التخطي إلى المحتوى الرئيسي

حفريات الميم

 

هموم قومنا تتعاظم من إدارة أمريكية تريد لنا كنتونات عقائدية ودولا قزمة تنشأ على العقيدة التاريخية والدينية واللسانية والعرقية، هكذا لتأخذ دولة بني صهيون راحتها القصوى وتصبح رأسا بذيل في المنطقة ويدخل شعوبنا عصر الصهينة بعد أن دخله حكامها المهزومين نفسيا من رؤية الصواريخ والبوارج والطائرات والمهزومين هوّية بعد أن استهواهم الكهنوت واستهوتهم إيديولوجيات الشمول الكافرة القامعة لكل صوت حر.

 

هموم قومنا تتعاظم وبن نبي لا يفتأ يرّكز على رسم القرءان وتفاصيل دقيقة لا تحيي فردا ولا تدفع أمة ولا تقيم وعيا ويستمر في تخيلاته مهيّجا ومزبدا، هكذا يظهر للقارئ المتعب بأحزان أمته.

تمزق وشقاق ومذاهب متناطحة متدافعة تعيد الأموات لتحاكمهم وتصلب الأحياء لقناعاتهم المتباينة في الحكم على الأموات والأشباح هم من يحكموا مصيرنا في كل نفس نخرجه وبن نبي غارق في النص تحليلا وتفكيكا ومنهجا ودورانا ولا ينتبه لمآسي الأمة، هكذا يظن القارئ المرهق بالبحث عن وظيفة ومال أو عن زوج يدفئه في ليله البئيس وعن وعن وعن.

 

لأطمئن هؤلاء جميعا أنّني سأستمر، فالقرءان عندي رسالة السماء لهداية الإنسان وتعريفه بمكنونات نفخ الروح فيه، ولا أرى قومي إلاّ جزءا من هذا الإنسان وإن كان في الفؤاد شعور الحب بتعلق اللسان والتاريخ والإحساس فالقرءان أخرجني من كل هذا وجعلني أنظر للأمور بمنظار آخر أوسع وأشمل.

سأستمر في بحث التفاصيل لعلمي أولا أنّ الفرد ليس إلاّ ذاكرة ما يبقيه من عصارة بحث لمن يأت بعده ليستمر المشعل مضيئا ولعلمي أنّ السياسة موقف مهما كثرت النقاشات والتحاليل وأنّ النقاش السياسي لا يمكنه أن يقف في مستوى الفكر الذي يبني ولا يمكنه أن يخلق الوعي بفلسفة التجميع والتصفيق فالوعي في النهاية فردي. ما أقوم به أراه واجبا في ربط نفسي والناس بالرسالة كما أفهمها وكما أرى أنّها تحمل الخلاص في بعده النفسي الفردي والإنساني الجماعي، وأرى أي تفصيل في القرءان مهما دقّ جدير بالاهتمام وأنّ الوقوف عنده ودراسته وتعليمه ضروري بل به ترتبط الحياة.

ليعذرني من لم يقتنع بعد بعلّو القرءان إن لم توافق قراءتي رؤيته وقناعته وليعلم فقط أنّني ألتقي معه في شيء اسمه الحرية وفي شيء اسمه التنوع وفي شيء اسمه المشاركة في عمل الصالحات ولندخل الآن في الموضوع.

 

القرءان تنزيل للكتاب وحين يغيب البعد الكوني في قراءته يصبح نصّا أدبيا ويصبح ظاهر القول هو الحكم الفصل للنظر في بينّاته. وإذا تتبعنا الأسلاف ومن تبع سيرهم لرأيناهم جعلوا من أغلب علامات القرءان رموزا للوقف أي أنّهم جعلوا القرءان نصّا أدبيا محصور فهمه في ضبط علامات وقفه، وإن كنت لا أنفي أن يكون في مفاهيم بعض العلامات القرءانية هذا المعنى لكنّي أنفي وبكل شدّة أن يكون الوقف النطقي واللساني هو مدار هذه العلامات كما سنرى في هذا البحث.

