فيما يلي نموذج تحليلي لموضوع القرءان الكريم
اعتمادا على ما طرح سابقا في الموضوع بجزئيه الأول والثاني:
الخلافة في المنظور القرآني:
( إِذْ قَالَ رَبُّكَ
لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ
فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ
وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30))البقرة 30
أولا هنا خطاب من الله للملائكة بأنه جاعل في
الأرض خليفة، وقوله جاعل ينطوي على دلالات خطيرة، فهو لم يقل خالق في الأرض خليفة،
وكل الآيات التي تتحدث عن الخلافة يرتبط فيها الجعل وليس الخلق :
(وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ
خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ
فِي مَا آَتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ
(165) ) الأنعام 165
(أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ
إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَءِلَهٌ
مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (62)) النمل62
(هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ
خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلَا يَزِيدُ
الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا وَلَا يَزِيدُ
الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا (39)) فاطر39
وغيرها من الآيات، إذا الاستخلاف مرتبط
بالجعل، وهذه تسمى في علوم الدلالة (الرصف) ويعرفها منقور عبد الجليل في كتابه علم
الدلالـة أصوله ومباحثه في التراث العربي.
( كان آخر ما توصل إليه علماء اللغة في إطار
النظرية السياقية هو فكرة "الرصف"، وهو يعني مراعاة وقوع الكلمات مجاورة
لبعضها حيث يعد هذا الوقوع أحد معايير تحديد دلالة الكلمة، إن تسييق الصيغة
اللغوية يعد المنفذ المهم لتحديد مجالها الدلالي، فلا يمكن أن ترد الصيغة اللغوية
بمعزل عن السياق النفسي أو الاجتماعي الثقافي، بل يحصل التجاور بين مجموع الصيغ اللغوية
داخل التركيب وهو ما يمكن التعبير عنه بمصطلح "النظم"، كما سماه قديماً
عبد القاهر الجرجاني في كتابه: "دلائل الإعجاز".. وقد اعتبر فيرث *Firht) أن قائمة الكلمات المتراصفة مع كل كلمة تعد
جزءاً من معناها، بحيث يستدعي حضور كلمة ما حضور سلسلة من الكلمات التي تتراصف
معها سياقياً وتتوافق معها في الوقوع ).
إذا الاستخلاف هو جعل، وقد أشار أبو القاسم
حاج حمد في كتابه العالمية إلى الفارق بين مفهومي الجعل والخلق ، وسأتناول هنا هذا
الأمر بمزيد من التفصيل وبسياق مختلف يرتبط أساسا بمفهوم العبودية(مع الاعتماد
بشكل كبير في الفكرة الرئيسية على تحقيق الأستاذ أبو القاسم راجع العالمية
الإسلامية الثانية) فكيف يطرح القرآن هذا المفهوم:
يقول تعالى
(الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ
فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ
مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ
تَعْلَمُونَ (22))البقرة 22
الآية الأولى تدعوا الناس لعبادة الله لعلهم
يتقون ، ولكن ما هو مفهوم العبادة المفضية للتقوى ؟
لم يدعوا الله الناس لعبادته بشكل تجريدي
خطابي وإنما دعا لعبادته عن طريق الكون،
فأتت الآية التالية بقوله (الذي جعل لكم
الأرض فراشا والسماء بناء...)
من هو ربكم الذي يدعوا لعبادته ؟ هو الذي جعل
والجعل غير الخلق المذكور في الآية الأولى ، السماوات والأرض مخلوقتان كرتق وبعد
الفتق جعلت الأرض فراشا وقرارا والسماء بناء إلخ.....
(أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا
أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا
مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (30)) الأنبياء 30
هنا ربط للإيمان بمفهوم الجعل فما بعد الفتق
كان السحاب المسخر وإنزال الماء الذي جعل منه كل شيء حي.
والآية التالية) الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي
خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ
الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (1))الأنعام 1
الظلمات والنور والليل والنهار نتيجة دوران
الأرض حول نفسها.(وَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا ) يونس
5
وفي آية أخرى (
وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا ) الأنعام 97
النجوم مخلوقة بحكم خلق السماوات ولكنها
مجعولة لنهتدي بها بحكم مواقعها .
وعندما يتحدث القرآن عن خلق الأزواج يقول
تعالى (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ
وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا) الأعراف 189
فالزوج مخلوق من النفس الواحدة بدليل الآية:
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا
رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا
زَوْجَهَا...) النساء 1
أما أن تكون سكن له فهذا جعل .
