التخطي إلى المحتوى الرئيسي

خطوات في تأسيس منهج قراءة القرءان (6)

 

لفظة "مثل" في القرءان هي التي كشفت عن وجود البنية الداخلية في القرءان كما أقررناه في القاعدة الثانية من بحث المنهج و سارت بنا الآيات منشئة بالمثلية وحدة القرءان الكليّة و لفظة "مثل" نفسها هي من سيكشف لنا عن وجود الوحدة الموضوعية في كل سورة من سور القرءان و كأنّها جزر تنفصل لتتصل و تتشابك بجسور تمدها طيورها بل إنّ هذه اللفظة ستكشف لنا ما هو أبعد و أغور و هو أنّ لكل سورة بصمتها و توقيعها وبناءها الداخلي الخاص و سنحاول كالعادة قبل التفصيل تحديد مفهوم لفظ "السورة" بالمشترك اللفظي على مستوى الجذر العربي:

س ر

أقرب مشتقات لفظ" السورة" في القرءان هي الألفاظ التالية:

تسوّروا

سِر

سور

أساور

أسورة

وكلها تدل على انغلاق الشيء على نفسه حلقيا ووجود فتحة أو فتحات تسمح بالنفاذ إلى ساحته وولوج محتواه وجنّته. فالسر هو الأمر المكتوم المخفي عن الأخرين ونافذته هو من يخفيه، والسور يعبر عن بنيان متصل وفي تسوره منافذ يدخل منها الداخلون والأساور هي الثياب الساترة لكل الجسم إلاّ من منافذه الضرورية. والأسورة بفعل التاء المربوطة هي ما أحاط الجسم من ثياب دون أن تبلى أو تنتن أو يحتاج المرء لتنظيفها بفعل حفظ طاقتها في تاءها المربوطة وليعذرني القارئ أنّني لم أدخل دائرة المفاهيم في هذه الألفاظ وبقيت في دائرة المعاني ليتضح المراد.

بالملاحظات السابقة نحاول الآن بالمشترك اللفظي تحديد مفهوم اللفظ "سورة" لنقارنه بالمعاني السابقة وأوّل الملاحظات أنّ السورة وحدة ولنقرأ:

وَإِن كُنتُمۡ فِي رَيۡبٖ مِّمَّا نَزَّلۡنَا عَلَىٰ عَبۡدِنَا فَأۡتُواْ بِسُورَةٖ مِّن مِّثۡلِهِۦ وَٱدۡعُواْ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ (23) فَإِن لَّمۡ تَفۡعَلُواْ وَلَن تَفۡعَلُواْ فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلۡحِجَارَةُۖ أُعِدَّتۡ لِلۡكَٰفِرِينَ (24) وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنۡهَا مِن ثَمَرَةٖ رِّزۡقٗا قَالُواْ هَٰذَا ٱلَّذِي رُزِقۡنَا مِن قَبۡلُۖ وَأُتُواْ بِهِۦ مُتَشَٰبِهٗاۖ وَلَهُمۡ فِيهَآ أَزۡوَٰجٞ مُّطَهَّرَةٞۖ وَهُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ (25)

البقرة

كنّا فيما سبق في بحوث المنهج أكدنا أنّ ورود لفظ المثلية "من مثله" يدل على أنّ الشيء يحمل بنية، فالسورة في القرءان وحدة بنيوية فكل سورة تحمل بصمتها الخاصة التي تجعلها مستقلة عن غيرها من حيث تمييزها.

والقرءان يؤكد أنّ هذا يشمل كل سورة من سوره لورود لفظ "مِن" في ءاية البقرة:٢٣ وهو يؤكد إستحالة الإتيان ببنية سُوَرية منّ الناس في أي موضوع يخطونه ويسطرونه حيث يكون تقابل البناء اللفظي مع موضوعه تقابلا سُوَريا.

