التركيز
على البنية الداخلية في القرءان هي من ضرورات فتح القرءان بجدّية في رأيي والتحذير
من الانسياق ممّا صاغته المعاجم والقواميس في تحديد دلالة الألفاظ القرءانية أمر
في رأيي أكثر أهمية. هذه المعاجم جعلت اللفظ القرءاني اصطلاح كغيره من اصطلاحات
البشر ولم ترتق إلى مستوى عربية القرءان على الأقل في جذرية ألفاظه.
ليس
بسيطا فهم البنى التحتية للألفاظ القرءانية وكنّا قدّمنا مثالين في هذا المنتدى
لتوضيح صعوبة مثل هذا العمل في بحث حرف الميم وحرف الكاف واكتفينا في باقي البحوث
بالمشترك اللفظي في محاولة رسم المفهوم بدلا من الانطلاق من اللبنات الأولية رغم
الإشارة إلى هندسة اللفظ في أحايين كثيرة. وسنكتفي في هذا البحث كذلك بالمشترك
اللفظي في تحديد مفهوم الضرب في القرءان.
لنتلوا العبارات القرءانية التالية:
"ضرب الله مثلا"
"ضرب
لنا مثلا و نسي خلقه"
"إذا
ضربتم في الأرض"
"ما
ضربوه لك إلاّ جدلا"
"أفنضرب
عنكم الذكر صفحا"
"وضربت
عليهم الذلّة و المسكنة"
إنّنا هنا أمام خيارين لرسم معاني الألفاظ، فأغلب الأسلاف ساروا وفق نظرية المجاز وقالوا بتلبس اللفظ القرءاني لمعاني عدّة لا رابط بينها سوى شيوع الاستعمال عند "العرب" وكنّا فصلنا في ضعف هذا الرأي في بحوث المنهج فليرجع إليه من شاء. أمّا الخيار الذي نعتمده والذي نراه يعبر عن الحق هو ما أسميناه المفهوم. فاللفظ القرءاني مفهوم يحدده جذره والمعاني المترتبة عنه كلّها محتواه في هذا المفهوم. فما هو مفهوم لفظ "ضرب" في القرءان.
قراءة العبارات القرءانية السابقة تنفي أن يكون الضرب هو المعنى المتعارف عليه بيننا من صفع وركل وهجوم على جسم أو جسد أخر.
يبدأ
البحث قلما بافتراض مفهوم للضرب ثمّ رؤية كل هاته التفاريع.
الضرب
هو بتعبيرنا الحالي لغز أو معضلة للحل أو ما يسمّى بالإنجليزية Labyrinth
و
سنبدأ الأن بتطبيق هذا المفهوم على بعض البلاغات القرءانية التي ورد فيها لفظ
الضرب أو توابعه و لنقرأ:
"وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (112)"
النحل:112
لفظ "الله" يأتي في القرءان للتعبير على وجود سنّة كونية تحدث كلّما استوفت شروطها فهي أشبه بغليان الماء تحت درجة 100 وضغط غلاف الأرض الجوي على سطحها. والأية هنا تبين أنّ المثل هنا مضروب أي أنّ كشف السنّة في هذا المثل ليس أمرا هين فهو أشبه بوجود حواجز لا بد من تجاوزها للوصول لمعرفة السنة في باطن اللغز.
كيف
يقود الكفر إلى انتشار الجوع والخوف؟ والكفر في القرءان ليس هو تكذيب لعقيدة و
مسلمات بل الكفر ضد للإيمان الذي هو البحث وتأمين الأخر في فكره وعقيدته ونسكه.
وكل
أمثلة القرءان ضرب تحتاج لكسر حواجز عدّة واجتيازها لمعرفة كنهها ولنقرأ:
" وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآَنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (27) قُرْآَنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (28) ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (29)"
الزمر
وهنا نرى كيف أنّ المثل القرءاني ضرب يحتاج لفك شفرته باجتياز الحواجز وهذا اللغز ليس مسدودا بل قروءه تتبع جذوره دون عوج وكل من يبحث عن مرجع للسماء من غير مصدره الأكيد أشبه برجل تقاذفه إرادات متعددة فلا يدري أين يميل وكل ما مال في أحجيته
Labyrinth
إلى
إرادة معينة فقد الطريق فيتحول طريقه المستقيم إلى مسارات مسدودة في كل
قضية.