لنقرأ ما قالوه وما يسطّره أتباعهم في نهاية المصحف:

"مـ : علامة الوقف اللازم

لا : علامة الوقف الممنوع

ج : علامة الوقف الجائز جوازا مستوى الطرفين

صلى : علامة الوقف الجائز مع كون الوصل أولى

قلى : علامة الوقف الجائز مع كون الوقف أولى"

هذا الكلام سطرّه ابن مجاهد المتوفّي سنة 324هـ و من تبعه و من قبله لم يكن مدوّنا و قد يكون معروفا و استقراءا يمكننا تحديد نشأة هذا الرأي في حدود نهاية القرن الثاني الهجري، و إذ بدأ هذا الرأي يسري على الألسنة بدأت بعض الأيادي العابثة تغير في علامات القرءان بل وصل الأمر أن جعل بعضهم علامة "مـ" على لفظ "الله" في آية أل عمران:

"..و ما يعلم تأويله إلاّ الله(مـ).."

في بداية القرن التاسع الهجري ليدلل أنّ الوقف هنا لازم وليمرر فهمه للآية ولحسن الحظ أنّ المصحف الإمام المتبع المسمّى "مصحف عثمان" حافظ على الرسم الصحيح وأبقى رمز "صلى" على لفظ "الله" بدل التحريف أعلاه.

إنّ الأمر ليس بهيّن فأي مس بأي نقطة أو رسم في القرءان هو بداية لتحريف عظيم في المفاهيم وهذا ما حدث فعلا ويمكن رؤية فروق الرسوم في المصاحف المطبوعة ليعلم الإنسان أنّ كثير من النسّاخ يعتبروا الرسم القرءاني عمل بشري محض وبتكرار خرافات الكهنوت أنّ النبي لم يبلغ الرسالة وترك كتابة القرءان لغيره أصبح الاجتهاد في تغيير رسمه أمرا بسيطا.

إنّ لكل نقطة في القرءان بعدا كونيا ولكل علامة قيمة عظمى في إخراج الدلالة والوصول لإحكام الآية ولا شك أنّ القرءان يقرر أنّ حفظه من داخله ويشهد بحمله في بطنه ما به يعيد رسمه كما نُزّل ولو حرّف الناس علاماته، ولكن معرفة هذه الآلية ليس بالأمر الهيّن.

 

موضوعنا بعد هذه التوطئة هو حرف الميم القرءاني وقد كنت سابقا حرصت على تتبع رسم كتاب الميم في القرءان وتوصلنا لنتائج مهمة جدّا منها على الخصوص أنّ حرف الميم لوحده يثبت استحالة بشرية القرءان ويثبت لوحده أنّ علامات القرءان ليست إضافات بشرية بل هي من أصل القرءان وأنّ دليلها.

وجرّني الحديث مع بعض الإخوة إلى طرح موضوع جديد في كتاب الميم متعلق بورودها في عناوين السور وبدل أن يكون هذا الموضوع تنبيها لأصالة رموز القرءان وأنّها ليست عبثا ولا لهوا ولا اعتباطا تحوّل الموضوع إلى هاجس بحث عند بعض الإخوة الأعزاء إذ ما طرحته من أسئلة في الموضوع زاد من تعقيد الأمر بدل تقديم قراءة وهذا ملخص الموضوع مع أسئلته.

"ورد رمز الميم الكاملة "م" في عناوين 23 سورة في القرءان:

وسأسجل الملاحظات فقط دون تعليق وأترك للجهد الجماعي سبيله لنخرج جميعا بشيء نطمئن له، فما دام زمن الثورة على المنهج بدأ كما أعلنت الأستاذة العزيزة لطيفة فدعوني أساهم في الثورة عليه معكم ولنبدأ الملاحظات:

1 ـ بدأ رمز الميم في السورة السابعة

2 ـ ورد هذا الرمز 24 مرّة في عناوين 23 سورة

3 ـ ورد هذا الرمز دائما بالميم الكاملة في عناوين السور.

4 ـ وجود ميمين في عنوان سورة الفيل

5 ـ تنوعت عدد الميمات في عناوين السور بين سورة دون طير إلى سور لها طير واحد أو طيرين و سورة واحدة بثلاث طيور.

6 ـ وضع الطيور مقارنة برمز الميم يختلف من سورة إلى أخرى.

