رابعا ألفاظ القرءان مفاهيم
لعلّ هذه القاعدة هي أساس المنهج كلّه إذ تركزت القواعد السابقة على الأسس السلبية في التعامل مع القرءان لتمييز القرءان العربي عن غيره من ألسنة البشر الأعجمية و لإنتزاع الحواجز التي أعاقت الدخول إليه أولاّ قبل دراسة فحواه و كان أهمّها في تاريخنا نشوء الوحي الموازي للقرءان و طغيان أقاويل الكهنوت عليه دون منهج واضح لفهم ألفاظه.
هذه الحواجز أثرت على قراءته و الدخول في نًصه و فهم خطابه أمّا هذه القاعدة فهدفها وضع أساس لضبط ألفاظ القرءان.
و قبل الدخول في لب الموضوع أرى من الضروري التمهيد له بمجوعة من التصورات الضرورية ستعيننا فيما بعد و سأبدأ بهذا المثال.
لو كتب أحد الكتاب في مقال جديد :
"دخلت بالأمس إلى ألسحك و اشتريت خضارا"
كيف سيفهم القراء لفظ "ألسحك" و هو ليس متداولا و شائعا إستعماله في الكتابات وغير معروف في أوساط المتكلمين. لا شك أنّ بعض القراء سيفهم أن ألسحك هو "السوق" مكان بيع الخضار، و بعضهم سيفهم أنّها معرض في الأنترنت للمواد الغذائية يتم فهي بيع الخضار و بعضهم يفهم أنّها حقل مزارعين تُباع فيه الخضار و المشتري هو من يقطف ما يريده...الخ.
تحديد اللفظ السابق يخضع للموقع التاريخي الذي نحن فيه فالأنترنت لم يكن معروفا سابقا و يخضع تحديد الدلالة كذلك في فهمنا لسياق الجملة و موقع اللفظ فيها و إرتباطها العضوي بالألفاظ الأخرى، فـ "ألحسك" مرتبط بالألفاظ التالية إرتباطا عضويا :
دخلت
اشتريت
خضار
إلى،و ، بـ
الأمس
ما هو "ألحسك" و كيف سنضبط دليله ؟
لا شك أنّ الناس ستبحث في المعاجم القديمة و الحديثة لترى إستعمال هذا اللفظ في العبارات و محاولات إستخراج دليل اللفظ من تعدد إستعماله و هذا ما يسمّى طريقة "المشترك اللفظي" و هي ما استعملته في البحوث السابقة لإستخراج دليل بعض الألفاظ. ولا شك أنّ هذه الطريقة غير مضبوطة و لا منهجية إذ هي تعتبر أنّ باقي الألفاظ مضبوطة الدلالة ويبقى فقط تحديد دلالة لفظ "ألحسك".
ففي المثال السابق اعتبرنا أنّ الألفاظ :
دخلت
و، بـ ، إلى
الأمس
اشتريت
خضارا
اعتبرناها ألفاظ معلومة الدلالة مضبوطة المعنى و اعتبرنا أنّ قوى الفعل فيها مضبوطة، فالخضار كما يُقال "مفعولا به" فهو إذن على "النصب" وهو الذي وقع عليه الشراء و الأمس وقت ذهابي بحكم جرّه و ألحسك هو مكان الشراء لمجيئه "مجرورا" بعد أداة "إلى".
إنّنا نعمل و من دون شعور في إستخراج دلالة اللفظ كما يعمل الرياضي حينما يتعامل مع معادلة من مجهول واحد و لا يمكنه أن يحل معادلة من مجهولين إلاّ بمعادلة ثانية مستقلة عن الأولى تحمل نفس المجهولين.
