التخطي إلى المحتوى الرئيسي

خطوات في تأسيس منهج قراءة القرءان (الجزء الثاني)

بعد التوطئة السابقة في عرض فلسفة المنهج نبدأ الآن في تفصيل قواعده 

1 ـ القرآن كلام الله الحي القيوم رسما ولفظا 

الكون في التعبير القرآني هو الكتاب سواء كان مشهودا أو مقروءا في صحيفة وهذا الكتاب ـ الكون يحوي كلمات وكلاما، 

فالكلمات جمع كلمة هي الموجودات: 

فعيسى كلمة (3/45) صدّق بها يحي (3/39) ولنقرأ: 

" إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ" النساء:171 

و إبراهيم كلمة طيبة (14/24) 

و ليستقر هذا المعنى نقرأ البلاغ التالي: 

"قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (109)" الكهف:109 

فالكلمات هي الموجودات وبتعبيرنا فهي كتلة ـ طاقة MASS -ENERGY والكلام هو المعلومات وكاتلوك هذه الكلمات وبتعبيرنا Information. فكلام الله ليس خطابا شفهيا ولا حوارا مباشرا بل هو كاتلوك المعلومات المبثوث في الكون ولنقرأ: 

"أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثمّ يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون" البقرة:75 

"و إن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثمّ أبلغه مأمنه؛ كلك بأنّهم قوم لا يعلمون" التوبة:6 

فمن "لحظة" الإنفجار الأول حين فطر الله السموات والأرض، أودع في الكون كلماته وكلامه ابتداءً، وكلام الله لموسى تكليما هو ما تلقاه موسى من تنزيل في تربصه المغلق تِباعا ودون انقطاع، إذ التكليم كالتنزيل يحمل بهذا الوزن معنى التتابع والإستمرار وليس كما قال الأسلاف أن "تكليما" تدل على صيغة للمبالغة، فهل تتفق المبالغة مع الحديث بالحق عن الحق!!! 

و يشرح لنا القرآن طريقة تلقي كلام الله من البشر في هذا البلاغ 

"وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ ﴿51﴾ وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ۚ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴿52﴾" الشورى:51/52 

و إيراد لفظ "يشر" في هذه الآية بدل "إنسان" أو "العالمين" للتركيز على الجانب البيولوجي في التلقي من الكائنات العالمة عامة فالآية تعبر عن استحالة التقارب الحسّي بين الله فاطر السماوات والأرض وخلقه. فإمداد البشر بالكلام Information يتم بطرق ثلاث: 

1 ـ الوحي DIRECT INFORMATION يستقيها الكائن من الكلمات أي محيطه الذي حوله مباشرة بما أودع في ذاته من آليات التلقي وتتبع لفظ الوحي ومشتقاته في القرآن يجعلنا نميل إلى هذا المعنى. 

2 ـ حجاب: ستار لا يُرى بين الملقي والملقي عليه وليس الحجاب في القرآن ثياب يرتديه المرء ولا عازل فيزيائي ظاهر ولنقرأ: 

"و قالوا قلوبنا في أكنة ممّا تدعونآ إليه وفي ءاذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب فاعمل إنّنا عاملون" فصلت:5 

3 ـ رسولا: أحد المخلوقات التي تحمل هذا الكلام وتبلغه نصا للمرسل إليه. 

إنّ هذه الآية تؤكد أنّ كلام الله داخل الكون وليس خارجه، إذ كيف يتم اللقاء الحسي والتقارب بين الله والرسل المكلفة بنقل الكلام؟ فإذا كان البشر يتلقون الكلام من قوى ملائكية فممن يتلقى الملائكة هذا الكلام؟ 

لن نخرج من هذا الدور إلاّ بمعرفة دلالة ومفهوم لفظ "الله" في القرآن، وعندها سنفهم أنّ كلام الله موجود في الكتاب الذي فطره وأنّ صياغة القرآن جاءت من داخل هذا الكون. ولنقرأ الشواهد القرآنية التالية لنستبين الدليل: 

" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (59)"  النساء:59 

و أول سؤال يتبادر إلى القارئ هو: من يتحدث في هذه الآية ومن يطالبنا بطاعة الله. أهو الله نفسه فاطر السماوات والأرض؟ 

سنرى فيما سيلحق من قواعد أنّ ألفاظ القرآن وخطابه حق وأنّ المفرد فيه مفرد والمثنى فيه مثنى والجمع فيه جمع وأنّ اللفظ يحمل دلالته دون حاجة لمجاز أو تورية أو تقدير محذوف، ولهذا فالذي يطالبنا بالطاعة ليس الله والمتحدث هنا يأمرنا أن نطيع الله. وهذا المتحدث الذي صاغ القرآن كائن مباين لمن فطر السماوات والأرض ومن فطره هو بالذات. ونرى في آيات القرآن أنّ هذا المتحدث يدخل في الزمن ويخضع لسنن الكون على أنّه يحمل الحق الكوني كله. 