إنّ القرءان يذهب أبعد فهو يقرر أنّه هو نفسه سورة:

وَمَا كَانَ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانُ أَن يُفۡتَرَىٰ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَٰكِن تَصۡدِيقَ ٱلَّذِي بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَتَفۡصِيلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَا رَيۡبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ (37) أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۖ قُلۡ فَأۡتُواْ بِسُورَةٖ مِّثۡلِهِۦ وَٱدۡعُواْ مَنِ ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ (38) بَلۡ كَذَّبُواْ بِمَا لَمۡ يُحِيطُواْ بِعِلۡمِهِۦ وَلَمَّا يَأۡتِهِمۡ تَأۡوِيلُهُۥۚ كَذَٰلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۖ فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلظَّٰلِمِينَ (39) وَمِنۡهُم مَّن يُؤۡمِنُ بِهِۦ وَمِنۡهُم مَّن لَّا يُؤۡمِنُ بِهِۦۚ وَرَبُّكَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُفۡسِدِينَ (40) وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّي عَمَلِي وَلَكُمۡ عَمَلُكُمۡۖ أَنتُم بَرِيٓ‍ُٔونَ مِمَّآ أَعۡمَلُ وَأَنَا۠ بَرِيٓءٞ مِّمَّا تَعۡمَلُونَ (41)

يونس

وتختفي في الآية ٣٨ أداة " من" ليجعل القرءان نفسه سورة. فالقول أن القرءان سورة مؤلف من سور يجعلنا نرى مفهوم السورة بمجرد قراءتنا لهذا المشترك اللفظي، فالسورة هي ترابط بين أجزاء الشيء و انغلاق هذا الشيء على نفسه و لمّا كان القرءان سورة فنهاية كل سورة من سوره و بداية التي تليها هي المنفذ المؤدي إلى دخول ساحته و نفس المنطق يسير داخل كل سورة، فنهاية ءاية و بداية التي تليها منفذ يسمح بدخولهما و نهاية كل لفظ و بداية الذي يليه و نهاية رمز و بداية الذي يليه، كل هذه منافذ تسمح بالدخول إلى ساحة السورة.

إنّ هذا سيمضي بنا بعيدا إذ حتى اللفظ وحده في القرءان سورة والرمز سورة ولذلك فأداة "من" في ءاية البقرة :٢٣

 وَإِن كُنتُمۡ فِي رَيۡبٖ مِّمَّا نَزَّلۡنَا عَلَىٰ عَبۡدِنَا فَأۡتُواْ بِسُورَةٖ مِّن مِّثۡلِهِۦ وَٱدۡعُواْ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ (23)

تجعل مفهوم السورة يسير على كل علامة في القرءان.

فالسورة كمفهوم متعلق بضم أجزاء الشيء إلى بعضه ورصّها لإخفاء مضمونها الداخلي وبث المنافذ في حلقة انغلاقها للسماح بدخول ساحتها.

القرءان وحدة سورية وءايات سورة يونس أعلاه تؤكد أنّ اختراع القرءان أي بتعبير القرءان افترائه "افتراه " لا يمكن من دون معرفة محيطة بالسنن الكونية:

"و ما كان هذا القرءان أن يُفترى من دون االله"

هذه الإحاطة بالسنن هي التي تجعل من صاغ القرءان لا يخشى أن تبطل كشوف العلم الحقائق التي أقرّها فهو يقول أنّ القرءان تصديق الذي بين يديه أي تصديق لما سيخرج من كشف علمي مستقبلي وتجعله يقول أنّ القرءان هو تفصيل الكتاب أي ربط لكل أجزاء الكون في صحيفته ويؤكد من صاغ القرءان أنّ تكذيب القرءان منشأه عدم الإحاطة وعدم قبول الإنسان لفكرة التشابه فيه.

فالسبب الأساسي في تكذيب القرءان هو رغبة الإنسان و عجلته في الإحاطة بكل شيء في لحظة حياته الدنيوية بدل العمل على إستقرار النبأ في بعض الحقائق الأتي بعد طول الجهد. و آيات يونس أعلاه تذهب بنّا بعيدا فهي تقول أنّ هدف الهدى القرءاني هو الوصول إلى الإيمان، مرحلة الأمن الذاتي و تأمين الأخرين أي ما نسميه بلغتنا مرحلة البحث العلمي المفتوح على كل النتائج ولكن من الناس من يصل إلى هذه الطور المتقدم دون هدي القرءان:

"ومنهم من لا يؤمن به"

وحينها فالغاية هي البعد عن المفسدين والسير في إصلاح الأرض والعمران.