و هنا المشكلة الأساسية، إذ إفتراض معرفة دليل الألفاظ الأخرى هو ما يجعلنا نغامر في تعيين دليل لفظ معين بالمشترك اللفظي، و هذا بذاته مشكلة كبرى في فهم ألفاظ القرءان، إذ من قرّر أنّ دليل هذا اللفظ معروف و محدد الدلالة؟
دعوى أن دليل لفظ "اشتريت" محدد الدلالة دعوى غير مؤسسة إذ دليل اللفظ نفسه عُرف بالمشترك اللفظي و سنبقى في حلقة دورية لا مخرج منها، و سنبقى في معادلة تحمل عددا كبيرا من المجاهيل يستحيل حلّها. فهل لفظ "اشتريت" هو من يعين على تحديد دليل لفظ "حسك" أم أنّ "حسك" هو من يعين في تحديد لفظ "اشتريت" أمّا أنّ لفظ "الأمس" هو من سيعيننا لتحديد دلالة لفظ "اشتريت" و "حسك"؟
إنّ إعتبار ألفاظ القرءان تتبع لغة شعراء قوم النبي و نثرهم قول لا دليل عليه و إن اشترك اللسانان في الحروف و قد سبق تفصيله في الأجزاء السابقة فكيف سنحدد دليل الألفاظ لننتقل إلى تحديد معنى الآيات إلى معرفة موضوع السورة.
إنّنا سننطلق بالقلم Elimination في تحديد دليل الألفاظ بالمشترك اللفظي في فهمنا لسياق الجملة و سنستفيد من التراكم المعرفي للأسلاف في تحديد معاني الألفاظ و نفترض مسبّقا معرفة دليل الألفاظ التي تحوم حول اللفظ المجهول الدلالة و نحاول أن نجد الرابط الذي يربط بين كل الآيات التي ورد فيها هذا اللفظ و مشتقاته لنخرج بمعنى شامل يجمعها و تبقى هذه العملية غير منهجية و إن كانت مفيدة جدّا و تحديدا في القرءان إذ في تفرع الجذور في القرءان هندسة خاصة أوضحتها فواتح السور و تمّ التطرق إلى بعض منها في قاعدة المنهج الأولى، و لكن المشكلة في الألفاظ التي وردت مرّة واحدة في القرءان مثل :
صياصي ـ شحوم ـ أبّا ـ أبابيل ـ ءاسن ـ أييد ـ بصل ـ نبتهل ـ ثجاجا ـ تثريب ـ الجبلّة ـ الحواب ـ الجبت ...الخ و مئات الألفاظ الأخرى.
بطبيعة الحال سيتذرع الناس بالسياق للفصل في دليل لفظ معيّن محاولة منهم التعبير عن قصد صائغ القرءان من خلال سياقه في محاولة لإيجاد التناسق في الجملة و رفع التناقض عنها إذ خطاب أي كائن يحمل تناسقا فكريا لهذا الكائن و يجلي مخزون فكره و تصوره و إن ظهر أنّه متناقض لأول وهلة.
ما دام القرءان قرّر مسبقا أنّه يحمل بنية داخلية كما تمّ بيانه في الأجزاء السابقة من البحث و ما دام قرّر أنّ قراءته لا بدّ أن ينبع منهجها من داخله فلا بدّ أنّنا سنحاول أن نجد حلاّ لهذه الورطة الكبيرة في نصّه.
القرءان يقول عن نفسه أنّه نزل بلسان عربي مبين . وكنت أشرت في سابق بحث المنهج أنّ اللفظ "عربي" يقصد به أنّ لسان القرءان جذري و سأفصل الآن في دليل اللفظ "عربي".
1 ـ أولّ ما يلفت النظر هو أنّ لفظ "عربي" لم يشر إلى قوم أو جنس أو مجموعة بشرية إطلاقا وجاء لفظ عربي مقابلا للفظ أعجمي في آية النحل:103 ليدل أنّ لسان القرءان وحده هو العربي و أنّ كل ألسنة البشر أعجمية أيّا كان موقعهم الجغرافي أو التاريخي.
2 ـ ما نلاحظه كذالك هو أنّ أقرب تفرع للفظ "عربي" في القرءان هي الألفاظ التالية :
عُرُبا
الأعراب
فالأعراب هم البادون و كل فرع منهم مستقل حتى كأنّ لا شيئا يستره في مكان إقامته فهو لم يدخل المجتمع الحضري الذي يختلط فيه الناس حتّى لا يكاد تُعرف إنتماءتهم النسبية و الفكرية و العقائدية
وكلا اللفظين يحمل دليل الإستقلال الذاتي، ففرش الجنّة موصوفة بالرفعة و الجودة و أنّها من تربة أرض الجنّة و بخروجها من ترب الجنّة لا تختلط ببعضها و لا تتداخل بل كل فراش مستقل عن.
