تبديل.

فما هي الأمانة التي عرضها علينا الملأ الأعلى "إنّا عرضنا" بصيغة الجمع ونحن مطالبون برده دون تغيير وتبديل؟

لنترك الإجابة عن هذا السؤال الآن ولنغص في الآيات أعمق:

إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (72) الاحزاب

هذه الأمانة أبى أن يحملها السماوات والأرض والجبال وينبغي تسطير فعل الحمل الذي يدل على ثقل الأمانة وينبغي كذلك

تسطير لفظ "الجبال"، إذ ما الضروري من إضافته وكان يمكن أن يُفهم وجوده في لفظ الأرض.

 

هذه الأمانة لم يأبى أن يحملها السماوات والأرض والجبال فقط وإنّما أشفقن منها.

ما معنى إباء السماوات والأرض والجبال حمل الأمانة وما معنى إشفاقهن من هذا الحمل؟

هل السماوات والأرض والجبال كائنات عاقلة حتى تقبل وترفض وهل تملك إحساسا لتشفق من الحمل؟

 

وكيف يحمل الإنسان شيئا قابلا هذا الحمل ـ بدليل أنّ الملأ الأعلى عرض والإنسان حمل ـ وهذا الشيء هو سبب بواره وخسرانه.

 

إلى الآن أحاسيس الحيرة تختلجنا ونحن نقرأ هذه الآيات وكأنّ من خطّ هذه العبارات لا يدرك ما يخط والذي يهمه تصوير ثقل الأمانة فقط وإن أورد عبارات لا تمت للموضوع بصلة إلاّ من جهة المجاز، وما دمنا لم نحر جوابا بعد فلنتمم الآيات في سياقها لنرى:

 

"ليعذب الله المنافقين و المنافقات و المشركين و المشركات و يتوب الله على المؤمنين و المؤمنات، و كان الله غفورا رحيما"

 

فالأمانة هي حياة الإنسان فهي الوديعة التي أستأمن عليها لممارسة مهمة خلافته والكون كله مسخر له، وهذه الوديعة سوف يردها كاملة غير منقوصة فهو في كل عمل يقوم به ينسخ ويسجل نسخته الأخروية وجيناته الأخروية التي تسوق مساره هناك، هذه الأمانة سوف تعرض وتعاد في اليوم الآخر كما هي في الدنيا:

" و قالوا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة و لا كبيرة إلاّ أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا و لا يظلم ربك أحدا"

 

فالذي يمنع الإنفاق و يمتنع عنه في سبل الخير و هو الذي يسميه القرآن منافقا و المشرك الذي لم يجهد نفسه في البحث و الاقتناع بل شارك غيره دون دليل و حجة قد أجرم في حق نفسه أمّا الذي أجهد نفسه فبلغ و هو ما تصوره نون المؤمنون و ليست النون كما يزعم الناس دليل جمع المذكر السالم بل هي دليل احتواء الشيء و التحكم فيه، قلت سوآءا بحث ووصل و هو من المؤمنين أم لم يصل و هو ما تعبر عنه تاء "مؤمنات" الدالة على التفاعل بين أطراف و ليست دليلا كما يزعم اللغويون للمؤنث السالم، فرحمة الله و مغفرته سوف تحيطه يوم الحساب.

 

إنّ السماوات والأرض والجبال لا حياة لهم فهم مسخرين لنا، فلا مسؤولية تقع عليهم كي تسجل عليهم أعمالهم ولذلك فإباء حمل الأمانة في ذات تكوينهم، وليس العرض عرضا بين متفاوضين بل هو عرض تكويني وفعل الإشفاق يدل على الوصول إلى حد يريد من يصل إليه ألا يتجاوزه، فبنية السماوات والأرض والجبال لم تصل إلى مستوى نفخ الروح فوجودهم للتسخير وليس للخلافة.

 من قال أنّ الله هو من عرض الأمانة؟ والآيات تقول:

 "إنّا عرضنا الأمانة" بصيغة الجمع، وهل تظن أنّ الله يعرض وللآخرين الرفض أو القبول. إنّ القوانين المبثوثة في الكون ليس أمامها سبيل للرفض أو القبول بل هي جارية لا يمكن نقاشها.

 

هل الغرض هنا تفاوض؟

أمّأ أنّ الحياة مفهوم عام بالكائنات فنعم ولكن حياة الإنسان هي من بين غيرها التي تحمل خاصية أساسية وهي نفخ الروح فيه وتهيئته لمهمة الخلافة.

نعم الاختيار هو عمود هذه الحياة ولعلّ ما قلته يحتاج إلى تدقيق أكثر، فالأمانة هي شيء مودع ينبغي إعادته للذي أودعه ولم أقصد بإيرادي لفظ الحياة معناها القرآني بل معناها المتداول بيننا، يعني ممارستنا لحريتنا في حياتنا.

أمّا تصوير الفداحة فلعلك تقصد تصوير ثقل الأمانة.

 

الجبل كبقية ألفاظ القرآن مفهوم ينبغي أن نحاول تحديد دليله. فأقرب مشتقات الجبل في القرآن:

 

جبلاّ " و لقد أضلّ منكم جبلاّ كثيرا"

جبلة " و اتقوا الذي خلقكم و الجبلة الأولين"

 

في دليل الجبل والجبلة والجبال معنى الاستقرار والثبات وعدم التغير وهذا ما يظهر فيما نعرفه من جبال أمامنا وهي تظهر وكأنّها لم تتغير ولم تتبدل قط.