عودة إلى الموضوع الأصلي. فتقرير القرءان أنّه بنية سورية تلزم قارئه أن يتسوره وفق هذا الترتيب و قراءته بترتيبه في المصحف ضرورة عائدة لهذا الترابط الحلقي فيه و أي محاولة لكسر هذا الترابط فيه أو قراءته حسب نزوله التاريخي كما يقول الكهنوت و من استثمر فيما سطروه هو تمزيق لبنية القرءان السورية و تقسيمه عضين:

كَمَآ أَنزَلۡنَا عَلَى ٱلۡمُقۡتَسِمِينَ (90) ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلۡقُرۡءَانَ عِضِينَ (91)

الحجر

و يرى القارئ محقا أنني في كل بحوث المنهج جعلت القرءان عضين لضرورات البحث و سأحاول جاهدا بعد نهاية هذه البحوث في المنهج الإلتزام و البقاء حبيس البنية السورية في القرءان و إن كان الأمر غير متعود عليه.

فتخاريف تقسيم القرءان إلى مكّي و مدني لحصره في التاريخ و محاولة معرفة تأريخ نزول ءاياته لكسر الوحدة الموضوعية في سوره فيه دليل واضح أن الكهنوت لم يصدق يوما أنّ القرءان كلام االله و رسالته بل اعتبر سوره تصفيف الآيات وفق نظام إعتباطي ذوقي و أن لا تسلسل و لا تفصيل بين ءايات السورة الواحدة بل و لا تفصيل بين السور و أنّ النظام فيه مجرد إجتهاد بشري قام به النبي الكريم أو أصحابه من بعده. القرءان يقص علينا الحدث الكوني منذ الفجر (الإنفجار الكبير) و هو يقص علينا بناء السور الكونية وفق ترتيبها في الحدث الكوني و حتى يتم عقل ترتيب السور القرءانية بالسور الكونية (الذرات ١١٤) سيمر علينا وقت وزمن طويل و طويل جدّا لإستقرار هذا النبأ.

و إذ نحن في بداية الكشف العلمي سنخط هذه العبارات لمن يأتي بعدنا ليحاول الربط، و بمحاولته سيجعل من القرءان مولّدا للمعرفة و ليس شاهدا عليها فحسب. القرءان وحدة سورية بنيوية أي وحدة آليّة متكاملة. فللقرءان سور وهو سورة ما يجعل من مفهوم السورة تعبير عن ضم الأجزاء إلى بعضها لتظهر وحدة. وكل جزء هو في صميم الوحدة ويسعى إلى إظهارها وليس نشازا يعمل في غير سبيل موضوعها كأنّه منفصل عنها فاتكا لوحدتها. و يزيد القرءان هذه الوحدة توضيحا بتأكيده على إحكام كل سورة من سوره ولنقرأ:

وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَوۡلَا نُزِّلَتۡ سُورَةٞۖ فَإِذَآ أُنزِلَتۡ سُورَةٞ مُّحۡكَمَةٞ وَذُكِرَ فِيهَا ٱلۡقِتَالُ رَأَيۡتَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ يَنظُرُونَ إِلَيۡكَ نَظَرَ ٱلۡمَغۡشِيِّ عَلَيۡهِ مِنَ ٱلۡمَوۡتِۖ فَأَوۡلَىٰ لَهُمۡ (20) طَاعَةٞ وَقَوۡلٞ مَّعۡرُوفٞۚ فَإِذَا عَزَمَ ٱلۡأَمۡرُ فَلَوۡ صَدَقُواْ ٱللَّهَ لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۡ (21) فَهَلۡ عَسَيۡتُمۡ إِن تَوَلَّيۡتُمۡ أَن تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَتُقَطِّعُوٓاْ أَرۡحَامَكُمۡ (22) أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فَأَصَمَّهُمۡ وَأَعۡمَىٰٓ أَبۡصَٰرَهُمۡ (23) أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَ أَمۡ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقۡفَالُهَآ (24)  

محمد

الإحكام مفهوم متعلق بضبط الأجزاء في بناء يجعل أي نقص أو زيادة في المحتوى يأتي على استقرار البناء. فإضافة لفظ "محكمة "في الآية ٢٠ من سورة محمد تضعنا في إشكال كبير وكأنّ بقية سور القرءان غير محكمة!!!!