هذه الملاحظات الأولية تجعلنا نعيد النظر في وصف جنس بشري بالعربي إلاّ إذا قُصد به وصفه بالتطلع إلى الإستقلال الذاتي و حينها فوصف العربي ينطبق في عصرنا مثلا على مجموعات بشرية واسعة.
فاللسان العربي هو لسانٌ ألفاظه جذرية أي أنّ اللفظ مكوّن من جذر عار من قوى الفعل وربط هذا الجذر بقوى الفعل هو ما يجعله مبين أي موصول. و نسجل هنا فرقا هاما بين القرءان المبين و كتاب موسى المستبين. ففي دليل لفظ المبين الإتصال و في دليل لفظ المستبين الإنفصال بدخول السين عليه.
فخط القرءان موصول و خط التوراة مفصول :
"لَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (114) وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (115) وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (116) وَآَتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ (117)"
الصافات
و ألاحظ عابرا أنّ هذا اللفظ "المستبين" جاء مرّة واحدة في سورة "الصافات" التي تصور صف الموجودات كلّها وخاصة صف الأحماض الأمينية.
3 ـ الإرتباط بين الفواتح و عبارة "اللسان العربي المبين" في القرءان
"الر تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (1) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (2)"
يوسف
"حم (1) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (2) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (3)"
فصّلت
"حم (1) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (3) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (4) "
الزخرف
الكتاب (الكون بتعبيرنا) متصل و كل أية فيه متصلة بغيرها من الآيات فليس هناك حلقة مكسورة و كذالك القرءان و هذا الكلام موجه لمن يعقل و سيتم تحديد دلالة لفظ "يعقلون" لاحقا في البحث.
ونلاحظ أنّ فواتح السور لا تحمل قوى فعل إلاّ رمز المد الموجي الذي يدل على إنتقال طاقة موجية، و كأنّها تخبرنا أنّ الحرف يتصل بغيره من الحروف في القرءان بفعل قوّة تنشأ طاقة ربط و تغير ماهية الحروف المتصلة لتعطي مفهوما جديدا فكما أنّ إتصال الكوركات يكوّن جزيئات أولية مختلفة الماهية تمام عن مكوّناتها الأساسية و ذرات الهيدروجين بإتصالها بذرات الأوكسجين تعطي الماء التي تختلف ماهيته عن ذراته التي تكوّنه كذالك ينشأ اللفظ في القرءان من حروف يحمل كل منها مفهوما مستقلا لكنّها بإتصاله تُنشأ مفهوما جديدا مختلفا.
و هذه إشارة واضحة أنّ تفكيك اللفظ إلى جذره ونزع قوى الفعل منه لا ينشأ من إعطاء كل حرف مفهومه و جمع هذه المفاهيم لإعطاء المفهوم النهائي للفظ كما حاول بعض الباحثين بل لا بدّ من معرفة بنية الربط.
4 ـ إرتباط عبارة "اللسان العربي" بفعل "تعقلون"
"الر تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (1) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (2)"
يوسف
"حم (1) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (3) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (4) "
الزخرف
علينا الوقوف مطوّلا لتحديد لفظ "العقل".
لنقرأ :
"وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (43)"
العنكبوت :43
فعقل الأمر يسبقه العلم به، ففعل العقل يأتي بعد مرحلة المعرفة و العلم و هو يدل على آلية الربط. فالأمثال المضروبة في آيات العنكبوت تحتاج لعلم فربط بينها لتخرج الصورة متكاملة. و تشير آيات يوسف و الزخرف أعلاه أنّ عقل القرءان هو ربطه بالكتاب (الكون) أولاّ.