ويقرن هذا المتحدث طاعة الله بطاعة الرسول وأولي الأمر، وتتبع لفظ الطاعة في القرآن يدلنا على دليلها الذي هو اللين في قبول الأمر والاستسلام له دون رفض أو مواجهة. 

فطاعة الله هي قبول لسننه الكونية وحدود التعامل معها وهي بهذا دعوة ضمنية لمعرفتها بالبحث العلمي المتصل، وطاعة الرسول هي قبول لرسالته فيما أنزل من كتب فهي تأتي بعد طاعة الله وعلى الإنسانية أن تفقه أنّ طاعة الله سابقة على طاعة الرسالة إذ يمكن أن تختلف الفهوم في الرسالة وتتباين عكس بينات الكون التي لا تترك حديثا لمتحدث. 

و تدلنا الآية أنّ طاعة الرسالة متعلقة بفهمها وفهم الرسالة متعلق بفهمنا للكون المحيط بنا وسننه والذين ءامنوا (المجتمع الذين يأمن أفراده بعضهم بعضا أيّا كانت توجهاتهم) ومن يتولى أمورهم مطالبين بهذه الطاعة في تقابل واضح في الآية، وليس مقصد الآية أنّ "الذين ءامنوا مطالبين" بطاعة "أولي الأمر" إذ هذا يفرض أنّ لأولي الأمر معرفة الحق والإحاطة به وهذا محال وإنّما هذا تركيز من القرآن أنّ حال التنازع بين السلطة (أولي الأمر) والمواطن (الذين ءامنوا) يفصل بمعرفة السنن الكونية والرسالية. 

و هذا بلاغ ثان لتوضيح دلالة لفظ الله: 

"وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آَمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (41)"  الأنفال: 41 

هل الله فاطر السماوات والأرض محتاج لنصيب من الخمس؟؟ وهل الرسول كبشر يحق له استغلال منصب الرسالة للإستحواذ على نصيب من الخمس؟؟ 

هنا نجد إشكالية كبيرة في قراءة الأسلاف للبلاغ المبين بتقدير المحذوفات ولي ألفاظ الآيات والآية تقول أنّ لله نصيب من الخمس وللرسول كذالك كما أنّ لذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل!! 

و يفهم من هذا أنّ لفظ الله يعني ما يحمله الكون من سنن بما بثه فيه فاطره، ونصيب الخمس الأول يذهب لمعرفة السنن الكونية، أي في البحث العلمي، وحري بالإنسانية أن توجه جهودها كلّها لهذه الغاية، والنصيب الثاني في فهم الرسالة والأنصبة الأخرى في إعانة المستحقين والمستضعفين. 

فاطر السماوات والأرض لا يحمل إسما وكل "هُوَ" ظنّه الإنسان فليس "هُوَ" إذ الإسم في القرآن هو ما يحصر خصائص الموجود ويحده: 

"فَاطِرُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (11)"  الشورى:11 

فالمثل يدل في القرآن على موجودات تحمل بنية structure والذي ليس كمثله شيء ليس له بنية نحصر معرفته بها، فمثله ليس له مثل إلى ما لا نهاية من الأمثال التي ترسمه جملة "كمثله" ليس له مثل ليتضح غياب البنية وإبعاد أي محاولة لمعرفته. وما يحاوله الإنسان هو الإقتراب من معرفة أسماء الله الحسنى التي يزخر بها الكون المحيط بنا: 

"وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (180)"  الأعراف:180 

لن نستمر في هذا البحث طويلا وما قدمناه يمكن أن يمثل قاعدة مقبولة للإستمرار في توسيع القراءة فيه. ونسجل إذن أنّ الله بث في الكون كلمات منها ينطلق كلامه. فالكون يحمل كلماته وكلامه، وبصياغة الكلام من ربّ النبي وسيده المكلف به وتنزيل قوى ملائكية للوحي القرآني تمّ إنزال القرآن على قلب النبي الكريم ليبينه للناس لفظا ورسما. 