جاءت لفظة "محكمة" لوصف السور التي أتت فيها لفظة "قتالُ" تحديدا لكن إن أمعنا النظر في الآية فسنجد أنّ رمز "لا" ورود فوق لفظ "قتال" للدلالة على أنّ المقصود ليس هذا اللفظ تحديدا بل كل مشتقاته و سنضطر إلى البحث عن كل السور التي ورد فيها لفظ القتال و مشتقاته لنستقرئ بعدها السورة المقصودة بالإحكام، و علينا قبل البدء في هذا العمل أن نسأل:

هل يعني أنّ الإحكام في هذه السورة المبتغاة يستتبع أنّ غيرها من السور ليست محكمات؟ لنعد إلى ءايات سورة محمد ولنقرأ:

وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَوۡلَا نُزِّلَتۡ سُورَةٞۖ فَإِذَآ أُنزِلَتۡ سُورَةٞ مُّحۡكَمَةٞ وَذُكِرَ فِيهَا ٱلۡقِتَالُ رَأَيۡتَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ يَنظُرُونَ إِلَيۡكَ نَظَرَ ٱلۡمَغۡشِيِّ عَلَيۡهِ مِنَ ٱلۡمَوۡتِۖ فَأَوۡلَىٰ لَهُمۡ (20)

محمد

"أنزلت"، ففعل نزّل متعلق بنقل و لنلاحظ الهندسة بين فعلي "نُزّلت" و محتوى التنزيل من الرّب إلى قلب النبي رسالة أما الإنزال فهو مفهوم متعلق بإسقاط السورة الكونية في الصحيفة القرءانية و هنا نفهم أنّ السورة المقصودة بالإحكام قُصد منه التعريف أنّها نزلت دفعة واحدة على قلب النبي، و أترك تحديدها للقارئ.

و لنسر قليلا بالمشترك اللفظي لنوضح أكثر مفهوم السورة في القرءان فقد سبق أنّ هذا المفهوم متعلق بضم الأجزاء إلى بعضها و رصّها لتظهر وحدة متكاملة و أنّ هذه السورة تفتح في تسورها نوافذ تسمح بالدخول إلى جنّتها و قلبها و نزيد هنا أنّ نقطتي التاء المربوطة في لفظ "سورة" تجعل خروج الحي منها من وظيفة القارئ فعلينا أن نبصر هيروغليفيا نقطتي التاء المربوطة في بعد ثالث لنراها داخل الفضاء و ليس خارجه.

فطاقة السورة تحتاج إلى من يفجرّ سرّها المودع فيها كما سيأتي بيانه. و لنمض الآن مع القرءان لنعمق هذا المعنى ولنقرأ:

سُورَةٌ أَنزَلۡنَٰهَا وَفَرَضۡنَٰهَا وَأَنزَلۡنَا فِيهَآ ءَايَٰتِۢ بَيِّنَٰتٖ لَّعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ (1)

النور

إنّ سورة النور عطاء ربّاني و درّ من دون إلحاح كبير من القارئ و هكذا هي تضع نفسها. إذ مفهوم الفرض في القرءان مفهوم متعلق بالعطاء من دون إلحاح من الطالب فالبقرة الفارض هي من تعطي حليبها أو عملها دون إلحاح من طالبها. وسورة النور إذن كغيرها سورة كونية أُنزلت وهي تدل على فرضها بعنوانها "سورة النور". وهذا النور الهادي هو فرض علينا لنرى ءاياته تنساب دون عناء. فبداية سورة النور توضح أنّ السورة هي وحدة موضوعية تسعى لهدف و غاية و خيط موضوعها الأول هو عنوانها وهي وحدة مستقلة تحمل بصمتها و بنيتها المعبرة عن ذاتها منفردة عن بنى غيرها من السور. وهذا المعنى يجعلنا نرى كلّ سورة تحمل سر وصولها إلى هيئتها وماهيتها بطريق منفرد.

والقرءان بطبيعة الحال لا يجعل البنية السورية بالإشارة اللفظية فهو كالعادة يحيط حقائقه بشبكة معلوماتية لا يستقر أحدها حتى يؤكده الأخر حتى ينقطع نفس الشك والريب في الحق الذي يريد إيصاله ويبدأ القرءان في بيان حقائق البنية السورية في بث رمز غريب تحت لفظ "سورة" في كل سورة منه وبتمعن نرى الرمز يشير إلى لفظ:

سر

ولنلاحظ جيّدا هذا المثال: 



وجود لفظة سر تحت لفظ سورة في كل سورة قرءانية تجعلنا نؤكد على الوحدة الموضوعية للسورة و أنّ إحكامها مبطن و ما يظهر أنّه حشو عبارات في بطن النص القرءاني داخل كل سورة ليس إلاّ وهما بصريا فكل رمز و كل حرف و كل رقم يشارك للوصول إلى الوحدة الموضوعية في السورة.