7 ـ لا علاقة بوجود رمز الميم بنطقه في السور فهو موجود على حروف تختلف عن الميم رسما ونطقا وغير موجود على حرف الميم في سور تحمل الميم في عنوانها.

8 ـ وردت الميم الكاملة دوما في عناوين السور التي تنتهي باللام." انتهى

سنعود لبعض هاته الأسئلة بتفصيل وأوردتها في الموضوع لبيان أنّ رسم القرءان وعلاماته ليست عبثية وإن طالها تحريف النسّاخ وسيمر وقت طويل قبل أن تصبح هذه الفكرة راسخة في الذهن.

ما دليل حرف الميم في القرءان و ما هو مفهومه و إذا كان القرءان يُقرأ دائما بالنظر إلى مقابله الكوني فماذا يمثل الميم كمفهوم كوني؟؟

لماذا ورد رمز الميم في القرءان برسمين:

مـ ؛ م

بداية سأدخل كتاب الميم في القرءان من فواتح السور القرءانية أو ما يسميه القرءان "السبع المثاني".

وردت الميم في الفواتح التالية:

1 ـ المـ : البقرة ـ أل عمران ـ العنكبوت ـ الروم ـ لقمان ـ السجدة.

2 ـ المص : الأعراف

3 ـ المر : الرعد

4 ـ طسمـ : الشعراء القصص

وبعد هذا تبدأ الإشكالات إذ الفاتح "حم" رُسم بالميم الكاملة مرّة وبالميم الناقصة أخرى:

1 ـ حم : غافر ـ الزخرف ـ الدخان ـ الجاثية ـ الأحقاف

2 ـ حمـ : فصلت ـ الشورى

و أول الملاحظات أن "الحواميم" وردت سبع مرّات دون إنقطاع من سورة غافر (40) إلى سورة الأحقاف (46) و أنّ الفاتح "حم" هو الوحيد الذي وردت فيه الميم في أخره كاملة أمّا بقية الفواتح فالميم فيها دوما ناقصة "المـ ؛ طسمـ".

ثاني الملاحظات هي ورود الميم دائما برمز المد الموجي "~" فوقها سواء وردت في وسط الفاتح أو في أخره إذ لم ترد الميم إطلاقا في بداية أي فاتح.

سنبقي هذه الملاحظات مع التي قبلها دون إجابة وسنستفيد فقط من ورود الميم برسمين لنبدأ الغوص في صحيفة القرءان بحثا عن هذا الرسمين.

كل من يقرأ القرءان يرى أن كثيرا من الألفاظ التي تنتهي بالميم ليست ثابتة الرسم في أغلبها وهي ترسم مرّة بالميم الناقصة وأخرى بالميم الكاملة ويكفي لفظ "إبراهيم" و "مريم" للتدليل على هذه الحقيقة.

وإذا غاص القارئ أعمق في رسم كتاب الميم في القرءان فسيجد أنّ الرمز نفسه يأتي بالميم الكاملة وبالميم

الناقصة.

فلنضرب الأمثلة بالمثال يتضح المقال.

ورد رمز الميم الناقصة في 23 موضعا في القرءان:

1 ـ البقرة:26 على لفظ "مثلا"

2 ـ البقرة:118 على لفظ "قولهمـ"

3 ـ البقرة:212 على لفظ "ءامنوا"

4 ـ البقرة:253 على لفظ "بعض"

5 ـ أل عمران:181 على لفظ "أغنيآء"

6 ـ النساء:118 على لفظ "الله"

7 ـ النساء:171 على لفظ "ولد"

8 ـ المآئدة:2 على لفظ "تعتدوا"

9 ـ المآئدة:51 على لفظ "أوليآء"

10 ـ المآئدة:64 على لفظ "قالوا"

11 ـ المآئدة:73 على لفظ "ثلاثة"

12 ـ الأنعام:20 على لفظ "أبنآءهم"

13 ـ الأنعام:36 على لفظ "يسمعون"

14 ـ الأنعام:124 على لفظ "الله"

15 ـ الأعراف:148 على لفظ "سبيلا"

16 ـ يونس:65 على لفظ "قولهمـ"