فالبدء في عرض الأمانة بدأ بالسماويات (الغلاف الجوي)

والأرض التي تحمل النبات والكائنات الحية

والجبال أي الكائنات الحية الحاملة للمورثات الثابتة المستقرة في شفرتها الجينية

والكل أبى بحكم حده الجيني الذي بلغه أن يحمل الأمانة بعد عرضها وليس بعد تحميلها فالإباء تكويني وليس تشريعي والذي حملها الإنسان من بين كل هذه الموجودات.

هذه الآية تصور مجموع التغيرات البيئية والجينية على سطح كوكبنا وصولا للخليفة.

تحياتي الأخوية

بن نبي

 

 


تعليقات

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

معارج التأويل البيولوجي للفاتح الم

  معارج التأويل في سفينة المـ في تقابل بنآء النص القرءاني مع بنآء الأحياء البيولوجي   ملاحظة تحتاج قراءة هذا البحث شيئا من القدرة على معفرة الذنوب فصاحبه ليس مختصا في البيولوجيا و لكنه متطفل عليها أرغمه القرءان على الدخول إلى أبوابها و لعل كتابة هذا البحث تملي على قارئه أن يعود إلى قرائته ثانية إن كان مثلي متطفل على البيولوجيا. ---------   هي رحلة ، حكاية عن رحلة مع ءايات سورة أل عمران و فاتحها الذي جعلني أكتشف نفسي، أكتشف مقدار التعاسة التي أحملها ظالما للقرءان، إكتشاف رهيب جعلني أرى صورتي الفرعونية الصغيرة و هي تحاول أن تقحم القرءان أن تدخله في البوتقة التي تريد أن تعنفه ليصل إلى مبتغاها مستعملة كل الوسائل. بعد كشف رهيب في الفاتح المـ البقرة ظننت أن القرءان سيواصل معي رحلة البنية اللفظية ، رحلة كشف البنآء القرءاني أخيرا. و لكنّه قادني بل هداني إلى ما لم أكن أتصوره يوما ، ما لم يخطر ببالي حتى في أعظم أحلامي. لعلنّي و لأول مرة أتسور القرءان و أدخل في باحة صغرى من باحاته لأرى حجم العمارة.     المـ ، كتاب علمني أن أساير النص ، أن أتركه يقود ، أ...

الفواتح مفاتيح الغيب المنتظر | الجزء الأوّل | مفتاح البنآء "الٓمٓـ" البقرة

  الفواتح مفاتيح الغيب المنتظر الجزء الأوّل مفتاح البنآء   الٓمٓـ البقرة   " وَمِنۡهُمۡ أُمِّيُّونَ لَا يَعۡلَمُونَ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّآ أَمَانِيَّ وَإِنۡ هُمۡ إِلَّا يَظُنُّونَ " البقرة 77 في المصحف الذي بين أيدينا ما يشبه الأكواد في بعض السور ، في 29 سورة من سور القرءان أكواد 14 عشر. أكواد أبجدية غريبة لا علامات إعراب فيها و بعض علاماتها تحمل رمزا غريبا، رمزا يشبه الموجة المنكسرة     هذه الأكواد الأربعة عشر لا تشبه كلمات  القرءان الأخرى و تلاوتها هجائية في أغلبها فالكود  الٓمٓـ ينطق الف لام ميم و الكود كٓهيعٓصٓ ينطق " كاف هـ يـ عين صاد " ، فالكاف و العين و الصاد تهّجى  أمّا الهاء و الياء  و الصاد فتنطق بلا إضافات ، يـ و ليس ياء و هـ و ليس هاء. هكذا تم نقل نطقها منذ أن نطق بها النبي و واصل الناس نطقها في نسك الصَّلَوٰةَ فمن خلاله تأصّل هذا النطق و استقر.   لم يسبق أنّ شكك أحد في نسبة هذه الفواتح لنص القرءان إلاّ المستشرقون فالقرءان عندهم من تأليف النبي بل و في بعض أجزاءه من تأليف غيره و ما دام النبي هو من ألّف هذا القرءان...

الجزء الثالث | المـ التنزيل - خطوة أولى في طريق فهم البنآء القرءاني

  المـ التنزيل خطوة أولى في طريق فهم البنآء القرءاني   " وَإِن يُرِيدُوٓاْ أَن يَخۡدَعُوكَ فَإِنَّ حَسۡبَكَ ٱللَّهُۚ هُوَ ٱلَّذِيٓ أَيَّدَكَ بِنَصۡرِهِۦ وَبِٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡۚ لَوۡ أَنفَقۡتَ مَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا مَّآ أَلَّفۡتَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيۡنَهُمۡۚ إِنَّهُۥ عَزِيزٌ حَكِيمٞ " نقلنا الفاتح المـ آل عمران إلى بحث الثنائيات ، و الذي نقلنا إليها فاصلة آل عمران بين الفاتح و حديث السورة عن الكتاب المـ " الٓمٓـ (1) ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡحَىُّ ٱلۡقَيُّومُ (2) نَزَّلَ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقٗا لِّمَا  بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَ أَنزَلَ ٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ (3)" عبارة الحي القيوم وضعتنا على فكرة الإرتباط فلا يرد القيوم في القرءان إلا مرتبطا بالحي ثم لما تلونا الكلمات التي تبدأ بالكتاب المـ كما فعلنا في سورة البقرة وقعنا على المفاجأة الغير المنتظرة و هي بداية تسلسل المجموعة و نهايتها بنفس الثنائية الميعاد  - المهاد ثم مفاجأة تشابه كلمات الثنائية المـ  ـيعـ   ـاد...