و أنبه أنّ لفظة سر موجودة تحت لفظ "سورة" و تحت عنوان السورة في تسع سور قرءانية:

يونس ـ الإسراء ـ الشعراء ـ السجدة ـ الشورى ـ المرسلات ـ عبس ـ الشرح

ـ المسد

و لعلّ القارئ انتبه أنّ لفظة "سر "موجودة دائما تحت حرف السين أو الشين و قد يظن أنّ هذه اللفظة ليست "سر" بل هو نفسه الحرف "س" وضع تحت السين المكتوب في سورة و تحت سين كل السور التسعة السابقة للدلالة على نطقه و حينئذ علينا تفسير سبب ورود هذا الحرف تحت الشين في السور التالية:

الشعراء ـ الشورى ـ الشرح

ربّما يفترض القارئ أنّ أسماء هذه السور كانت في نسختها الأولى:

السعراء ـ السورى ـ السرح

و أنّ تنقيط المصحف فيما بعد هو من حرّف هذه العناوين ليجعلها تستقيم مع اللغة الجزيرية. وهذا إفتراض سوّي خاصة و أنّ هيروغليفيا الشين "ش" تشبه هيروغليفيا السين "س" و أنّ الرمز "سر" وُضع تحت سين "سورة" ما يدل على أن المراد ليس ترميزا طلسميا بل خطأ مطبعي أراد منه ناسخه تعين نطق السين. ولكن هذه الفرضية تفتقد الدليل لأنّ رمز السين "س" موجود في القرءان:

و هيئة " سر" مختلفة عن هيئة "س" و لو كان القصد من الرمز "سر" هو "س" بإفتراض أنّ النساخ هم من مدّد عقف السين ليصبح راءا ، لما غاب هذا الرمز تحت سينات و شينات السور التالية:

النساء ـ يوسف ـ سبأ ـ يس ـ الإنسان ـ الحشر ـ الإنشقاق ـ الغاشية ـ قريش ـ

الشمس ـ الناس

لو كان الرمز يشير إلى نطق السين أو الشين لكان يجب أن يأتي الرمز في هذه السور ما يجعلنا نؤكد على أنّ هذا الرمز للتأكيد على سر ماهية الوحدة في السورة.

إنّ كل سورة تحمل سرّ نظامها و بنيتها و تقابلها مع السورة الكونية فيها و ليزيدنا القرءان توضيحا و ترسيخا لهذا المعنى أورد في عناوين السور رموزا متنوعة لم تُدرس بعد لطغيان الكهنوت الأعمى على قراءة القرءان.  و أي مبصر لعنوان السور القرءانية سيلاحظ طيورا تحلّق و بعضها أبعد من بعض إن لاحظ القارئ العنوان في أبعاد ثلاثة أحدها العمق الغائب في صحيفتنا ذات البعدين. فوجود هذه الطيور في عنوان كل سورة ليس عبثيا إذ نلاحظ إختلاف عدد الطيور في عناوين السور موزعة حسب هذا الجدول

 


وقد يظنّ القارئ أنّ هذا الرمز وُضع للتجميل وحينها نسأل كيف بقي رمز "سر" تحت لفظ " سورة" في كل سور القرءان واختلف عدد الطيور في سور القرءان!!!!!!!

ونسجل هنا ملاحظات ضرورية، فلم يرد رمز الطير على لفظ "سورة" إلاّ في الفاتحة و البقرة و غاب عن عنوان عشرين سورة وورد بطيور ثلاث في ثلاث سور تحديدا. و السؤال الجوهري هو في دلالة هذا الرمز. الطير رمز لحمل رسالة و الإنتقال بها و تركيز رسم الطير على جناحيه في القرءان بدل باقي جسمه يؤكد هذا المعنى و نرى أنّ ورود هذا الرمز فوق" سورة" الفاتحة و البقرة و غيابه فوق عنوانهما و بلوغ عدد الطيور ثلاث كحد أقصى فوق عناوين السور له دلالته في الجواب على هذا السؤال.

و سأكتفي هنا بالتأكيد أنّ رمز الطير يعبر عن العلاقة الشبكية الموجودة بين السور دون أن أدخل عالم القراءة الفسيح. وغياب الطير عن بعض عناوين السور يجعلها أشبه بالوحدات المستقلة عن باقي السور و بمقابلتها بالسور الكونية نرى السور القرءانية المستقلة وحدات تصور الحدث الكوني في نشوء بعض السور الكونية إستقلالاً في إنقطاع بين نشوء السور الكونية الأولى بعد الإنفجار الكبير و إنقطاع نشوء الأخرى إلى تكون النجوم و الأفران النووية في عمق المجرات. فشبكة السور القرءانية هي نفسها شبكة نشأة السور الكونية (الذرات) في تقابل تام يحتاج إلى كشف. إنّ ترابط السور الحلقي والشبكي وإحكام الربط بين السورة والتي تليها يشرح الحدث الكوني في ظهور السور الكونية بتتابعها في نظام علينا بحثه. وسبق وأن ظن الناس أن ترتيب السور تمّ بتقدير طولها والأمر ليس كذلك. و يكفي دليلا أنّ فاتحة القرءان سورة قصيرة.