فآية الشورى 52 من الشورى تشرح لنا الجمع الملائكي المكلف بإيصال التنزيل: 

وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ ﴿51﴾ وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ۚ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴿52﴾

و قد يتصور القارئ أنّ الملائكة هي مخلوقات واعية والحقيقية أنّ القرآن يجعل منها مخلوقات خاضعة لنا تباعا بما أودع الله فيها من برنامج يسمح لنا بإخضاعها فهي كائنات نسجدها وستسجد لنا واحدة بعد الأخرى، فهي تمثل المكونات الأولى في العالم الميت (فيزياء) من كواركات ولبتونات وبريونات والمكونات الأولى في العالم الحي (بيولوجيا) من أحماض أمينية. 

إجتماع الملائكة مثّل روحا حفظ البلاغ المبين من الضياع والتبديل والتغيير حين تنزيله ولا تملك أي قوى كونية التأثير في عملية هذا التنزيل ولا في التنزيل ذاته وهذا الإجتماع شهري أي مكون من بعض الشهور الإثنا عشر (6 كواركات و6 لبتونات) وعلينا أن نطيل البحث في الكون لنعرف ما هي الشهور التي بإجتماعها تمّ تكوين شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن أي داخله وليس شهر رمضان عد لزمن بل كائن شهري. هذا الإجتماع الملائكي "الروح" هو من التشابه الذي قد نصل إلى استقرار نبأه يوما ما. فنحن في بداية الطفولة العلمية وما يظهر للناس اليوم وينبهرون به ليس إلاّ طورا بسيطا في حياة الإنسانية العلمية بترويضها للقوى الكهرومغناطيسية ووعرفتها ببعض ما في فيزياء الكم ونحن الآن أمام طور أكثر عطاء طور الثورة البيولوجية. 

كلام الله المنزل على قلب النبي حمله الروح إليه لفظا ورسما: 

"الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآَنَ (2) 

الرحمان 

فكل حرف في القرآن وكل رمز وكل إشارة وكل علامة هي من إسم الرحمان علينا وليس لبشر أي إضافة فيه. وقد ماد الناس في تخرصهم على البلاغ المبين وزعموا أنّ منزل القرآن أوكل إليهم وضع قوى الفعل فيه (حركات الإعراب والنقط) وإمكان قراءته ونسخه بالهيئة التي يرون. 

و الحق التاريخي أنّ قوم النبي يخطون العبارات بخط مفروق كالخط السرياني أو النبطي أو اليمني أو العبري أمّا نسخة القرءان فخطها موصول. 

فبدل الخلاصة المنطقية والبسيطة التي تشهد لها الحفريات أنّ قوم النبي بعد نزول القرآن ورؤية رسمه حاولوا تقليده وكذالك فعلوا إلاّ أنّ هذا التقليد لم يكن في كل قوى الفعل فيه ولا فيما يحويه من رموز بل سرعان ما انحسر في قوى فعل سبعة (الفتحة، الضمة، الكسرة، السكون، تنوين ضم؛ تنوين كسر، تنوين فتح) وتناسوا رموزا كثيرة فيه كما سيأتي بيانه لجهلهم بماهيتها ولأنّ نبأها لم يستقر بعد عندهم وعلى كل نشكرهم على مجهودهم لحفظ نسخته كما خطّها النبي الكريم محمد بيده وأتمّ تكليفه الثقيل بتبليغ القرآن لنا. فكيف إذن تناسى قوم النبي إيراد الرموز الأخرى في صحائفهم وهم من أبدعها !!!!!!!! 

فنحن لا نجد أصلا من قريب أو بعيد شيئا منها البتة في كتاباتهم القديمة والحديثة ونفس هذه الملاحظة تنطبق على التوراة في أسفارها الخمسة الأولى ففيها علامات ورموز لم يستطع الكهنوت لا فهمها ولا تقليدها. 