فغاية عقل الظواهر و الأشياء البناء عليها، فعقل ظواهر الكهرباء ليس في تكديسها معلومات ظاهرية بل للإنطلاق في بناء الحصن النظري الرياضي الذي يسمح بخلق الآلات الجديدة و إحداث تراكم تقني. فعقل الأشياء غايتها بناء المفاهيم التي تجمع هذه الأشياء في قلادة متناسقة بينما كانت تظهر شتاتا و لنقرأ:
"وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (72) فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (73)" البقرة
إنّ ما رءاه الناس في تحديد ماهية القاتل من النبي الكريم موسى هو أشبه بتحاليل DNA في عصرنا لمعرفة المتلبس بالجريمة و المفروض أن يعقل الناس هذه الآية آنذاك لينتبهوا أنّ كشف القاتل كذالك يخضع لظاهرة سننية و أنّ أي فعل يفعل الإنسان في حياته لن يغيب كما يظنّون بل هو مسجل و لكن هيهات أن ينتبهوا. بل قد شككوا في الأمر بعد ظهور بيناته و أدلته القاطعة و لم يقبلوا نتائجه بإدعاء الشك في مصدره مع أنّ الأمر اتضح و القاتل أنفضح.
"ثمّ قست قلوبكم بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة"
و لنقرأ :
"إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (164)"
البقرة :164
هذه هي الآيات التي يجب عقلها و فك طلاسمها و صياغتها رياضيا لنصل إلى مستوى الخلافة بما ينفع الناس. بداية الخلق و جريان الأشياء في الأفلاك و دراسة إنتقال الميت إلى الحي و عكسه و حبس السحاب في قميص الأرض هي ما يسمح لنا بالإضطلاع بمهمة الخلافة.
دائما مع فعل العقل في القرءان نلاحظ معاني تجاوز الأمر إلى ما بعده و عدم الإكتفاء بالوقوف عنده، و هذا عين معنى المفهوم الذي سيتم تحديده فيما بعد و لنقرأ :
"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (118)"
أل عمران :118
من ينطق غالبا تابع أمّا الصدر (القيادة الحقيقية) فهي و إن كانت صامتة فهي تحمل ضغنا و حقدا و بغضا أكبر بكثير ممّا يتفوه به التابعون وعقل خطاب التابعين دائما يوصلنا دائما لما يحمله فكر القادة. فخطاب الأتباع نابع من فكر القادة أساسا و مبدءا.
و لنقرأ :
"و في الأرض قطع متجاورات و جنّات من أعناب وزرع و نخيل صنوان و غير صنوان يُسقى بمآء واحد و نفضّل بعضها على بعض في الأكل؛ إنّ في ذالك لآيات لقوم يعقلون"
الرعد:4
لو عقل الإنسان هذه الظواهر لرأى البعث في عين ما يحدث في عالم النبات أمامه، و أنّ بقاء النبات في رحم الأرض ثمّ خروجه هو نفسه مثل بقاء الإنسان بعد وفاته في رحم الكتاب (الكون) ثمّ خروجه ثانية، فما دامت الشفرة محفوظة "صنوان و غير صنوان" و إن سُقيت بماء واحد فستخرج مختلفة عن بعضها كما كانت قبل بذرها تحت التراب. و لذلك فالآية التالية تقول :
"و إن تعجب فعجب قولهم أءذا كنّا ترابا أءنا لفي خلق جديد، أولئك الذين كفروا برّبهم، و أولئك الأغلال في أعناقهم، و أولئك أصحاب النّار، هم فيها خالدون"
و أشير هنا عابرا أنّ القول في القرءان ليس خطابا شفويا حتّى لا تختلط المفاهيم و يظنّ الناس أن مجرد عدم التصديق هو المقصود بل الأمر متعلق بصيرورة حدث من يقول "أءذا كنّا ترابا أءنا لفي خلق جديد؟؟". من يقول هذا لا يتلفظ به حصرا بل حياته كلّها تجسيدا للقول أي أنّ حياته كلّها لا مسؤولية فيها.
فعقل الأمر يعني دائما تجاوز الأمر إلى ما بعده و الربط بين الأشياء المبصرة ليصيغ بها بعد إستخراج مفاهيمها الجديد في عالم الخلق.