17 ـ هود:20 على لفظ "أوليآء"

18 ـ الإسراء:8 على لفظ "عدنا"

19 ـ القصص:88 على لفظ "ءاخر"

20 ـ العنكبوت:26 على لفظ "لوط"

21 ـ يس:76 على قولهم "قولهمـ"

22 ـ القمر:6 على لفظ "عنهمـ"

23 ـ المسد:4 على لفظ "امرأته"

كل إنسان يعيش بدايات القرن العشرين المباركة بكشوف الراسخين في العلم يعلم أن العدد 23 يشير إلى عدد كروموزمات الإنسان وهذا العدد الذي ورد به رمز الميم الكاملة في عناوين السور 23 يزيده بيانا ورود 23 ميم ناقصة في داخل نص القرءان.

وأسمع من هنا إستنكار القارئ الذي بحث في التفاصيل و وجد أنّ رمز الميم الناقصة غير موجود في بعض الأماكن أعلاه أو أنّه وجدها في مواضع أخرى لم أشر إليها و هنا يجب من وقفة للتوضيح.

فكرة أنّ رمز الميم الناقصة علامة للوقف اللازم لا تثبت بدليل:

ـ الأنعام:36

ـ العنكبوت:26

ـ المآئدة:2

وغيرها من البلاغات وهناك من الوقف ما هو ألزم لو تفحص القارئ القرءان ولم يرد فيها هذا الرمز، وسيتضح الأمر أكثر في باقي البحث أنّ فكرة تعلق الوقف اللازم بالميم فكرة خاطئة ولا شك أن من قاد الأسلاف لتسطير هذه الفكرة في نهايات القرن الثالث هو نشوء قواعد الكتابة والرسم وترسخ فكرة اعتبار القرءان نصّا أدبيا. أمّا التزامي بالمواضع 23 أعلاه فهو لورودها في مصاحف المدينة، ورغم تباين رسوم الميم الناقصة فيها فهي لا توردها بالمئات كما يفعل غيرها بل تتفق على أكثرها وتختلف فقط في واحد منها وهو ورود الرمز فوق لفظ "امرأته" في سورة المسد.

لن أمضي بعيدا في التفصيل وسأترك للتفاعل مجاله وأمضي قدما لأسجل خلاصات ما سطرناه سابقا:

ـ وردت علامة الميم الكاملة "م" في عنوان 23 سورة وهي تشير إلى الأزواج 23 الصبغية في ماهية الإنسان البيولوجية وأبعد من هذا فإنّ هذا الرمز ورد مرتين في سورة الفيل لتسجيل الفرق بين الكرموزوم الجنسي. فورود الميم في عنوان 23 سورة هو لبيان عددها وورود ميمين في نفس العنوان هو لتوضيح الفارق بين ماهيتين.

ـ وردت علامة الميم الناقصة "مـ" في 23 موضع في القرءان مقابلا عدد السور التي وردت فيها الميم الكاملة.

ليس هناك شك أنّ الميم بهاتين الملاحظتين متعلق بمفهوم الحياة في القرءان و لا معنى للحياة في القرءان دون وجود الفرد العالم فيها أي الإنسان ذي 23 صبغا و مجيء أوّل ميم كاملة في السورة السابعة في القرءان (الأعراف) إشارة كذلك إلى الحياة فالمراحل الست الأولى:

(ستة أيام) كانت تمهيدا لظهور الحياة في اليوم السابع. فإذا كانت الميم الكاملة ذات الركز تشير إلى الحياة واستقرارها فإلى ماذا تشير الميم الناقصة.

فصل الذيل عن الميم له دلالتين. إمّا أنّ الحياة آيلة إلى الزوال والاضمحلال من الشيء المشار إليه وعودة إلى عناصر ميتّة أو أنّ الحياة في طريق النشوء في هذا الشيء وأترك التفاعل يثري قراءات المواضع 23 أعلاه لتقرير هذه الفكرة أو نقضها وأحصر تدخلي فقط في دليل ورود علامة الميم الناقصة في سورة المسد.

