ماهية القرءان .. الجزء الثانى
الأدوات التحليلية للقرآن:
بداية لابد من تقعيد بعض الكليات العامة والمحددات المنهجية والتي توجه زوايا الرؤية داخل القرآن الكريم، ولا أستحضر هذه المحددات من خارج القرآن وإنما ألزمت نفسي بداية أن انطلق من داخل القرآن نفسه ، فلا مجال هنا للإسقاطات النفسية والتأويلية وإنما ندخل إلى هذا الكتاب العظيم بجملة المعارف والعلوم العصرية ، فعلينا أن نستجمع الأدوات المعرفية
ولكن لا نقف عندها .
أولا- لا نقر بالكفاية التحليلية لأي منهج من
مناهج علوم اللغة أو علوم النفس والاجتماع وغيرها لسبب هام ورئيسي وهو أن ماهية
النص القرآني من حيث أنه يمثل حقيقة الخلق الإلهي للإنسان والكون ، فهو ليس تصورا
للكون والإنسان بل التصوير الإلهي لحقيقة الإنسان والوجود بشكل خطاب، وبعبارة
فلسفية تشيؤ الخلق الكوني والإنساني بشكل نص لغوي سماه الله قرآنا، لذلك لا يمكن
لأداة معرفية واحدة أن تفسر القرآن كما لا يمكن لأداة علمية أو معرفية واحدة أن
تفسر الوجود.
فتفسير القرآن هو تفسير للإنسان والوجود فهل
تستطيع أداة معرفية واحدة أن تفسر الإنسان فضلا عن تمكنها من تفسير ما هو أكبر
خلقا -الكون-؟
من هذا المنطلق أتحدث عن استيعاب هذه العلوم
وتجاوزها والربط بينها، لأن محاولة تطبيق أدوات معرفية معينة على النص القرآني
تسلب النص القرآني أبعاده و إطلاقيته، لذلك لا بد من تضافر مناهج علمية شتى لتفسير
وفهم النص القرآني.
فإذا أتينا إلى محاولات قراءة النصوص وفهم
الكون نجد أن مناهج المعرفة تتداخل وتتشابك فيما بينها لذلك انبثقت رؤى جديدة
متمثلة بالبينمناهجية وتعددية المناهج والعبر مناهجية، فموضوع كالليبرالية مثلا لا
يمكن دراسته من زاوية واحدة بل لا بد من تضافر عدة مناهج وعدة معارف لدراسته كعلم
النفس والاقتصاد وعلم الاجتماع الخ كذلك هناك نقل الطرائق بين المناهج كنقل طرائق
الرياضيات إلى الفيزياء فتشكل علم جديد يسمى الفيزياء الرياضية، أما العبر مناهجية
فإنها تعنى بدراسة الدينامية المتولدة بفعل عدة مستويات للواقع وهي تتعدى
المناهجية وغائيتها و تغتذي منها وتتكامل معها لقد فرضت تطورات العلوم و تعدد
المناهج رؤية إبستمولوجية جديدة والأمر أرجعه في رأيي إلى العمق العلمي الذي وصلت
إليه البشرية إلى حد أصبحت فيه اللغة الكلاسية للمعرفة غير قادرة على تفسير الوجود
وهذا يعود إلى: تركيبة الكون المعقدة والمتشابكة.
(راجع العبر مناهجية لبسراب نيكولسكو)
لذلك نفهم انتقال شتراوس من كونه فيلسوفا إلى
الأنثروبولوجيا ثم عودته فيلسوفا، ونتفهم تأثره بالصرامة العلمية التي تتميز بها
الألسنية بعد التقاءه بجاكوبسون،
ثم تخليه عن بعض هذه الصرامة العلمية في
السبعينيات واعترافه بذلك في مجلده الثاني من (الأنثروبولوجيا البنيوية) حتى ليخيل
للبعض أنه يتقارب مع ما بعد البنيوي ،كذلك نتفهم تطبيق ليفي شتراوس للمناهج
الألسنية على الأنثروبولوجيا) ونتفهم انتقادات دريدا وفوكو، وتطورات العلوم نفسها،
والتقائها بغيرها وتلاقحها وخروج ما بعد الحداثة من رحم الحداثة والنقد الداخلي
لها).