فربط فعل العقل بالآيات دليل لإستبطان ما تحمله للبناء عليه و هذا هو ما نقصده بالمفهوم تحديدا.
مفهوم اللفظ في القرءان مرتبط بجذر اللفظ في صياغته العربية قبل أن يصبح هذا اللفظ مبينا متصلة أجزاءه و مرتبطة به قوى الفعل فيه. عربية القرءان يعني وجود الجذر في ألفاظه ووجود قوى الفعل فيه، هذا على مستوى اللفظ. ويعني جذرية الآية يعني وجود الألفاظ كجذر ووجود الرموز الداخلة على جسم الآية، هذا على مستوى الآية.
و عربية السورة هي وجود الآيات فيها كجذر و ترقيم هاته الآيات التي يجعل من السورة وحدة موضوعية. و عربية القرءان تمس كل أجزاءه هذه بدءا بالحرف.
و نصل الآن إلى موضوعنا الأساسي و هو إعتبار كلّ ألفاظ القرءان مفاهيم.ما معنى أن نقول أنّ اللفظ مفهوم Concept ؟
معنى ذالك أنّ اللفظ مؤَسسُُ مفهومه من جذره من دون أن يكون للسياق دور في تحديد هذا المفهوم، فالشجر مثلا كلّ ما تفرع من أصل، هذا هو المفهوم الخارج من الجذر :
ش ج ر
و هذا المفهوم ينبغي أن ينبع دون لجوء إلى السياق. أما السياق فهو من يخرج الموجودات إلى رحم التشييء موافقا للمفهوم.
فالنبات شجرة و النار شجرة و السلالة البشرية شجرة و كل هذه المعاني تدخل تحت المفهوم العام :
"أمّن خلق السماوات و الأرض و أنزل لكم من السمآء مآء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكمـ أن تنبتوا شجرها أءله مع الله ؟؟؟ بل هم قوم يعدلون"
النمل:27
"فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآَتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (22)"
الأعراف :22
" أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (71) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (72)"
الواقعة
إنّ الألفاظ في الآية مجموعة مفاهيم و لا تصير موجودات إلاّ بالسياق الذي يُحكم هاته المفاهيم في شبكة ويجعل حصر الموجودات نتيجة لإحكام الآية و هندستها و بيان عربيتها بقوى الفعل و الرموز المحيطة و سياق الآيات حولها. فتأسيس المفهوم الجذري هو من يدفعنا إلى إدخال الموجودات فيه تباعا بإتساع كلمات الله.
فالمفاهيم هي التي تجعل كلمات الوجود كلّه تدخل في القرءان مع أنّ كلام الله القرءاني محصور بين الفاتحة و الناس(إرجع للفرق بين الكلام و الكلمات في الأجزاء السابقة) و لنقرأ :
" قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (109) قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (110)"
الكهف
"وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (27)" لقمان :27
و لو لاحظنا ملّيا لرأينا أنّ فواتح السور نفسها وحدها تقود لنظرية المفهوم دون أن نغوص في عمق الكتاب، فالفواتح جذرية أساسا و لا تحمل قوى فعل إلاّ رمز المد الموجي على بعضها الذي يدل أنّ الإرتباط بين الحروف إرتباط طاقوي يجعل اللفظ الجديد يحمل مفهوما مغايرا لمفاهيم الحروف بفرديتها.إنّ هذه الفواتح تقول أنّ عربية القرءان هي ما يحمل مفاهيمه و قوى الفعل فيه و رموزه هي من تخرج الموجودات إلى رحم الوجود.
و في غضون القرءان نجد التنبيه على مسألة المفهوم في ألفاظ عدّة مثل :
سيئة ـ حسنة ـ معروف ـ منكر ـ صالحات ـ حطّة ـ صلواة ـ زكواة ...الخ.
و كان يكفي للأسلاف و من تبعهم أن يعمموا هذه الملاحظة و لكن الأمر استعصى بفعل الحواجز الكهنوتية الكثيرة.