"تبت يدآ أبى لهب و تبّ (1) مآ أغنى عنه ماله و ما كسب (2) سيصلى نارا ذات لهب (3) و امرأته(مـ) حمّالة الحطب (4) في جيدها حبل من مسد(م) (5)"

المسد

للأسف فإنّ المفسرين جعلوا "أبا لهب" هو عمّ النبي الكريم محمد وهم بهذا يعبرون عن جهلهم بالبلاغ المبين،

إذ ليس في القرءان ألقابا بل أسماء ويعبرون عن سعار الخلاف السياسي بين أصحاب شرعية التغلب من أمويين وعباسيين وبين أصحاب شرعية النسب الممثلة في العلويين وحجم الصراع الإيديولوجي بين الحزبين والأبواق الإعلامية الكهنوتية للحزبين. إنّ كلاّ من الفريقين يخالف هدف خصمه بجعل "أبي لهب" عمّا النبي وإن اتفقا الفريقان في القراءة،

فأصحاب شرعية الغلبة يدّعون أنّ في السورة دليل أنّ أقارب النبي ليسوا كلّهم من ذوي الفضل ولا يستحقون كلّهم صفة الفضل ليصبّوا الشك على علي بن أبي طالب ونسله أمّا أصحاب شرعية النسب يرون أنّ السورة تؤكد أنّ الفضل محصور في عائلة بنت النبي وأنّ أقاربه الأخرين ممنوعين من الصرف.

الأمر يتحول إلى سجال سياسي سريعا ويُنسى القرءان وتُنسى هندسة ألفاظه وما يريده العابثون هو الاتكاء على آية أو لفظ قرءاني لتبرير سياسة لا يمكنها أن تبرر فالحكم في القرءان لا يخضع للانتماء لنسب النبي ولا يخضع لمنطق الغلبة والتغلب ولنعد لنص السورة ونسأل أسئلة بسيطة:

ما هو مفهوم الأب في القرءان؟

الأب في القرءان هو من يلقن أخرا منهجا ويصبح هذا الأخر ابنه فمن هو "أبا لهب"؟

من هو الذي يلقن المنهج الموصل للهب؟

سؤال إجابته متروكة للقارئ.

الآن من هي "امرأته"؟

لا شك أن من يحدد دليل "أبا لهب" أنّه عم النبي سيقع في الفخ وسيعتبر "امرأته" هي "زوجه" وسيرا مع قواعد الكهنوت اللغوي سيعتبر "أبا لهب" مذكر و "امرأته" مؤنث والأمر ليس كذلك وسبق في بحث "ذكورية الخطاب القرءاني وهم بصري أم حقيقة موضوعية" بيان أنّ هذا التقسيم لا أساس له في القرءان.

فـ "امرأته" هو كل من تشرب منهجه وارتبط به وولّد أتباعا جدد بفعل التاء المفتوحة التي تعبر عن رحم أخرج الزوجين "النقطتين" وواصل به "أبو لهب" المسيرة بالإخراج والبث ليحاول إبقاء الحياة في مشروعه وهذا ما ترسمه الميم الناقصة فوق الهاء.

إنّ كل من تشرّب منهج أبي لهب محدد الأوصاف فهو يحمل الحطب ليزيد اللهب اشتعالاً كلّما اقترب من الإنطفاء و ما تخرجه يده من جود ليس إلاّ شعلة يضرم بها النار ثانية كلمّا خفت سعارها.

ولكن سعار النار في كل مرّة ينطفئ لأنّها يده متبوبة "تبت يدآ"، يده الذاتية ويد معاونيه.

أود أن أنبّه قبل أن أبدأ البحث في رمز الميم الكاملة "م" داخل النص القرءاني أنّ ورود رمز الميم الناقصة "مـ" داخل النص القرءاني و ورود رمز الميم الكاملة في عناوين السور لا علاقة له بظاهرة صوتية.

ورود الميم الكاملة "م" داخل القرءان جعل الأسلاف يرون فيها ظاهرة صوتية وتناسوا ورودها في عناوين السور ولم ينبسوا عن الأمر ببنت شفة. وأسجل هنا ملاحظتهم الوحيدة التي استفاضوا تركيزا عليها:

التقاء النون الساكنة مع الباء ينتج ميما ويتم بها بلع الباء في النطق وسموا هذا إقلابا وإدغاما.