و كيف يكون حفظ القرآن دون حفظ لخطه ورسمه وعلاماته؟؟ ومع أنّنا نريد البرهان على حفظ النص القرآني بدراسة محتواه الرسمي والدلالي فلا يمكن لهذا الجهل أن يتواصل فإمّا أنّ القرآن رسالة وهي بالتالي كاملة عند تنزيلها وإمّا أنّه حديث وحدث تاريخي بشري وحينئذ فالعبث فيه وارد. 

فكلام الله لا يصح أن يُترك لبشر كي يضبطه إلاّ إذا اختلط الكلام البشري الأعجمي بكلام الله العربي: 

"وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ۖ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ ۗ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ ۖ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ۚ أُولَٰئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ ﴿44﴾ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ ۗ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ۚ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ ﴿45﴾ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴿46﴾" فصلت:44/46 

القرآن عربي أي أنّ ألفاظه تحمل بنية جذرية وأقرب مشتقات ع ر ب في القرآن: 

عربا 

أعراب 

فالعرب هي الفاكهة الظاهرة البائنة في أشجارها والتي تسهل رؤيتها من بعيد والأعراب هو الذي لا بيت يؤويه ليختفي فيه بل هو باد للرائي. 

و بقوى الفعل (حركات الإعراب كما يقال) والرموز المبثوثة فيه يبين ويصبح مبين، فكل حرف في القرآن فشكله ورسمه قرآني لا دخل للبشر فيه ولا يحسن البشر هذا الفعل أبدا في زمن قوم النبي بل لا يحسنه أي بشر فنهاية ما أبدعه البشر في عالم الرسم محاكاة لصور الطبيعة جعلوها خطا وتجدر الإشارة أن البحث في هذا الموضوع ذو أهمية قصوى لبيان أنّ القرآن صحيفة خالصة إضافة أنّ خط القرآن موصول وكل خطوط البشر قبله مفصولة. فالنص الرباني لا يمكنه أن يقبل دخول التعبيرات البشرية ولا الرسم البشري إليه فيختلط العربي الربّاني بالبشري الأعجمي.و ينبه القرآن أنّ القرآن برنامج كامل نزل على قلب النبي ولا يستطيع النبي الكريم خط القرآن من تلقاء نفسه ولو نزع منه هذا البرنامج لضاعت من قلبه كل الأرتال الملفات FILES 

"وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا (86)" الإسراء:86 

و هذه الآية تنفي النسيان عن النبي لما أوحي إليه من القرآن فهو برنامج مودع في قلبه لا يفارقه، ولو شغلّ الروح قوى تعطيل البرنامج لما استطاع النبي تذكره ولما استطاع خط شيء منه من تلقاء نفسه. 

و لا شك أنّ ملاحظة ما في القرآن من رموز ورسم يكفي لرفع اللبس. وسأقدم هنا بعضا من رموزه كي يزول إشكال من يزال يعتقد أنّ القرآن خطه الناس من تلقاء أنفسهم. 

ـ الفراغ (ما يطلق عليه السكون) 

يحوي القرآن أربع علامات لقوة الفعل هذه وهي معروضة في هذا البلاغ بأشكالها الأربع: 

"اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ ۗ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴿257﴾ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ۖ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴿258﴾ " البقرة 2/257 ـ 258 

و يستغرب الباحث من نسيان قوم النبي لهذه الرموز مع أنّهم هم من اخترعوها وأبدعوها، أم ربّما اخترعوها لضرورات المرحلة وغفلوا عنها فيما بعد. 

فما الذي دعا نساخ القرآن المتأخرين لإبقاء هذه القوة بهيئاتها الأربع؟ أليس المنطقي البشري أن يحتفظ النساخ برمز سكون واحد؟ 

لن أدخل الآن في دلالة قوى الفراغ في البلاغ المبين فهذا نرجئه لبحث مستقل وإنّما ألفت نظر القارئ لما لغت فيه روايات بعض الأسلاف ظلما وعدوانا على البلاغ المبين متهمين إياه أنّه أوكل رسمه لبشر. 