الضرب في الأرض بالمفهوم المقدم هو ما نسميه اليوم بالإستثمار، فهو أحجية لا يدري الإنسان فيها هل سينجح أو يفشل وعوامل النجاح الكثيرة التي لا يضبطها الإنسان من سوق ومحيط عام تجعل من نجاح الاستثمار نوع من الأحجية قد تصل إلى المركز والحل وقد تقف أمام الطريق المسدود لا تتعداه ولنقرأ:
"إنّ ربّك يعلمـ أنّك تقوم أدنى من ثلثى الّيل و نصفه و ثلثه و طآئفة من الّذين معك؛ و الله يقدّر الّيل و النهار؛ علمـ أن لن تحصوه فتاب عليكمـ ، فاقرءوا مّا تيسّر من القرءان؛ علم أن سيكون منكمـ مرضى و ءاخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله، وءاخرون يقاتلون في سبيل الله، فاقرءوا ما تيسّر منه؛ و أقيموا الصّلواة و ءاتوا الزكواة و أقرضوا الله قرضا حسنا؛ و ما تقدّموا لأنفسكمـ من خير تجدوه عند الله هو خيرا و أعظم أجرا؛ و استغفروا الله، إنّ الله غفور رحيم"
المزمل:20
الضرب في الأرض مغامرة وجاءت أداة "في" مع الضرب للتدليل على تعلق الضرب بالحركة داخل محل هو الأرض محل الحياة والحركة. وأمّا الضرب على الشيء فهو إشارة إلى تمنع هذا الشيء وحمايته من أن تدخله الأشياء أو يستقبله ولنقرأ:
"إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آَتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا (10) فَضَرَبْنَا عَلَى آَذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (11) ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا (12)"
الكهف
وكأنّ الحواجز موضوعة على الأذان لا تسمح للأمواج الصوتية أن تصل إلى الأذان وكأنّ الصوت يبحث على المنفذ فلا يصل إلى الأذن وتعود القهقرى بعد طول دوران أو يرتطم أمام سدود وحواجز عديدة تضعف من قوّته إلى أن تعدمه. وللقارئ أن يتصور هذه السدود والحواجز هل هي صمغ الأذن أم أنّه من طبيعة بناء وشكل الكهف نفسه الذي يخرج كل صوت يدخل إليه دون أن يصل إلى أذان أصحاب الكهف والثاني هو ما أميل إليه.
ولندخل الأن بعض ءايات الخلاف التي يتهم بها القرءان و لنقرأ:
"قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آَبَائِهِنَّ أَوْ آَبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (31)"
النور
لنلاحظ فقط الفرق بين الأوامر الموجه للمؤمنين والأوامر الموجهة للمؤمنات لنرى الفارق بين اللفظين.
المؤمنون
ليس تعبيرا عن جنس الذكور بل هو تعبير عن درجة أعلى من المؤمنات الذي يشمل كذلك
الذكور وإناث.
ويبدو
هذا الكلام غريبا لتأصل التفريق اللغوي بين الذكور والإناث في بنية اللغة وقواعدها
التي أسسها كهنوت اللغة وكنت فصلت في هذا الأمر في بحث "ذكورية الخطاب القرءان
وهم بصري أم حقيقة موضوعية" فليعد إليه من شاء.
الخُمُر في القرءان ليس هو قطع القماش التي تغطّى به فجوة ما بين النهود، بل ضرب الخُمُر على الجيوب هي تحصين هذه الجيوب وتطهيرها بوضع المطهرات عليها فهي أشبه بحواجز كيميائية للباكتيريا وغيرها لبلبلة مسارها ومنعها من التعلق بالجيوب فأقرب مشتق لخُمُر في القرءان هو:
خَمْر
الدال
على تخمر المادة الكيميائية الموضوعة بظهور التابع الكيميائي -OH
فيها
دليل
لفظ "ضرب بـ" في القرءان ليس الإلقاء و لا الصفع و لا الركل بالشيء بل
في دليله التحصين بالرقاب
فالجيوب
هي كل فجوات الإنسان من فم وأنف وفرج وفتحتي أذن، فكلها يأمر القرءان بضرب الخُمر
عليها.
