الضحك والكهنوت
الرئيس: ألا
ترى أنّي أتوضأ للصلاة.
الوزير الأول
يرافق الرئيس بعد أن أطال الانتظار وأنهى الرئيس غسله، وقبل دخولهما لغرفة الاجتماع
مع مفاوضي البنك الدولي رأى أنّ الرئيس لم ينزل عطف سرواله في أسفله بعد إنهاء
وضوءه فقال: سيدي الرئيس لو تنزل سروالك
الرئيس: هل
نحن مدانون كثيرا.
"لا يبحث
عن تحليل فلسفي للضحك إلاّ إنسان تعيس"، هكذا كتب فولتير ليعبر عن طبيعتنا
الإنسانية الذاتية وأنّ تساؤلا من هذا القبيل عن الضحك يعني أنّنا لم نفهم بعد أنّ
حاجتنا إليه هي بمثابة حاجتنا للطعام. وفي هذا الموضوع لن نحاول تحليل ظاهرة الضحك
لكن سنحاول تتبع مواقف كهنوت المجتمع "المسيحي" في القرون الوسطى تُجاه
ظاهرة الضحك لنرى حجم تأثير الأفكار على مجتمع من مؤسسة منظمّة.
إنّ الضحك
موضوع جدّي للغاية فهو ظاهرة تستدعي تفكير عميق بل إنّ بحثه كظاهرة ينبغي أن يحوي
فوق تحليله نفسيا تطوره التاريخي في مجتمع ما، فالضحك ظاهرة ثقافية أولاّ وأخيرا
إذ الأمم لا تضحك بنفس الطريقة ولا تضحك من نفس المواضيع وأغلب مواضيع ضحك الأمم
مشفرّة بثقافتها الخاصة وكثيرا ما يحكي الفرد نكتة أمام أجانب وبدل مجيء الضحك
منهم تشيع برودة شديدة نظرا لتباين الثقافات.
الضحك ظاهرة اجتماعيه
فضحك الأجيال السالفة ليس ضحكنا ومواضيع ضحكهم ليست مواضيعنا، ولا يمكن لظاهرة
الضحك أن تنشأ إلاّ بوجود ثلاثة أطراف، من يُضحك ومن يَضحك والّذي يُضحك منه وتكفي
هذه العبارة لجعل الضحك ظاهرة اجتماعيه بامتياز. فالمجتمع في تطوّره يؤسس لقوانين
الضحك لا شعوريا ويؤسس لحدود وطابوهات المواضيع التي يُضحك منها ويؤسس شبه طقوس للضحك.
وقد يُوجد أفراد بلغوا حدّا من العبوس والتعاسة والحزن والهم الدائم يجعلهم لا
يضحكون لكن لا يوجد مجتمعات لا تضحك، فالضحك ينبوع للسعادة واللّذة وطاقة إفراغ
كبيرة للهموم ووصلة فعّالة للتعارف مع الأخر.
و علينا أن
ننتبه لقضية ذات أهمية قصوى في ظاهرة الضحك و هي قلّة الضحك باللغات المعقدّة أي
ما يسمى باللغة الفصحى ، فالشعوب تضحك غالبا بلهجاتها و بتعابير خارجة عن إطار
القواعد الصرفية و النحوية و البلاغية و هذه النقطة هي ما جعلت دراسة الضحك كظاهرة
إنسانية صعبة جدّا إذ لا يمكن الانفلات من الإطار الثقافي المجتمعي للضحك، و
يمكنني أن أغامر هنا لأقول أنّ الضحك هو هوّية مجتمع ما و التحكم في فن ضحك مجتمع
معين هو ولوج لهوّية هذا المجتمع العميقة و أكبر من هذا فالضحك سلاح خطير جدّا في
أيدي المصلحين و سلاح فعّال جدّا لإحداث الفصل بين الشعوب و الكهنوت، فمجال محاربة
الكهنة يأتي بسلاح إضحاك الأخر بتمرير أفكار قاتلة بلغة لا يحسنها الكهنوت و لا
يتقنها و يستحيل أن يُغامر فيها.