إذا الجعل متعلق بالوظيفة التي تربط الإنسان
بمخلوقات الله المسخرة له، فهو نتاج حركة الوجود وتفاعله عبر الزمن باتجاه غاياته
،فهو من مقتضيات عالم الشهادة الذي يربط الخلق بالإنسان بمنطق التسخير، وبمعنى آخر
الجعل هو وظيفة الخلق التي سخرها الله للإنسان ليقوم بأعباء خلافته على الكون،
فكما تقول الآية:
الذي- جعل- لكم
وأنزل ماء - لنا -
فالكون مجعول ومسخر للإنسان .
وحين لا يعبر الإنسان لعبادة الله عبر الكون
بمنطق التسخير،ومستفيدا من الجعل الإلهي ، لا يمكنه أن يقوم بأعباء الخلافة ولا
يتحقق معنى العبودية المطلوبة المفضية إلى التقوى حتى تهتدي بهذا الكتاب الكوني.
فلا عبودية صحيحة دون الاتجاه إلى الكون
بمنطق التسخير ،فقد ربط الله بين عبوديته وبين الوظائف المودعة في خلقه الذي خلقه
وجعله - لنا - أما غير ذلك فهي عبودية منقوصة لا تؤتي أوكلها وتؤدي إلى أشكال شاذة
في علاقة الإنسان بربه وتؤدي إلى فهم خاطئ لمعاني الربوبية وبالتالي إلى سلوك خاطئ
ضال(وليس كفر) ،فما بعد الهدى إلا الضلال.
فالغاية أن يرتبط الإنسان بالله عبر
الكون،وارتباطه بالكون فقط دون أن يكون غاية وطريقا للعبودية وفهم الوجود الإلهي
في الكون فإنه يتيه عن غاية خلقه وتسحقه الطبيعة، و أن يرتبط بالله مباشرة و ويفنى
عن الوجود فذلك يؤدي إلى الحلول أو الاتحاد ويشعر بالانسحاق أمام قدرة الله
المطلقة ولا يبصر إلا جبرية تسيره وتعزله عن فاعليته الحضارية ويتيه في عالم الغيب
الذي ينتهي به إلى الحيرة وما ثم إلا حيرة كما عبر عن ذلك المتصوفة.
إذا وبالعودة إلى موضوع الاستخلاف وبعد تحديد
مفهوم الجعل الذي هو:
نتاج حركة الوجود وتفاعله الممتد إلى عالم
الغيب عبر الزمن باتجاه الغاية الإلهية من الخلق، فالغاية من خلق البشر أن يجعل
منهم خليفة، فآدم ليس أول البشر وذلك بدليل جواب الملائكة بقولهم أتجعل فيها من
يفسد فيها ويسفك الدماء، فهم لم يعترضوا بقولهم :
( أتخلق فيها)
وإنما دقة القرآن تحدد القول ب :
(أتجعل فيها)
وسياق الآية الذي يدل على أن البشر كانوا
موجودين في الأرض يسفكون الدماء ويفسدون، فاعتراض الملائكة كان على جعل الله من
البشر المفسدون خليفة، ولعلم الملائكة بمقام الخلافة كان استغرابهم وتساؤلهم،
فالخليفة هو الذي يقوم بالحق.
(يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ
خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ
الْهَوَى....) ص 26
وهو وعد من الله للمؤمنين والذين يعملون
الصالحات
(وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا
الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ
مِن قَبْلِهِمْ )
النور 55
وهو وعد ونتيجته تحققت لمن اتبع الأنبياء .
(فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ
وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا
إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ) الأعراف 64
(وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ
خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ....) الأعراف 74
أما الآيات التي اشتبه للكثيرين أنها تدل على
أن آدم هو أول الخلق، فهي تفسيرات تستند إلى النصوص التوراتية والأساطير
المتداولة، أضف إلى ذلك أن اللبس جاء نتيجة عدم التمييز في الدلالات المعرفية
للكلمات الواردة في هذه الآيات وسنستعرضها واحدة واحدة، ونتبين من خلال هذا
الاستعراض أماكن الخطأ واللبس ومعاني الآيات اللاحقة في نفس سورة البقرة التي نحن
بصدد تحليلها، وبالله نستعين:
سنستعرض أولا الآيات التي تتعلق بخلق البشر:
-1- (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ
لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ
(28)) الحجر 28
-2- (إِذْ قَالَ رَبُّكَ
لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (71)) ص 71.