ويمكن تقسيم رؤيتهم إلى قسمين:

1 ـ قسم يحدث فيه قلب النون ميما داخل اللفظ نفسه

2 ـ قسم يحدث القلب بالتقاء لفظين

فمن أمثلة القسم الأول في القرءان:

ـ "أنبتت / أنبتها / أنبتنا / أنبتكم"

و يصبح اللفظ نطقا "أمبتها / أمبتنا ..."

أنبآء

جَنْب

لينبذن

يستنبطونه

انبذ

انبعاثهم

أنبياء

ذنب

ينبغي

ينبوعا

وفي كل هذه الأمثلة نرى علامة الميم الكاملة فوق النون لتدليل على خروج الميم بالتقاء النون الساكنة والباء.

ومن أمثلة القسم الثاني:

قائما بالقسط

طيرا بإذن الله

عليمـ بالمفسدين

بصير بالعباد

ظلالا بعيدا

قومـ بينكم

من بعلها

قلوبنا غلف بل لعنهم

خبير بما

جزاءً بـ

نفسُُ بـ

أليمـ بما

سفها بغير

من بين

من بيننا

بعذابٍ بئيسٍ بما

ثمن بخس

من بعد

صم بكم

فالميم تأتي فوق الحرف المنوّن إن كان التنوين ضما أو فتحا وتأتي تحته إن كان التنوين كسرا وتغيب علامة التنوين الثانية وتأتي الميم فوق النون الساكنة (من بعد؛ من بين) وأيّا كان الشكل فالتقاء نون ساكنة وباء ينتج ميما.

وقد يعتبر القارئ هذا الأمر ظاهرة صوتية أراد منها صائغ القرءان أو النساخ بعده توضيح نطق الميم بالتقاء النون الساكنة والميم والأمر غريب جدّا إذ لم نجد في صحيفة خطّها بشرّي هذا الحرص على دقة النطق إلى هذه الدرجة وكان يكفي أن تسجل في موضع أو موضعين ليتم التنبيه أمّا وأنّها اكتسحت القرءان في كل نصّه فأمر غريب.

ولو كان الأمر متعلقا بالنطق فقط فكيف نفسر غياب شرح مبسط لطريقة نطق الحروف الأخرى خاصة وأنّ رسم الحروف نفسه لا يساعد على هذا التخمين ففرق النطق بين الفاء والقاف واضح رغم تقارب رسمها وكذا بين الحاء والجيم.

وقد تكون الظاهرة مختصة بالميم ولكن الأمر ليس كذلك إذ نجد رموزا أخرى في القرءان لا ندري ما سبب إيرادها كالسين "س" والمعين الرباعي وغيرها ممّأ أشرت إليه في بحوث المنهج.

إنّ مشكلة الأسلاف أنّهم متبعين لظاهر القول فهم يخترعوا القواعد ويعددّوها إرغاما إذ قواعدهم تفتقد العلمانية في توضيح الأمر وبعيدة عن استقرار أي نبأ في القرءان وأكبر خطاياهم اعتبار القرءان ليس تنزيلا للكتاب وفصلهم دراسة القرءان عن دراسة الكون ولذلك ما أن وجدوا الظاهرة الصوتية واضحة في ألمسم حتّى ظنّوا أنّ الظاهرة الصوتية هي أساس علامات القرءان وأجروا هذه الفلسفة على نص القرءان كلّه.

كيف سيتم شرح فلسفة الوقف مع ورود علامة الميم الكاملة "م" مرتبطة مع نفس رموز الوقف "صلى" و "قلى" و "ج"، إذ خروج الميم نطقا بين النون الساكنة والباء يعني نطقهما تتابعا فكيف تأتي الميم مع إمكانية الوقف ولنحقق في البلاغات القرءانية:

الزخرف :58 ـ الأحقاف :28 ـ الأحقاف:35 ـ الزمر:49 ـ سبأ:8 ـ الصافات:30 ـ السجدة:10 ـ المؤمنون:70 ـ النحل:28 ـ الكهف:48 ـ الكهف :50 ـ الفتح:11 ..الخ

ويمكن للأسلاف المبادرة بالإجابة أنّ هذه العلامات لأولوية الوقوف أو الوصل ولكنّها ليست للوقف اللازم إذ لم نر في القرءان اقتران بين الميم الناقصة الدالة على الوقف اللازم والميم الكاملة الدالة على الإقلاب.