ألفاظ القرءان إذن كلّها مفاهيم و ليست موجودات و الإنسان هو من يؤسس المعاني بربط المفاهيم داخل الآية لتخرج موجوداتها في صورة كاملة متكاملة. هذه القاعدة في نظري أخطر القواعد التي يُقرأ بها القرءان ليكون موّلدا للمعرفة و ليس شاهدا عليها. و عندما أقول أنّ ألفاظ القرءان كلّها مفاهيم فأنا أقصد باللفظ معناه العام أي بداية بالحرف إذ الحرف نفسه مفهوم.
و لنصغ ما قلناه سابقا في هذه النقاط :
1 ـ المفهوم يتحدد أساسا من هندسة اللفظ نفسه بعيدا عن أي سياق و بعيدا عن المشترك اللفظي.
2 ـ المفهوم ينبغي أن يحدد قبل دخول قوى الفعل عليه فهو جذري أساسا.
3 ـ ورود اللفظ في سياق معين هو من يلبسه رداء الموجود بعد أن كان مفهوما فقط.
4 ـ الإشتقاقات اللفظية في القرءان تعود كلّها إلى جذرها.
إنّ رسم المفهوم ينبع من الجذر الذي يبدأ من الحرف و صلته الترتيبية بغيره من الحروف هو من يعطي دليله و مفاهيم الحروف تستمد مفهومها بدورها من الكون. وتعدد القرءات في دليل الحرف الواحد في مفهومه لن يضبطه إلاّ البحث العلمي في الكون الذي سيعمق من دليل الحرف و لن ينقضه أبدا. وهذا ما ترسمه بوضوح فواتح السور الأربعة عشر.
وشهادة القرءان على نفسه بأنّه كتاب متشابه يفيد أن حصر مفهوم هذه البنية يخضع للتراكم المعرفي، تراكما يعمق المفهوم.
دخول قوى الفعل على اللفظ تلبسه رداءات محددة و غياب بعض قوى الفعل عن اللفظ يجعلنا نخطو خطوة كبيرة في تحديد مفهوم الجذر و إن جهلنا تحديد المفهوم من جذره، فورود اللفظ بقوى فعل معينة و غيابه تحت قوى فعل معينة أمر ذا خطر بالغ في القرءان.
و هنا نؤكد قاعدة القرءان في تحديد المفهوم و هو أنّ غياب لفظ من القرءان معناه أنّ هذا اللفظ مستحيل الوجود في الكون. فالقرءان يقول عن نفسه أنّه تنزيل الكتاب و أنّه أحاط بكل شيء في الكتاب فغياب لفظ فيه معناه غيابه واقعا كوجود حقيقي. و الذين اعتبروا أنّ ألفاظ القرءان قياسية و أخرجوا لنا قواعد هذا القياس لم ينتبهوا أنّ القرءان يقول عن نفسه أنّه كامل غير ناقص و أنّه عين الكتاب كلاما و أنّه يحوي كل كلمات الوجود.
هذه العبارات ليس معناها أن يمتنع البشر عن تأليف الألفاظ و تفريعها فهذا من طبيعة لغة البشر إذ هي اصطلاحية تتقدم نحو نفي الترادف بين الكلمات كلّما تراكم علمها بالأشياء وتزداد ألفاظها بزيادة الموجودات الجديدة
المكشوفة فمثلا عندما نريد تحديد مفهوم الجذر
ع ـبـ د
في القرءان فملاحظة مشتقاته يجعلنا نرى غياب الألفاظ التالية :
مَعَابِد
عُبّاد
معنى هذا أنّ لفظ عبّاد غير موجود في الكون وإن لم نحدد مفهوم العبادة بعد و لا معابد لها وجود أساسا. و عندما نريد تحديد مفهوم الجذر :
جـ ـن
علينا ملاحظة أنّ لفظ جنين و لفظ جنون لم يرد في المشتقات.
و عكس ما تصور اللغويون فليس هناك قياس في الألفاظ القرءانية بل بنية شملت كل شيء و غياب بعض الألفاظ و بعض قوى الفعل في بعض الألفاظ لا يعني إمكان وجودهم بل إستحالة وجودهم وجودا كونيا حقيقيا.