ـ رمز المد الموجي ويسميه الأسلاف مدّة 

نجد هذا الرمز فوق الكتب الثلاث "ا" ؛ "و" ؛ "ى": 

و نجدها فوق ثمانية حروف من حروف الفواتح هي(ل،ص،كـ،ع، س، مـ، ق، ن)

و نجد هذا الرمز فوق رمز الدفع وفوق رمز الجمع والرص ولنقرأ: 

" اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ۚ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ۚ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ۚ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ۚ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۖ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا ۚ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ﴿255" البقرة:255 

 

لا يمكننا إعتبار هذا الرمز مجرد تنبيه لوجود الهمزة بعده، إذ مجيئه في فواتح السور ينفي هذا الزعم، ولا يمكننا إعتباره مدّا وقد جاءت ألفاظ في القرآن غاب فيها هذا المد وكان نسخه فيها ضروريا وهي: 

قرءان ؛ ءامن؛ ءادم. 

و كل ناسخ ينسخها دون تردد: قرآن؛ آمن؛ آدم. 

إنّنا أمام رمز يحمل دلالة كونية وليس رمزا أتى للتجميل أو للتنبيه فقط. 

ـ رمز التجفيف (ميم صغيرة ناقصة) ورمز ميم الإستقرار (ميم كاملة) 

ـ رمز البث: 

"قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ۛ أَرْبَعِينَ سَنَةً ۛ يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ ۚ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ ﴿26﴾ " المائدة: 26 

و نجد هذا الرمز في الآيات التالية كذلك: 

"وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ۛ وَأَحْسِنُوا ۛ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴿195﴾ " البقرة: 2، 195 

" يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ ۛ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا ۛ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ ۖ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ ۖ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَٰذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا ۚ وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ۚ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ ۚ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿41﴾ " المائدة: 41 

"وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا ۛ أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ ﴿172﴾" الأعراف: 172 

" أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ ۛ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ ۛ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ ۚ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ ﴿9﴾" إبراهيم:9 

ما القصد من إيراد هذا الرمز بالذات في هذه الآيات بالتحديد وما هو دليلها. 

و مع أنّ الأسلاف زعموا أنّها تفيد "الوقف في أحد الموضعين وليس في كليهما"، وهذه إتهام للقرآن أنّه لا يحسن تحديد مواضع وقفه. 

لن نستطيع المضي طويلا في هذا التفصيل ولن نستطيع الآن أن نحدد بعض مفاهيم هذه الرموز فهذا يتطلب موضوعا مستقلا أو قل كتبا مستقلة ونكتفي هنا بإيراد بعض الرموز التي ظنّ الأسلاف أنّها علامات للوقف الجائز أو الوقف الواجب أو الوقف المسموح به، وعلامات زعموا أنّها لنطق المتروك وأخرى لإبدال نطق حرف بآخر، زاعمين أنّ النساخ هم الذين أضافوها بعد وفاة النبي من تلقاء أنفسهم !!! 

و لنضرب مثالا برمز "س" لنرى إشكالات حصر دلالة هذه الرموز في هيئة النطق أو في الوقف. 

ورد رمز "س" في القرآن فوق الكلمات: 

بصطه 

مرقدنا 

عوجا 

من 

بل 

وورد تحت الصاد في كلمة 

مصيطر 

ففي البلاغ التالي يمكننا أن نفترض أنّ رمز "س" وُضع لإفهام القارئ أنّ عليه تلفظ الصاد سينا، ومع ما في هذا القول من ظن إلاّ أنّه من غير المنطقي من الناحية النفسية أن أكتب حرفا وأضع فوقه الحرف الذي أريد من القارئ التلفظ به ولنبصر: 

" أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ ۚ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً ۖ فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴿69﴾" الأعراف:69 

و قد يظن الباحث أنّ هذا الرمز ورد في نسخة القرآن ليرشدنا إلى النطق الصحيح لحروف القرآن وقرب نطق السين من الصاد، وحينها فإنّ لصائغ القرآن غاية من كل رمز يضعه. خاصة وأنّ نفس اللفظ ورد بالسين في البلاغ التالي: 

" وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَىٰ وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴿248﴾ " البقرة:248 

و لكنّ الأمور تتعقد ونحن نرى أنّ الرمز "س" ورد في بلاغات أخرى لا علاقة لها بالنطق وضروراته و ندرك أنّ الأمر أعمق وأدق من تحديد نطق حرف، بل يتجاوزه لرسم دليل الحرف وماهيته الكونية التي استسمح القارئ عدم الخوض فيها في هذا البحث. 