-3- (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ
شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (7))
السجدة 7
سنبدأ من الآية الأخيرة والتي تتحدث عن مراحل
تكوين الإنسان بتفصيل ، أولا خلق من طين ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين
(النطفة) ثم سواه ثم نفخ فيه من روحه.
فنفخ الروح جاء بعد أن جعل نسله من سلالة من
ماء مهين أي بعد أن بدأت عملية التزاوج بين الرجل والمرأة وبعد أن سواه، فهناك خلق
ثم تسوية ثم نفخ الروح ، وبين مرحلة التسوية والخلق من الطين هناك مرحلة تحويل
الخلق ليكون عن طريق التزاوج ، إذا الذي تم نفخ الروح فيه وهي مرحلة ما بعد جعل
النسل من سلالة من ماء مهين هو آدم عليه السلام ،
ويؤكد ذلك الآية من سورة فاطر:
( وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ
تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا....) فاطر 11فالترتيب
هنا يأتي بعملية الخلق من نطفة قبل جعل الأزواج ، وآدم وحواء زوج.
النتيجة أن نفخ الروح ، وجعل الأزواج يأتي
ترتيبا بعد أن أصبح النسل من ماء مهين، وآدم هو أول من نفخ فيه الروح، فهو كان من
سلالة من ماء مهين.
والذي أشكل على المفسرين هو كلمة الروح حيث
جعلوها سبب الحياة مع أنها تالية لما بعد التزاوج فماذا تعني إذا كلمة الروح إن لم
تعني نفخ الحياة؟
هذا ما يجيبنا عليه القرآن، حيث يوضح ماهية
الروح على أنها مخلوق من مخلوقات الله مسئولة عن الوحي، وقد ربط أبو القاسم موضوع
الروح بالوحي ولكنه جعله قناة أو علاقة خاصة ولكن الأمر ليس بهذا الشكل تماما بل
الروح جند من جنود الله وهو الحامل للوحي الإلهي:
يقول تعالى (
وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا
الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ .....) الشورى 52 ،
ولا حظ عبارة أوحينا روحا
( رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو
الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ
لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ (15)) غافر15 .....
فإلقاء الروح تكون للإنذار
(يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ
بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا
أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ (2))
النحل 2
الملائكة تتنزل بالروح ليدعى إلى الله وهذه
مهمة الأنبياء .
وأخطأ من اعتبر جبريل عليه السلام ملك بل هو
روح وهو من رؤساء الأرواح فهو روح القدس الأمين
(قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ
مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آَمَنُوا ...) النحل 102
(وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ
الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ
لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (195)) الشعراء
193-195
(قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله
على قلبك...) البقرة 97
إذا جبريل هو الروح الذي تنزل على قلب رسول
الله وليس من الملائكة فهما مختلفان
( يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ
وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ
وَقَالَ صَوَابًا (38)) النبأ 38
(مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ
وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ
لِلْكَافِرِينَ (98)) البقرة 98
فالملائكة شيء والروح شيء آخر وجبريل روح من
الله نزله على قلوب الأنبياء وأيدهم به وهو الذي نفخه في مريم
(إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ
مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ)
النساء171
فعيسى كان نبيا منذ أن كان في بطن أمه وأوحى
إليه الله ما أوحى لذلك كلمه ودعا إلى الله منذ أن كان في المهد، و نفخ الروح في
مريم لم تكن عملية خلق لعيسى أو إيجاد ، بل وحي ، وعملية خلق عيسى بدون أب موضوع
آخر لا علاقة له بنفخ الروح.