حسنا فالإجابة معقولة لكن كيف سنفسر ورود الميم الكاملة في نهاية السور!!!!!!!!

النساء ـ المائدة ـ الأنعام ـ الأنفال ـ الإسراء ـ الكهف ـ مريم ـ النور ـ الفرقان ـ لقمان ـ الأحزاب ـ سبأ ـ فاطر ـ ص ـ فصلت ـ الفتح ـ القمر ـ الطلاق ـ الملك ـ نوح ـ الجن ـ المزمل ـ الإنسان ـ النبأ ـ الإنشقاق ـ البروج ـ الطارق ـ البلد ـ العاديات ـ القارعة ـ الهمزة ـ الفيل ـ قريش ـ النصر ـ المسد ـ الإخلاص

المسألة ليست متعلقة بالنطق حصرا بل بظاهرة كونية حتما وهي متعلقة بمفهوم النون المفرغة من قوى الفعل عندما تقترن بالباء التي هي بدورها مفهوما وأنّ هذا الاقتران يولّد ميما حياة مستقرة في أو ينكس الحياة ويزيلها ويمنعها من الظهور.

هذه المفاهيم ببساطة أجهلها والبحث فيها يتطلب معرفة أعمق بالبنية اللفظية في القرءان علّ هذا الموضوع يفتح نافذة للباحثين.

لن أغادر رمز الميم الكاملة دون الإشارة إلى خلاصات بسيطة:

ـ مجيء رمز الميم الكاملة في نهاية السور دليل أنّ عبارة "بسم الله الرحمان الرحيم" من القرءان والأمر العجيب اختفاء العبارة من سورة التوبة ومجيء الميم الكاملة في سورة الأنفال لكن لحسن الحظ أنّ سورة التوبة تبتدئ بحرف الباء "براءة"، يا له من حظ.

ـ أنّ الرموز "قلى" "صلى" و "ج" ليست للوقف حصرا بل مفاهيم هذه العلامات أشمل.

إنّ غياب البعد الكوني هو سبب تأصل الشيئية في القراءة والتزام ظاهر القول بدل عقل ءايات القرءان وتتبعها حفرا وغوصا لإخراج القروء، فجعل رمز الميم الكاملة علامة نطق فقط تظهر بالتقاء النون الساكنة والباء لا يمكنها شرح ثلاث أمور:

1 ـ مجيء رمز الميم الكاملة في عناوين السور

2 ـ مجيء رمز الميم الكاملة داخل النص القرءاني تحت اللفظ حينا إن كان تنوينه كسرا وفوق اللفظ إن كان التنوين فتحا أو ضمّا

3 ـ مجيء رمز الميم الناقصة دون أن يكون له ربط بالنطق.

إنّني إذ لا أنفي ظاهرة النطق بل أراها من أبعاد القرءان فلا يمكنني أن أحصر تنزيل الكتاب في ظواهر صوتية همّها ضبط النص حصرا بل قراءتي دائما تحاول إيجاد الصلة بين الكتاب وتزيله لينفتح مولّدا للمعرفة.