هذه الملاحظات مهمة في ترسيخ فكرة أنّ كل خط في القرآن وكل رمز وكل رسم وكل رقم له أهميته ليتم به إنزال الكتاب (الكون) في القرآن، وظن بعض النساخ أنّ هذه الرموز تجميلية قادهم إلى إغفال بعضها متسببين بذلك في جريمة كبيرة وهي المساس بالنص القرآني. والقرآن بما يحمل من بنية داخلية لا تسمح فقط بالتدليل على علوه وإنّما تسمح كذالك بمعرفة التعديلات الدخيلة عليه. 

و لا ننهي هذه الملاحظات دون التعريج إلى ما أغفله الأسلاف ولم يعلقوا عليه شاكرين لهم حفظهم لنسخة النص 

القرآني كما خطه الرسول الكريم ونجمل ما أغفلوا التعليق عليه في هذه البلاغات: 

و نترك القارئ أمام ما يظهر أنّه طلاسم لكي يطمئن أنّ القرآن يحوي رسمه ولا يمكن أن يختلط بهذا الكلام العربي كلاما أعجميا. 

ما عرضته هنا من رموز هو دفع للقارئ لينظر فيما يحويه القرآن من مفاتيح لقراءته من داخله دونما حاجة لعكاز خارجي، وما عرضته ينفي أن يكون دلالة هذه الرموز هو ما عرضه الأسلاف واعتبروه دليلا للوقف أو النطق أو التلاوة حصرا. وفي القرآن رموز أخرى لم أعرضها تبين أنّ القرآن نزل بعلم الله وكل ظن أنّ البشر يستطيعون ملء نقصه بقوى فعل (حركات أو رموز) ابتدعوها هم أو برسم لحروف اخترعوها هم توهم أنّ علمهم أكبر من علم الله. 

و أقول أنّ نسخة القرآن كلّ متكامل والتفاعل معه يبدأ بفهم دليل رسومه لإيجاد بنيته ونقاط الوصل بينه وبين الكون الفسيح لتتولد منه المعرفة وتتعاظم. 

إنّ هذا الكتاب رسالة للناس جميعا بكل أطيافهم الفكرية والعقائدية وكل لغات البشر أعجمية أمامه وعلى الإنسانية أن تقرأه على أساس أنّه لغة كونية لهم جميعا: 

"يآيها النّاس إنّى رسول الله إليكم جميعا الّذي له ملك السّموات والأرض، لآ إله إلاّ هو يحي ويميت، فأمِنوا بالله ورسوله النّبيّ الأمّيّ الّذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلّكم تهتدون"  الأعراف 

و القرآن إذن ينبغي أن يُقرأ على أساس أنّه خطاب للناس جميعا لم يأت جزء منه لخطاب طائفة دون أخرى فهو رحمة للعالمين أي مجموع المخلوقات في الكون التي عُلِّمت لتعلم:

"ومآ أرسلناك إلاّ رحمة للعالمين" الأنبياء

و بالرحمة ينبغي أن يُقرأ، إذ لا يُمكن أن يصل مجتمع إنساني مهما بلغ من تقدم إلى مستوى يصبح فيه أفراده ومؤسساته أرحم بالناس من رسالة من خلقهم، وعند تخيلنا لمثل هذا علينا أن نتهم قراءتنا للبلاغ المبين ومنهجنا في التفاعل معه.

و أختم هذا الجزء منبها أنّ آيات القرآن تقرأ كنص كامل بما تحمل من هندسة خاصة بها ورسم خاص ورموز متكاثفة وقوى فعل متباينة لتتضح دلالتها وكذلك السور وكذلك القرآن كله. أليس القرآن إسقاط للكتاب، فلماذا ينفق الناس المليارات ويجهدون أنفسهم السنين الطوال ويراكمون معرفتهم معلومة معلومة لدراسة ظاهرة كونية ويتعاملون مع نصوص القرآن تعامل الكسالى.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