لنقرأ:
" إِذْ
يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ
مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ
عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ (11) إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى
الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آَمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ
الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا
مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (12)"
الأنفال
سبق الإشارة في مواضيع عدّة في المنتدى أنّ الملائكة هي اللبنات الأولية في العالم الميت (كواركات و لبتونات و بوزونات) و العالم الحي (أحماض أمينية)، فوحي الرّب إلى الملائكة هو تأثير حاصل في قلوب الذين ءامنوا من نفس بنيتهم البيولوجية في الثبات و هو نفسه الحاصل في إرعاب الذين كفروا و معرفة ماهية هذا التأثير تتطلب معرفة بنية الملائكة و معرفة القفزة النوعية الحاصلة بين السير العادي الروتيني في الحياة و هو حدوث الخوف عند وجود الخطر و بين حدوث الثبات في قلوب الذين ءامنوا نتيجة كسبهم لهذه الصفة و بدايتهم في اليسر في طريق الإيمان. فلفظ الرب متعلق بمفهوم الزيادة المعرفية في شيء.
لنعد لموضوعنا المتعلق بالضرب في ءايات الأنفال.
لو
كان القصد من "اضربوا فوق الأعناق" هو قطع الرؤوس كما في تعبيراتنا لأتى
اللفظ منسوبا للعدو "فاضربوا فوق أعناقهم" وما كان لإيراد أداة
"فوق" أي معنى وكان يكفي أن يُقال "فاضربو أعناقهم" ولما كان
لإيراد عبارة "واضربوا منهم كل بنان" أي فائدة إلاّ من باب التحسينات
البلاغية بحشو العبارات.
ما هي الأعناق؟
العنق بمعناه الحسي كما يفهمه الناس وكما ورد في القرءان هو الرابط بين الرأس وباقي الجسد وبدونه لا وجود للحياة في الجسم ولمّا كانت ألفاظ القرءان مفاهيم وليست معاني حسية تأخذ معاني أخرى حسب الذوق كان لفظ ضرب تحديدا هو من يعطينا مفهوم العنق. فالأية تطالب بتضليل العدو بتضليل جواسيسه حتى لا يستقبلوا شيئا فالقضية ليست متعلقة بعدد المقاتلين لكنّها استخباراتية إعلامية وتعبر أداة "فوق" على أنّ التضليل لا بد أن يوجه لتضليل الرأس فإنشاء المضللة labyrinth هدفها ليست هداية الرأس بل تضليله نهائيا ولذلك جاءت عبارة:
"واضربوا منهم كل بنان"
تضليل
كل اتصالاتهم بكل الطرق التي توضحه أداة "كل".
إنّ
الفهم الحسي المبسط للأيات الأنفال تجعلنا نعيش حرب السيوف الحديدية والسهام
الخشبية وهي تحصر القرءان تاريخيا بحصر مفاهيمه ورؤية هندسة الأية ثانية يجعلنا
نتجاوز بمراحل قراءتها التاريخانية في عصر التقنية البدائي.
وفي نفس السياق نقرأ بلاغات سورة محمد:
"فإذا
لقيتمـ الّذين كفروا فضرب الرقاب حتّى إذا أثخنتموهمـ فشدّوا الوثاق فإمّا منّا
بعد و إمّا فداء حتّى تضع الحرب أوزارها، ذلك و لو يشآء الله لانتصر منهم و لكن
ليبلوا بعضكـــــــــــــم ببعض، و الّذين قُتلوا فى سبيل الله فلن يُضلّ
أعمالهم"
محمد:4
لنلاحظ أنّ القرءان يسمّي كل ما يترتب عن الحرب "وزر" فليس في الحرب من حيث النتائج الإنسانية شيئا إيجابي إلاّ الدفاع عن النفس من معتدي والدفاع عن الحرية بأوسع معانيها وليس هناك أدنى فائدة من أي حرب سوى هذا وحتّى هذا فيه من الوزر الكثير فأي وسيلة لتفادي الحرب أمر محمود في ذاته. وليس هناك أدنى عناء في فهم معنى الضرب هنا فلفظ الرقاب يوّضحه إذ أقرب مشتقاته:
ترقب
/ يرقبون / يترقب
رقيب
رقبة
وكلّها تدل على المراقبة والتتبع والرصد. فحين لقاء الذين كفروا تُغلق حدود دولة الذين ءامنوا ولا يسمح بالدخول والخروج إلاّ في حدود نادرة جدّا وقد يقول القارئ أنّ هذا الأمر جد عادي في أي حرب فما معنى الإشارة إليه في الأية؟
إنّ
دولة الذين ءامنوا مفتوحة ولكل من يريد الالتحاق بها الحق في ذلك إن التزم بشروط
الميثاق و هذه الأية توضح أنّ هذا الانفتاح الواسع على كل إنسان لا يُغلق إلاّ في
حال الحرب.