نعود إلى موضوع آدم عليه السلام فبعد أن سواه
الله ونفخ فيه من روحه أمر الملائكة بالسجود (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ
فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ) ص 72
وهنا نصل إلى تحليل خطير ودقيق في سورة البقرة يثبت وبشكل دقيق جدا ما سبق وقلناه،
حيث يقول تعالى :
(وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ
كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ
هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (31) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا
إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32) قَالَ يَا
آَدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ
أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ
مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (33) وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ
اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ
الْكَافِرِينَ (34)) البقرة
إذا خطاب آدم مع الله و الملائكة وتعليم
الأسماء جاء قبل السجود ، والسجود في سورة الحجرات وسورة ص جاء عقب نفخ الروح
(ذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ
إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (71) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ
مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (72)) ص
فالروح هنا هو الوحي الذي أوحاه الله لآدم بتعليمه الأسماء فبعد تعليمه الأسماء
أمر الملائكة بالسجود ، فسجود الملائكة لآدم ليس لذاته المخلوقة من طين بل لكونه
خليفة الله (بتعليم الأسماء) ولذلك سجد أخوة يوسف له أما أبواه فلم يسجدا له لأن
أبوه كان نبيا وخليفة مثله بل كان السجود له ولأبويه_(ورفع أبويه على العرش )
ونرجع فنقول أن خلق البشر كان نتيجة سيرورة
التطور في الخلق من ماء وتراب يصبح طين تمر عليه السنون ويتفاعل بمكونات الأرض
والسماء (من صلصال من حمأ مسنون) ثم يجعل نسله من سلالة من ماء مهين ثم تسوية ثم
جعله خليفة، وسيرورة التطور قررها القرآن
(مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ
وَقَارًا (13) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (14)) نوح 13-14
( يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا
غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7) فِي
أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (8) ) الانفطار
(إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ
وَنُوحًا وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (33)) آل
عمران 33
فآدم ولد من أبوين واصطفاه الله من بين
مجموعة من البشر بعد أن سواهم
والأبحاث الجيولوجية تثبت أن الإنسان كان
مختلفا في الشكل تقريبا عن الإنسان الموجود حاليا حيث كان رأسه كبيرا ومنحني الظهر
وذو أطراف كبيرة، وهذا الإنسان كان موجودا على الأرض قبل التسوية والاستخلاف.
وللأسف فإن الإنسان عندما لا يقوم بأعباء
الخلافة والعمل فيما هو مستخلف فيه يصبح بشرا بلا روح ، يخلد إلى الأرض وينكفئ على
ذاته فيشيع الفساد والبغضاء وسفك الدماء.
الأمر الثاني أنه لو تتبعنا في القرآن مفهوم
الأسماء لوجدنا أنها تتعلق بالدور والفعل الذي يحمله هذا الاسم (كما أوضح الأستاذ
أبو القاسم طرفا من هذا الموضوع في كتابه العالمية الإسلامية الثانية).
يقول تعالى (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ
الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا) الأعراف 180
فالأسماء الحسنى: الحي القيوم مالك الملك
الجبار المنتقم إلخ ، تحمل في مضمونها دور وقوة الفعل الذي يحمله المسمى.
ويقول تعالى على لسان عيسى (وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ
أَحْمَدُ) الصف 6
وأحمد صيغة مبالغة من الحمد فمحمد هو النبي
الأحمد.
لذلك كان التحدي الإلهي لمن جعل له شركاء بأن
يسموهم (أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا
كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا
لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ
لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ
اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (33))
الرعد 33
فأن يسبق الطلب الإلهي بأن يسموهم قول الله
تعالى (أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت)
فهنا يطرح الله دوره في سياق السورة ويطلب
منهم أن يوضحوا دور شركائهم، لذلك كان التوبيخ الإلهي بقوله (أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ
وَآَبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي
مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (71)) الأعراف 71
أي هي مجرد أسماء لا تحمل دورا أو فعلا. ومن
هنا نتفهم تسميتنا بالمسلمين
بقوله تعالى (وَمَا
جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ
سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ ..) الحج 78
فالمسلمون بحكم اسمهم الذي أنزل الله به
سلطان لهم دور عليهم أن يتفهموه من خلال الإطار القرآني .
فالنتيجة أن هذه الأسماء التي تعلمها آدم
تتعلق بالرسالة و القيام بمنهج الحق مقابل منهج الباطل وليست الأسماء التي انتحلها
مفسرونا من الأساطير التوراتية حيث قالوا انها أسماء البعوضة والحمار والبغل
.....الخ ، هذه الأسماء هي الأدوار التي جعلها الله في هذه الأشياء التي عرضها على
آدم .
فالإنسان له دور إما يهودي أو مجوسي أو
نصراني أو ... أو . والذكر له دور كأب أو ابن أو ابنة أو زوج، هذا في تركيبة
المجتمع الذي ينسجم مع الإرادة الإلهية ومنهج الحق، وليس للأنثى في منهج الحق دور
كصديقة أو عشيقة أو خليلة، فهذا الدور يقوم بدور مضاد لمنهجية الحق، لا ينتج عنه
إلا فساد وأزمات تشوه الإنسان،
إذا لكل اسم دور يحمله ويتصف به ومن الأمثلة
أيضا العلاقة بين الرجل والمرأة تسمى زنا إذا كانت ضمن إطار الباطل وتسمى نكاح أو
زواج ضمن إطار المنهج الإلهي الاستخلافي،مع أن الفعل واحد، والعلاقة المالية بين
طرفين تسمى بيعا وتجارة في منهج الحق وتسمى ربا ضمن إطار الباطل القائم على
الاستغلال ،فهذه أسماء ترتبط بأدوار قائمة على منهج متكامل مركب كالنكاح يقوم في
إطار منهج الحق على قاعدة أن الزوجين من نفس واحدة، وبينهما علاقة تقوم على المودة
والرحمة والمعاشرة بالمعروف والحقوق المتكافئة، المبنية على التكامل المؤسس على
التمايز في الخصائص ، وباتجاه غاية ومقصد هو الكيان الأسري القائم على حرمة إلهية،
والمشكل لبنيان المجتمع الاستخلافي ، ومن هنا تكون تشريعات التحريم الإلهية في
المجتمع مؤسسة على هذه المنظومة.