"هل سبق
للرّب المسيح أن ضحك؟"
إنّ هذا
السؤال يُشبه إلى حد بعيد أسئلة سلفية بلداننا الحاليين حين يسألون كيف دخل النبي
الكريم محمد للمرحاض و كيف عاشر زوجه و كيف لبس ثوبه و أي ثوب لبس ماذا قال حين
شربه للماء و أكله للطعام و هل قص شاربه و أسدل ثوبه و أعفى لحيته و هل نتف شعر
إبطه و كيف نام و كم .... الخ
فالأزمة هي
نفسها والمنطق هو نفسه في إغفال دراسة الرسالة معرفيا والاكتفاء بالاتكاء عليها
لتبرير ممارسات لحظية أملتها الظروف، فمشكلة كهنوت "المسيحية" هي نفسها
مشكلة فقهاء "الإسلام" ألا وهي تفشي كتابات الحكماء الإغريق وخاصة منهم
أرسطو. فالمجتمع الأرسطي المسيحي اكتشف كتابات أرسطو المعلّم من فلاسفة و مترجمي
الإمبراطورية الجزيرية الناشئة و في مقولات أرسطو أنّ "الضحك هو خاصية
الإنسان وحده و لا يملكها غيره" و مثل هذا الكلام قتل للرهبنة و التقشف بل و
زرع لبذور انتقاد الكنيسة بطرق خفيّة و لا يمكن للكنسية و لا أتباعها قبوله خاصة
منهم من يتنبأ بإرهاصات تحرر الإنسان بضحكه من قبضة الكنيسة و قد أتى كلام الكنيسة
و التابعين لها على مراحل متعاقبة من منع كلّي للضحك إلى تقنينه الشديد و هذا
التنظير ليس محاولة لمنع الضحك إذ هذا مُحال بل هو تنظير لاستعمال هذا المنع قانونا
ملزما في حال حدوث المحظور ، و قد أوضح هذه الصورة Umberto Eco
في روايته الرائعة "بإسم الزهرة" و ما نلاحظه هو أنّ هذا المنع النظري
لم يأت فقط من الممثل الكهنوتي الأول أقصد الكنيسة الكاثوليكية بل إنّ كل الفرق
المتصارعة مع هذه الكنيسة وافقت هذا المنع بل و أكدّت عليه و ليس هناك فرقة
"مسيحية" واحدة أمكنت للضحك أن يأخذ قسطا من الإيجابية في تنظيرها. مثل
هذا الإجماع يدلّنا على مسلّمة تناقلتها الأجيال "المسيحية" من زمن
متقدّم جدّا. ولعلّ دخول الثقافة الهياينية إلى الأوساط المسيحية بقوّة في القرون
الوسطى جعل الكنيسة تنتقل تحت وطأة الفكر الجديد من المنع التام إلى التقنين الضحك
في حدود القرن الثاني عشر الميلادي بين قائمة للضحك الممنوع والمسموح بتفصيل يشبه
كتب الفقه الكهنوتية في كل وقت. ولعلّ مثال "القدّيس" لويس في محاولته
تقنين ضحك الملك أفلحت في إعلان الملك ألا يضحك يوم الجمعة
لن نستغرب موقف الكنيسة من الضحك فالضحك يعبر بالجسم وفي الجسم والكل يعلم نظرة الكنيسة إلى الجسم كعنوان للخطيئة وتكفينا هذه العبارة للقدّيس
Gregoire le
Grand
"الجسد
أقذر لباس للروح"
فالضحك والكسل
هما أكبر أعداء "المتدين" المسيحي، ونجد في الكتابات المتقدّمة لرجال
الكنيسة من أمثال القدّيس Benoit استهجانا
للضحك واعتباره مناقضا للتواضع المفروض على "المسيحي"، ونجد في الدوريات
التي واظبت الكنيسة على نشرها "قاعدة المعلّم" بين القرن الخامس والقرن
التاسع الميلادي استمرار للسير على خطوات الأقدمين في استهجان الضحك بل نرى اجتهادا
عبقريا في محاولة شرح منع الرّب للضحك في جعله الفم والأسنان حاجزا.