كل هذه الظواهر إنما تبين وبشكل واضح وصارخ
عدم تمكن أداة معرفية محددة من امتلاكها الكفاية التفسيرية والتحليلية لفهم ظاهرة
ما
القرآن والكون:
القرآن الكريم كتاب مركب بتركيب متماثل مع
تركيب الكون ولو لم يكن بناءه مماثلا للبناء الكوني لما كان يمكن أن يحتويه .
البناء الكوني معقد في تركيبه وفي العلاقات
التي تربط بين مختلف ظواهره، فهناك نسيج متشابك ودقيق وقراءة ظواهره بمعزل عن
بعضها وبشكل مجزأ يعطي رؤية مغلوطة وخاطئة تؤدي في نهاياتها إلى تفكيك الإنسان
معرفيا ونفسيا وأخلاقيا وبالتالي تفكيك المجتمعات بحكم أن الإنسان مخلوق من رحم
هذا الكون، وهذا ما وصلت إليه البشرية وما تحصده اليوم .
وكذلك قراءة القرآن بشكل مجزأ تؤدي في
نهايتها أيضا إلى انفلات ضوابط الفهم القرآني ، وشيوع الفهوم المختلفة والمتباينة،
والتي تستطيع أن تشرع لأي منهج أو حزب أو طائفة، القراءة القرآنية المجزأة تحمل في
طياتها بذور الفتنة والصراع، فإما أن ينخرط الإنسان المسلم في هذه الصراعات أو
ينحصر إسلامه في المسجد، أو يجد حلا توفيقيا بين ذلك، مما يجعله عاجزا عن الفعل
الحضاري.
فالعلاقة بين الإنسان والقرآن والكون علاقة
متداخلة ومتشابكة وأي خلل في قراءة القرآن أو الكون سترتد على الإنسان بشكل مأساوي
وللقارئ أن يتساءل من أين أتيت بهذا التصور ، وسأجيب على هذا التساؤل من داخل
القرآن والله الموفق:
مفهوم الكتاب
يقول تعالى (ذَلِكَ
الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2)) البقرة 1-
(ذا)
اسم إشارة للبعيد وليس المقصود به هنا القرآن
فقد جاءت كلمة كتاب في مواضع عديدة :
(وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا
عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي
كِتَابٍ مُبِينٍ (6)) هود-6
(طس تِلْكَ آَيَاتُ
الْقُرْآَنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ (1) ) النمل-1
(الر تِلْكَ آَيَاتُ
الْكِتَابِ وَقُرْآَنٍ مُبِينٍ (1)) الحجر-1
إذا الآية تشير إلى أن الكتاب غير القرآن ،
وأن الكتاب متضمن لآيات، كما أن القرآن في الآية التي قبلها متضمن لآيات فهناك
الآيات الموجودة في القرآن والآيات الموجودة في الكون (سنريهم آياتنا في الآفاق
وفي أنفسهم ) .
ولو كان الكتاب هو اللوح المحفوظ لما وصفه
الله بالمبين لأن المبين هو الذي يقوم بالتوضيح، واللوح المحفوظ أمر غيبي تماما لا
اطلاع لنا عليه ، فكيف يكون مبينا.
فالكتاب هنا هو الكون بما فيه من جملة
القوانين والنظم المودعة فيه بقوة الخلق الإلهي
والكتاب (الكون ) يبين القرآن كما في الآية الأولى
، والقرآن يبين الكتاب(الكون) كما في الآية الثانية
و يقول تعالى :
( وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي
السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (75)) النمل-75
(لَا يَعْزُبُ عَنْهُ
مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ
ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (3)) سبأ-3
(وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ
الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ
وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ
الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (59))(
الأنعام-59)
(مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ
فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ
نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22)) (الحديد-22)
قد ضلت الأفهام وأخطأت في تفسير هذه الآيات
على أن الكتاب هو كتاب موجود في السماء مكتوب فيه ما سيحصل في المستقبل مما يؤدي
إلى جبرية صارمة لا انفكاك عنها تسلب الإنسان حريته وتسلب فاعليته في الوجود، وحتى
المدارس التي تؤكد على حرية ومسؤولية الإنسان لم تستطع أن توفق بين هذه الآيات
والآيات التي تتحدث عن مسؤولية الإنسان عن أفعاله،
وبناء على المنهج الذي اتبعناه بعدم إسقاط
فهومنا السابقة على القرآن وانطلاقنا من القرآن على أنه منهج مضبوط بدقة على مستوى
الكلمة والحرف ،
(كما يقول الأستاذ الفيلسوف أبو القاسم حاج
حمد)
فحسب المعنى المذكور سابقا للكتاب وبتوسيع
هذا المفهوم فإن الكتاب هو الكون بجملة القوانين والنظم التي تحكم التفاعلات
الكونية المتمظهرة والمتشيئة في عالم الشهادة من أصغر من مثقال ذرة إلى أكبر منها
ومما هو ظاهر في السماء والأرض وإلى ما هو غائب.