وأخيرا نختم هذه الرحلة مع قضية صفع المرأة وجوازه في كلا م الكهنوت بقراءة البلاغ القرءاني التالي:
"الرّجال قوامون على النسآء بما فضّل الله بعضهمـ على بعض و بمآ أنفقوا من أموالهم؛
فالصالحات
قانتات حافظات للغيب بمت حفظ الله؛
و
اللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن و اهجروهن في المضاجع و اضربوهن،
فإن
أطعنكم فلا تبغوا عليهنّ سبيلا،
إنّ
الله كان عليّا كبيرا (34)
و إن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله و حكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما،
إنّ
الله كان عليما خبيرا (35)
واعبدوا الله و لا تشركوا به شيئا، و بالوالدين إحسانا و بذي القربى و اليتامى و المساكين و الجار ذي القربى و الجار الجنب وابن السبيل و ما ملكت أيمانكم، إنّ الله لا يحب من كان مختالا فخورا (36)
الذين يبخلون و يأمرون الناس بالبخل و يكتمون مآ أتاهم الله من فضلهم، و أعتدنا للكافرين عذابا مهينا (37)
و الذين ينفقون أموالهم رئاء الناس و لا يؤمنون بالله و اليوم الأخر، و من يكن الشيطان له قرينا فسآء قرينا (38)
و ماذا عليهم لو ءامنوا بالله و اليوم الأخر و أنفقوا ممّا رزقهم الله ؛ و كان الله بهم عليما (39)"
النساء
هل إذا صفع الزوج زوجه أبقى للحياة الزوجية معنى؟؟
هل
الزوج الذي ينهال على زوجه بالإيذاء الجسدي يمكن أن يؤسس لعلاقة الود بينه وبين
زوجه ويحفظ جو الود في أسرته؟؟
لنقرأ
الآيات ولنعد القراءة فهناك مجموعة من النقاط ينبغي الوقوف عندها قبل أن
نجيب
لقد آثرت سياق هذه الآيات كلّها لننتبه لسياقها، فرص الآيات وتتابعها ليس عبثيا، ومن يظن أنّه عبثي فلا مجال لمناقشة نص عبثي معه وهل يناقش العبث، وعلينا فقط أن نتفق معه أنّ إنسانية الإنسان لا بد أن تمنعه من أن يؤذي زوجه، وإذا اتفقنا معه على هذا فله أن ينكر النص إلهية النص القرآني بعدها فالعبرة في النهاية بفعله وليس بإنكاره للنص.
القرآن يقول عن نفسه وهي شهادة ذاتية أنّه محكم وآياته مفصلة وكل سورة فيه وحدة موضوعية وتتابع الآيات فيه حلقة، كل آية مرتبطة بالتي تليها رباطا يرسمه خيطي رقم السورة، فهو رباط صلد قوي. ولنعد لآيات سورة النساء التي جعل الذكور منها حقا لهم في رفص أزواجهم و ركلهم و صفعهم و التعدي الجسدي عليهم باسم القرآن!!!!
لم تقل الآية "بما فضلهم عليهن " ولم تقل "بما فضل بعضهم على بعضهن" بل قالت "بما فضل بعضهم على بعض"، فما معنى هذا الكلام؟
هل
الرجال مفضلين على النساء؟
هل
بعض الرجال مفضلين على بعض النساء وحينها فبعض النساء أفضل من بعض الرجال وتصبح
الآية متناقضة مع بدايتها.
هل
بعض جنس مفضل على بعض جنسه فبعض الرجال مفضلين على بعض الرجال وبعض النساء مفضلات
على بعض النساء وحينها فالآية محض حشو إذ هذا كلام لا فائدة من قوله وخطه.
لنواصل
الآيات قبل أن نبث في دليلها.