ولمن يجعل من
الطرح الفكري عملية ترف ننبّه أنّ الطرح الفكري يمكنه إن كسب شرعية معينّة أن يمنع
النّاس من أدنى حقوقهم الإنسانية ونرى في نجاح الكنيسة على منع الضحك أكبر شهادة. ولا
شك أنّ الكنيسة ادعت فيما طرحته من فكر التزامها بالتوراة والإنجيل وتظهر هنا
مشكلة الكنيسة في تملصها من التوراة أو ما أسمته "عهدا قديما" فكل دارس
يعلم أن الضحك باللسان التوراتي له لفظين أحدهما " سحق" وهو ضحك مقبول ومنه
اسم النبي الكريم إسحاق "الضحوك" وأجدني مضطرا لإيراد بلاغ قرءاني لربط اسم
إسحاق بضحك أمّه من إمكان حملها في سن متقدّمة:
"وَامْرَأَتُهُ
قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَقَ وَمِن وَرَاء إِسْحَقَ يَعْقُوبَ
" هود :71
هذا الضحك هو
مسّمى إسحاق تحول من ضحك لتعبير عن الاستحالة إلى ضحوك تعبير عن القدرة وأنّبه أن
كثير من الأسلاف مولع بتهوين أسماء الأنبياء، فلفظ اللواط هدية كهنوتية للنبي
الكريم لوط والسحاق هديّة للنبي الكريم إسحاق منهم تعبيرا عن الحب ربّما. ولنعد
للموضوع.
إنّ الكنيسة
في مرحلة قوّتها حاولت وإلى الأن تحاول تقنين كل حركات الإنسان والتحكم فيها ولا
ترضى بخروج أي ظاهرة إنسانية عن سلطتها. فهي تقعدّ لكل شيء في حياة الإنسان شأن
كهنوت قوم النبي الكريم محمد عندما يروي على لسان الصحابي "الوهمي" سلمان:
"عن
سلمان قال
قال لنا
المشركون إني أرى صاحبكم يعلمكم حتى يعلمكم الخراءة فقال أجل إنه نهانا أن يستنجي
أحدنا بيمينه أو يستقبل القبلة ونهى عن الروث والعظام وقال لا يستنجي أحدكم بدون
ثلاثة أحجار"
"صحيح"
مسلم: كتاب الطهارة
فما يسمى
فقهاء الكنيسة في القرون الوسطى
Les Scolastiques
كتبوا الكثير
حول :
ـ من الذي
يمكنه الضحك ؟
ـ ما هو الضحك
الجائز ؟
ـ متى ؟ و كيف
؟
و الذي لا شك
فيه أن الكنيسة كان له دور الأسد في نشر التعاسة و الحزن المصطنع في القرون الوسطى
و نرى تحرر النّاس من سطوتها تفجيرا للضحك و إنتشار للأدب الكوميدي بشكل كبير في
عصر ما سمي بعصر النهضة. و لنبدأ من البداية.
أول نص
"مسيحي" وصلنا عن قواعد الضحك وصلنا من الكاتب
Clement
الإسكندري (توفي سنّة 215) في كتابه "المرّبي" إذ اعتبر فيه الضحك من
ضمن الأفعال المخلّة بالإنسان و مروءته و علامة للإنحطاط الأخلاقي :
القديس BATILLE
في كتابه "القواعد الصغرى و القواعد الكبرى" الذي ألفه سنة 358 ميلادية.
هذا القدّيس هو أول من قدّم سببا لتحريم الضحك :
من كتاب
"القواعد الكبرى"
إنّ هذا
الفقيه يستند في رأيه على فقرات من الإنجيل و حتّى فقرات من "العهد
القديم" :
الأمثال 10:19
لوقا 24:6
رسالة بولس
شاؤول لأهل أفسس 5:3 ـ 4
إنّ التنظير
ينبغي أن لا ينسينا الواقع فغياب الضحك نهائيا من المجتمع مستحيل و غيابه حتّى في
المعابد و الراهب مستحيل و هذا التنظير هو أساس الكهنوت في فصل الواقع عن الخطاب
حتّى يستحيل الحكم عليه و حقيقته الثانية التعامل مع النصوص بإنتقائية توظيفا لها
في كل مرحلة بما يخدمه بل إنّ كهنوتنا أعلن و بكل صراحة أنّ بعض ءايات القرءان
عاطلة معطلّة سمّاها منسوخة . و لنعد للموضوع.
"إن فاجأ
الجمع أو أحدكم فردا يضحك أو يمزح كما قال بولس ـ بل بالحري الشكر ـ ، يُجلده
أسبوعين بإسم ربنّا المسيح ليعود لتواضعه"
و النصوص
المسيحية القديمة كثيرة في تحريم الضحك و حصره إلى أقصى الحدود خاصة في المعابد
فالمسيحي المثالي هو الذي لا يغضب و لا يضحك و لا يحزن على متاع الدنيا و يتواضع
لكل النّاس بل إنّ بعض المعابد الرهبانية أسست عقابا بالصوم إمتناعا عن الطعام لمن
أُبصر ضاحكا أو مازحا.
تعليقات
إرسال تعليق