ويتوضح هذا المعنى في الآية التي تذكر
المصيبة :
( مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ
فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ
نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22)) الحديد - 22
فالمصيبة نتاج لحركة الإنسان في الكون بشكل
مناقض لغائية الخلق والقوانين الكونية (وما أصابكم من مصيبة فمن أنفسكم) فالكتاب
الذي فيه هذه المصيبة من قبل أن تبرأ هو الكون بقوانينه المودعة فيه وبعبارة أخرى
-المصيبة نتيجة عمل يحكمه قانون، و سنتوسع في
مفاهيم القدر والجبرية والحرية لاحقا بإذن الله.
وبالتالي فإن كل يابس ورطب وكل حبة وتعدادها
ووقت نباتها و سقوطها محكوم بقوانين كونية لا صدفة فيها ولا عبثية
( وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ
الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ
وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ
الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (59)(
الأنعام-59))
فكما أننا لا نقبل بمبدأ الصدفة بوجود كوكب
في الكون وبتعداد النجوم أو بانفجارها وموتها فكذلك لا نقبل بهذه الصدفة على حبات
رمل المحيط أيضا و عدد أوراق الشجر ويبوسها أو رطوبتها، وقد جاء الله بكلمتي رطب
ويابس ليلفت نظرنا إلى ذلك فاليبوسة والرطوبة هما ظاهرتين ناتجتين عن العوامل
المحيطة من مناخ و تربة وغيره أي ان الرطوبة واليبوسة محكومة بقوانين.
ولكن إدراك هذه القوانين بشكل كامل صعب لذلك
فمن الصعب أن نحيط بعلم كل شيء من حياة وموت للكائنات ونتاجات الطبيعة، وسيبقى
الإنسان في سعي دائم لمعرفة قوانين الوجود وحركته(الكتاب المبين)
ويتوسع معنى الكتاب بشكل أكبر عندما يشار فيه
إلى القرآن الكريم أو الكتب السابقة( وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ
اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ ) البقرة 89) .
هنا نصل إلى المعنى الأشمل للكتاب وهو الأمر
الإلهي المتشيء في المادة عبر الزمن أو هو المادة المحتوية للمطلق:
فالقرآن هو الأمر والإرادة الإلهية المتشيئة
بشكل حروف وكلمات في آيات منظومة بسور،
وكذلك الكون هو الأمر والإرادة الإلهية
المتشيئة في المادة والمتمظهرة في قوانين الطبيعة .
(استلهم هنا تقريرات أبو القاسم في كتابه
العالمية)
فكلاهما الكون والقرآن صادران عن الله
ومتشيئان:
القرآن متشيء بشكل حروف و كلمات مضبوطة بدقة
لا تقبل التبديل أو التحريف وإلا فسد المنهج القرآني برمته.
والكون صادر عن الله ومتشيء بشكل قوانين ونظم
مضبوطة لا تقبل أدنى خلل وإلا فسدت السماوات والأرض فأي نقص أو زيادة بكثافة الجو
أو الضغط تؤدي إلى انتهاء الحياة برمتها.
ولذلك وصف الله الكتاب بأنه (لا ريب فيه)
هنا نصل الى نتيجة وهي أن العائد المعرفي
للمفردة في القرءان هو الكون.
وكلاهما القرآن والكون يفسران بعضهما، فهما
حلقتان متكاملتان :
(تلك آيات الكتاب وقرءان مبين) الكون
والقرءان المبين ( تلك آيات القرءان وكتاب مبين) القرءان والكون المبين،
الأصل الذي أوحيت منه مادة القرءان هو الكون،
لذلك يبقى النص القرءاني نصا مغلقا ضيقا ما لم ينفتح القارئ على المعرفة والعلم
واستيعاب النماذج المعرفية و فهم حركة التاريخ والأنساق الحضارية والثقافية
المتنوعة
تعليقات
إرسال تعليق