وتلخيصا لما سبق فقد ربط الله بين الوحي وبين
مفهوم الاستخلاف المستوي على خصائص الجعل المودعة في الظواهر الكونية، وربط من
ناحية أخرى بين الوحي وبين تعليم الأسماء ، فهناك علاقة وثيقة بين الاستخلاف
وتعليم الأسماء والعبودية والجعل، وقد عالجت بعضا من جوانب هذه المفاهيم سابقا ،
وكما أشرت في السابق إلى أن الكلمة في القرآن كالعنصر في التفاعلات الكيميائية
يؤدي إلى تراكيب لا متناهية، فيمكننا هنا أن نتوسع في مفهوم الاستخلاف و تحققاته
في الواقع بعد ربطه بموضوع تعليم الأسماء، وبالتالي يضاف رابط جديد إلى الاستخلاف
، ومن البديهي أن الأسماء مرتبطة بمفاهيم أخرى ويتعلق بها موضوعات مختلفة ، وهذه
الموضوعات تصبح مرتبطة بشكل غير مباشر بمفهوم الاستخلاف، هذا ما عنيته بقولي أن
القرآن ذو بنية نسيجية مولدة لمعاني الكلمات، وأن الكلمة في القرآن كالعنصر
الكيميائي ذات خصائص ثابتة تعطي من تموضعها في القرآن وجملة العلاقات التي تربطها
مع باقي الكلمات داخل البنية القرآنية موضوعات ذات دلالات وآفاق واسعة جدا ، وهذا
التوسع رهن بالقارئ وقدرته على التفكيك والتحليل ثم الربط والتركيب.
إذا الخلافة تستند إلى ثلاثة مرتكزات:
-العبودية المفضية إلى التقوى من خلال قاعدة
التسخير الإلهي المتحققة بقوة الجعل الإلهي والتي شرحناها سابقا
-الأسماء والدور الوظيفي الذي تحمله والمكتسب
من وضعها في السياق الاجتماعي
-وعدم سفك الدماء والإفساد في الأرض بدعوى
إقامة الحق وترك حرية الاختيار للإنسان
وهنا نعود للأحاديث النبوية التي تتحدث عن
الخلافة ونطرح هذا السؤال المهم:
هل مدلولات الكلمات في الأحاديث المنسوبة
للنبي تحمل نفس العائد المعرفي لكلمات القرآن ؟
فإذا كان الجواب نعم وهذا ما أجزم به حيث أن
المصطفى صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى ، فكيف نتناول مثل هذه الأحاديث؟
فهنا أمر خطير ودقيق يمارسه القرآن الكريم في نقد متون الأحاديث النبوية، حيث أن
الخلافة تحمل مدلول السلطان والملك في موروثنا الثقافي ، فهل يستوي هذا مع المدلول
القرآني؟؟؟
وبالتالي يتم تحديد الموقف من قبل الأحاديث
المفارقة للعائد المعرفي في القرآن،
على سبيل المثال حديث (إذا بويع لخليفتين
فاقتلوا الآخر منهما) فان الحديث يحدد معنى الخلافة بالقوة والسلطان والملك ويجعل
من السيف حاكما على تحديد الخليفة، وهذا المعنى مفارق للعائد المعرفي لمعنى
الخلافة في القرآن والنبي كما قلنا لا ينطق عن الهوى ، حيث أنه والقرآن صنوان لا
ينطق أحدهما بما يخالف الآخر، وبالتالي نرفض هذا الحديث دون الالتفات الى السند
مهما بلغت وثوقية رجاله
كلمة زنا لاتعني علاقة زوجية .انا ملائكة هيا اعضاء جسم وادم هم جميع بشر وكلمة انسان وبشر تختلف وشيطان فينا ومل شيء فينا تدبرك لم اقتنع به والله اعلم استاذ
ردحذف