فمجيء بعض الجذور و غياب بعضها في القرءان و مجيء بعض الألفاظ (جذور بقوى فعل) و غياب الأخرى يجعلنا ندخل إلى دراسة البنية اللفظية في القرءان من هذه النافذة إبتداءا و بينات الكون وحده هي المفصل في قراءتنا.
و قد يُظن أنّ هذا يجعل القرءان مخدوما و ليس خادما هاديا للناس.
وهذه ملاحظة أساسية، فالقرءان هو الشاهد على تقدمنا العلمي و معرفتنا الكونية كمن يحل موضوعا ليجد الحل مقدم من خبير فيطمئن هذا إضافة لأهمية التراكم المعرفي الذي يجعل القرءان منشاً للقلم و الفرضيات التي ينطلق منها البحث ليعود ثانية إليه، إنّه برنامج الإنسانية الدراسي الذي يواكبها في هذا الكون الفسيح، ففهم بنية الألفاظ في القرءان يأتي من بحوث نيوتن و ماكسويل و آينشتاين و هابل و هايزنبرج و كريك وواتسون و غيرهم من علماء الحي و الميت و من علماء المقدار (الرياضيات) في بحوثهم التي يجب أن تجد طريقها لفك بنيته التحتية إن أردنا يوما محاولة فهم عربيته.
و في النهاية نعطي بعض المفاهيم لبعض الألفاظ القرءانية:
شجر: كل ما تفرع من أصل
عرش : ظهور نظام في مجموعة ما.
قمر : كل ما يعكس شيئا أخر
جبل : كلّ ما تأصل وجوده حتّى اعتبر أنّه أزلي
هبط : نزول من مستوى إلى مستوى أدنى منه إرغاما
ن : كل وعاء يُمكن إخراج مخزونه
إنّ هذه المفاهيم لا تصور موجودات بعينها بل هي مفتوحة و حتى تصور موجودا بعينه لا بد من سياق تحيى فيه و تتنفس.
فالشجر نبات في سياق و نسل في آخر.
و العرش ظهور للقوى الأربعة في الكون حينا و ظهورا لمنظومة الحياة حينا.
و الجبل قد يكون صخريا حينا و قد يكون جينات حينا .
و القمر هو هذا المرافق لكوكبنا في سياق و قد يكون النبي الكريم محمد في سياق أخر.
و حرف النون قد يعبر عن الجمع في سياق و قد يعبر عن محتوى الأمر في سياقات أخرى.
ونؤكد ثانية أنّ الذي يربط كل الموجودات الداخلة في مفهوم واحد هو دخولها في هذا المفهوم و ليست القضية متعلقة بمجاز و لا غيره.
لنذهب أبعد فنقول أنّ كل ألفاظ القرءان مفاهيم، كلّها و بدون إستثناء.
فما سمّاه الأسلاف أدوات عارية عن الدلالة هي مفاهيم فـ :
إذا
إلاّ
في
عن
و
أو
ما
مع
...الخ
كلّها مفاهيم كذالك و تخضع لنفس القاعدة وكذلك رموزه المبثوثة فيه من مثل قلى و صلى ،ج ، و غيرها و قد قدمت بعض هذه الرموز في بيان القاعدة الأولى فليرجع إليها فكلّها مفاهيم.
و عندها فالذي يُخرج الفكرة من آية ما هو ربط فصائلها المفاهيمية لتصوير موجوداتها و إخراج الصورة إخراجا نهائيا و ما دامت المفاهيم لم تضبط فإنّ المشترك اللفظي في فهم ألفاظ القرءان مجرد ظنّ و بداية بحث ليس إلاّ.
و لو أردنا أن نجعل موضوعنا قرءاني الألفاظ لقلنا أنّ المنهج يقابله في القرءان لفظ "الملة" فقولنا بحاجة المنهج هو قول لحاجة إلى الملة و المفهوم في تعبير القرءاني يمثله لفظ "عربي"
تعليقات
إرسال تعليق