معارج التأويل البيولوجي للفاتح الم

  معارج التأويل في سفينة المـ في تقابل بنآء النص القرءاني مع بنآء الأحياء البيولوجي   ملاحظة تحتاج قراءة هذا البحث شيئا من القدرة على معفرة الذنوب فصاحبه ليس مختصا في البيولوجيا و لكنه متطفل عليها أرغمه القرءان على الدخول إلى أبوابها و لعل كتابة هذا البحث تملي على قارئه أن يعود إلى قرائته ثانية إن كان مثلي متطفل على البيولوجيا. ---------   هي رحلة ، حكاية عن رحلة مع ءايات سورة أل عمران و فاتحها الذي جعلني أكتشف نفسي، أكتشف مقدار التعاسة التي أحملها ظالما للقرءان، إكتشاف رهيب جعلني أرى صورتي الفرعونية الصغيرة و هي تحاول أن تقحم القرءان أن تدخله في البوتقة التي تريد أن تعنفه ليصل إلى مبتغاها مستعملة كل الوسائل. بعد كشف رهيب في الفاتح المـ البقرة ظننت أن القرءان سيواصل معي رحلة البنية اللفظية ، رحلة كشف البنآء القرءاني أخيرا. و لكنّه قادني بل هداني إلى ما لم أكن أتصوره يوما ، ما لم يخطر ببالي حتى في أعظم أحلامي. لعلنّي و لأول مرة أتسور القرءان و أدخل في باحة صغرى من باحاته لأرى حجم العمارة.     المـ ، كتاب علمني أن أساير النص ، أن أتركه يقود ، أ...

الفواتح مفاتيح الغيب المنتظر | الجزء الأوّل | مفتاح البنآء "الٓمٓـ" البقرة

  الفواتح مفاتيح الغيب المنتظر الجزء الأوّل مفتاح البنآء   الٓمٓـ البقرة   " وَمِنۡهُمۡ أُمِّيُّونَ لَا يَعۡلَمُونَ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّآ أَمَانِيَّ وَإِنۡ هُمۡ إِلَّا يَظُنُّونَ " البقرة 77 في المصحف الذي بين أيدينا ما يشبه الأكواد في بعض السور ، في 29 سورة من سور القرءان أكواد 14 عشر. أكواد أبجدية غريبة لا علامات إعراب فيها و بعض علاماتها تحمل رمزا غريبا، رمزا يشبه الموجة المنكسرة     هذه الأكواد الأربعة عشر لا تشبه كلمات  القرءان الأخرى و تلاوتها هجائية في أغلبها فالكود  الٓمٓـ ينطق الف لام ميم و الكود كٓهيعٓصٓ ينطق " كاف هـ يـ عين صاد " ، فالكاف و العين و الصاد تهّجى  أمّا الهاء و الياء  و الصاد فتنطق بلا إضافات ، يـ و ليس ياء و هـ و ليس هاء. هكذا تم نقل نطقها منذ أن نطق بها النبي و واصل الناس نطقها في نسك الصَّلَوٰةَ فمن خلاله تأصّل هذا النطق و استقر.   لم يسبق أنّ شكك أحد في نسبة هذه الفواتح لنص القرءان إلاّ المستشرقون فالقرءان عندهم من تأليف النبي بل و في بعض أجزاءه من تأليف غيره و ما دام النبي هو من ألّف هذا القرءان...

الجزء الثالث | المـ التنزيل - خطوة أولى في طريق فهم البنآء القرءاني

  المـ التنزيل خطوة أولى في طريق فهم البنآء القرءاني   " وَإِن يُرِيدُوٓاْ أَن يَخۡدَعُوكَ فَإِنَّ حَسۡبَكَ ٱللَّهُۚ هُوَ ٱلَّذِيٓ أَيَّدَكَ بِنَصۡرِهِۦ وَبِٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡۚ لَوۡ أَنفَقۡتَ مَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا مَّآ أَلَّفۡتَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيۡنَهُمۡۚ إِنَّهُۥ عَزِيزٌ حَكِيمٞ " نقلنا الفاتح المـ آل عمران إلى بحث الثنائيات ، و الذي نقلنا إليها فاصلة آل عمران بين الفاتح و حديث السورة عن الكتاب المـ " الٓمٓـ (1) ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡحَىُّ ٱلۡقَيُّومُ (2) نَزَّلَ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقٗا لِّمَا  بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَ أَنزَلَ ٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ (3)" عبارة الحي القيوم وضعتنا على فكرة الإرتباط فلا يرد القيوم في القرءان إلا مرتبطا بالحي ثم لما تلونا الكلمات التي تبدأ بالكتاب المـ كما فعلنا في سورة البقرة وقعنا على المفاجأة الغير المنتظرة و هي بداية تسلسل المجموعة و نهايتها بنفس الثنائية الميعاد  - المهاد ثم مفاجأة تشابه كلمات الثنائية المـ  ـيعـ   ـاد...