وللحديث بقية عن الحياة في فواتح السور التي ورد فيها الميم

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

معارج التأويل البيولوجي للفاتح الم

  معارج التأويل في سفينة المـ في تقابل بنآء النص القرءاني مع بنآء الأحياء البيولوجي   ملاحظة تحتاج قراءة هذا البحث شيئا من القدرة على معفرة الذنوب فصاحبه ليس مختصا في البيولوجيا و لكنه متطفل عليها أرغمه القرءان على الدخول إلى أبوابها و لعل كتابة هذا البحث تملي على قارئه أن يعود إلى قرائته ثانية إن كان مثلي متطفل على البيولوجيا. ---------   هي رحلة ، حكاية عن رحلة مع ءايات سورة أل عمران و فاتحها الذي جعلني أكتشف نفسي، أكتشف مقدار التعاسة التي أحملها ظالما للقرءان، إكتشاف رهيب جعلني أرى صورتي الفرعونية الصغيرة و هي تحاول أن تقحم القرءان أن تدخله في البوتقة التي تريد أن تعنفه ليصل إلى مبتغاها مستعملة كل الوسائل. بعد كشف رهيب في الفاتح المـ البقرة ظننت أن القرءان سيواصل معي رحلة البنية اللفظية ، رحلة كشف البنآء القرءاني أخيرا. و لكنّه قادني بل هداني إلى ما لم أكن أتصوره يوما ، ما لم يخطر ببالي حتى في أعظم أحلامي. لعلنّي و لأول مرة أتسور القرءان و أدخل في باحة صغرى من باحاته لأرى حجم العمارة.     المـ ، كتاب علمني أن أساير النص ، أن أتركه يقود ، أ...

الفواتح مفاتيح الغيب المنتظر | الجزء الأوّل | مفتاح البنآء "الٓمٓـ" البقرة

  الفواتح مفاتيح الغيب المنتظر الجزء الأوّل مفتاح البنآء   الٓمٓـ البقرة   " وَمِنۡهُمۡ أُمِّيُّونَ لَا يَعۡلَمُونَ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّآ أَمَانِيَّ وَإِنۡ هُمۡ إِلَّا يَظُنُّونَ " البقرة 77 في المصحف الذي بين أيدينا ما يشبه الأكواد في بعض السور ، في 29 سورة من سور القرءان أكواد 14 عشر. أكواد أبجدية غريبة لا علامات إعراب فيها و بعض علاماتها تحمل رمزا غريبا، رمزا يشبه الموجة المنكسرة     هذه الأكواد الأربعة عشر لا تشبه كلمات  القرءان الأخرى و تلاوتها هجائية في أغلبها فالكود  الٓمٓـ ينطق الف لام ميم و الكود كٓهيعٓصٓ ينطق " كاف هـ يـ عين صاد " ، فالكاف و العين و الصاد تهّجى  أمّا الهاء و الياء  و الصاد فتنطق بلا إضافات ، يـ و ليس ياء و هـ و ليس هاء. هكذا تم نقل نطقها منذ أن نطق بها النبي و واصل الناس نطقها في نسك الصَّلَوٰةَ فمن خلاله تأصّل هذا النطق و استقر.   لم يسبق أنّ شكك أحد في نسبة هذه الفواتح لنص القرءان إلاّ المستشرقون فالقرءان عندهم من تأليف النبي بل و في بعض أجزاءه من تأليف غيره و ما دام النبي هو من ألّف هذا القرءان...

الجزء الثالث | المـ التنزيل - خطوة أولى في طريق فهم البنآء القرءاني

  المـ التنزيل خطوة أولى في طريق فهم البنآء القرءاني   " وَإِن يُرِيدُوٓاْ أَن يَخۡدَعُوكَ فَإِنَّ حَسۡبَكَ ٱللَّهُۚ هُوَ ٱلَّذِيٓ أَيَّدَكَ بِنَصۡرِهِۦ وَبِٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡۚ لَوۡ أَنفَقۡتَ مَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا مَّآ أَلَّفۡتَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيۡنَهُمۡۚ إِنَّهُۥ عَزِيزٌ حَكِيمٞ " نقلنا الفاتح المـ آل عمران إلى بحث الثنائيات ، و الذي نقلنا إليها فاصلة آل عمران بين الفاتح و حديث السورة عن الكتاب المـ " الٓمٓـ (1) ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡحَىُّ ٱلۡقَيُّومُ (2) نَزَّلَ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقٗا لِّمَا  بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَ أَنزَلَ ٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ (3)" عبارة الحي القيوم وضعتنا على فكرة الإرتباط فلا يرد القيوم في القرءان إلا مرتبطا بالحي ثم لما تلونا الكلمات التي تبدأ بالكتاب المـ كما فعلنا في سورة البقرة وقعنا على المفاجأة الغير المنتظرة و هي بداية تسلسل المجموعة و نهايتها بنفس الثنائية الميعاد  - المهاد ثم مفاجأة تشابه كلمات الثنائية المـ  ـيعـ   ـاد...