تقول الآيات " واللاتي تخافون نشوزهن" وأسأل هنا: الخطاب موجه لمن؟؟؟؟؟؟؟ لمن هذا الخطاب؟؟؟؟
أهو
للزوج الذكر؟
ليس
الامر كذلك بدليل قول آيات:
"وإن
خفتم شقاق بينهما"
فقول الآيات "و اللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن و اهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهنّ سبيلا"
هذا
الخطاب موجه لجهة خارجية عن الرجال و النساء، فمن هي هذه الجهة؟ لنترك الإجابة على
هذا السؤال المهم ولنواصل تساؤلاتنا لنحاول إيجاد دليل الآيات والروابط
بينها.
من قرر أن النشوز خاص بالأنثى في قول القرآن " واللاتي تخافون نشوزهن" ولنقرأ:
" وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ
إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا
وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا
وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (128)" النساء
:128
النشوز لمن تتبع الآيات متعلق بتصلب العلاقة من الزوج كالعظم عندما ينشز فلا يلين وما يتبعه من إمكان الحيف في الإنفاق والمعاشرة بالود والإحسان. والنون في "نشوزهن" ليس دليل على جمع المؤنث كما يلغو اللغويون فليس في القرآن جمع مؤنث ولا جمع مذكر وهذا بحث مفصل في موضوع "ذكورية الخطاب القرءاني " فليرجع إليه من شاء.
ثمّ من قرر أنّ المضجع معناه مكان المعاشرة الجنسية بين الزوج وزوجه؟ هل في الآية ما يشير لهذا المعنى أم أنّ عقلنا لا يفكر إلا في الجنس وكأّن القرآن كتابا لدفع الزوجين للخطيئة، ألا يعلم كل عاقل أنّ معاقبة زوجه بهذه الوسيلة دعوة له للانحراف، وقد يقول قائل أنّ القرآن يريد فقط هجرا مؤقتا وحينها نسأل: من أين له هذا المعنى من الآيات أعلاه، أم أنّ الكهنوت عوّد الناس أن يتكلموا مكان القرآن ويسكتون نصوصه.
لن أطيل كثيرا في تساؤلاتي وأقول مختصرا
إنّ
الآيات تتحدث عن واجبات من يسعى ويصل إلى الكسب فهذا هو الرجل، فواجبه الإنفاق على
من تأخر ولم يلحق لظروف موضوعية وهذا هو النساء والقيام بمسؤولية رعاية النساء من
الرجال هو تحديدا معنى القوامة وهذا ما يؤكده تفضيل بعضهم على بعض. وعند امتناع
الرجال (من يمتلك قوى الإنتاج والقوة المادية في المجتمع) عن التكفل بالنساء
(المتأخرين في الكسب والعاجزين من فقراء ومساكين و .....) ينبغي أن تتدخل قوة
ثالثة هي في الأساس قوة السلطة والحكم لإرغامهم على الحوار وهذا الإرغام تسبقه مراحل:
ـ النصح بتوضيح أساس المشكل "عضوهنّ"
ـ
ترك الفريقين يتبادلان التهم والشرح لكي يستبين كل واحد من الفريقين نوافذا للحل ويتعرف
على مشاكل الأخر وإكراهاته "فاهجروهن في المضاجع"
ـ
إقامة الحواجز والسدود حول من يريد تجاوز الحدود ومنعه من الإفساد
"فاضربوهن"
وإذا
استمر الخلاف وبدا الشقاق في الأفق فواجب الدولة إقامة حوار إجباري بين هيئة ممثلي
الرجال وهيئة ممثلي النساء "فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها"
فمؤسسات
الدولة تعمل كحكم بين أطراف وتترك لهم مجال الحرية وتسعى للحفاظ على توازن المجتمع
حتّى لا يبدأ الشقاق ويبدأ الفساد في المجتمع. ومن سياق الآيات نرى دلالات الأيات
التي ورد فيها لفظ الضرب فهي تدعو عن الابتعاد عن الشح والإنفاق والتكفل بكل أنواع
النساء في المجتمع والحقيقة أنّ موضوع سورة النساء واحد وهو كيف يجب أن يتكفل
المجتمع بمن عجز عن الكسب ولم يجد له سبيلا يعيش به في المجتمع عيشا هنيئا فالسورة
من أولها إلى آخرها تتحدث في نفس الموضوع بدءا باليتامى. ولا علاقة للآيات أعلاه
بصفع الزوج ذكرا كان أو أنثى أو ركله. جعلنا الله صدر ود لأزواجنا ودفء حنان
إبراهيم بن نبي
تعليقات
إرسال تعليق