إنّ عناوين السور ليست دائما متعلقة بلفظ مبثوث في داخلها فسورة الفاتحة لا تحوي في نصّها لفظ" فاتحة" أو أحد مشتقاتها و سورة الإخلاص آذلك لا تحوي لفظ الإخلاص أو أحد مشتقاته وهذا يوضح أنّ العنوان يصور الموضوع و ليس مرتبطا بإسم أو لفظ داخل نفس السورة. و نلاحظ الفروق في رسم بعض العناوين و ألفاظها المستقاة منها في داخل السور:

سورة المنافقون / منـ ا ـفقون

سورة الصافات / الصـ ا ـفـ ا ـت

سورة الذاريات / الذاريـ ا ـت

أو التطابق بين الألفاظ والعناوين في بعضها:

سورة الأنفال / الأنفال

سورة الفرقان / الفرقان

سورة الأحقاف / الأحقاف

أو اشتقاق العنوان من لفظ داخل نص السورة:

السجدة ـ المجادلة ـ الممتحنة ـ التكوير....

وملاحظة أخيرة في هذا السياق تستحق الوقوف، إذ عناوين بعض السور يظهر و كأنّ فيها خطأ نحوي حسب لغو قواعد النحويين:

سورة المؤمنون

سورة المنافقون

سورة الكافرون

وبفعل فاعل جاءت سورة مسايرة لتسميتهم:

سورة المطففين

ومع هذا فإنّ القاعدة عند النحويين هي الشاذ أي من أربعة أمثلة بنو قاعدة من مثال واحد واعتبروا الثلاث شواذ!!!

إنّ جمع سورة جعله الناس سور وبحوث المنهج السابقة أكدت أنّ القرءان بنية و ليس قواعد نحوية و أنّ البنية اللفظية فيه وظيفية و ليست قواعد يخضع لها الرّب في صياغة القرءان فسور حذفت منها التاء المربوطة لتشير إلى مفهوم كما سيظهر:

 

فَلَعَلَّكَ تَارِكُۢ بَعۡضَ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيۡكَ وَضَآئِقُۢ بِهِۦ صَدۡرُكَ أَن يَقُولُواْ لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡهِ كَنزٌ أَوۡ جَآءَ مَعَهُۥ مَلَكٌۚ إِنَّمَآ أَنتَ نَذِيرٞۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ وَكِيلٌ (12) أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۖ قُلۡ فَأۡتُواْ بِعَشۡرِ سُوَرٖ مِّثۡلِهِۦ مُفۡتَرَيَٰتٖ وَٱدۡعُواْ مَنِ ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ (13) فَإِلَّمۡ يَسۡتَجِيبُواْ لَكُمۡ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَآ أُنزِلَ بِعِلۡمِ ٱللَّهِ وَأَن لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ فَهَلۡ أَنتُم مُّسۡلِمُونَ (14)

هود

الإفتراء هو بتعبيرنا الإبداع و الإختراع، فإخراج القرءان و افترائه لا يمكن أن يكون إلاّ ممن أحاط بالحق الكوني و عرف سر السنن الكونية و الملأ الأعلى يحدثنا أنّ هذا الإفتراء تمّ بمعرفة علم االله و أنّ دعوة كل من استطعنا لن يأت بهذا النظام العشري مهما حاول. فلفظ السور الذي حذفت تاؤه المربوطة تشير إلى تقسيم القرءان إلى محطات متصلة هي ما سمّاه أحزابا. وهي في نصّه ستون حزبا كل حزب مقسم إلى أربعة أجزاء و تحمل كل نهاية ستة أحزاب منه شكلا خاصا يشبه ترقيم السور و هذا الترقيم الخاص هو ما يؤكد النظام العشري المشار إليه في ءاية هود(١٣).

إنّ النظام العشري في القرءان هو محطات لنشوء الكتاب و ليس سورا كونية مستقلة و لذلك حذفت تاؤه المربوطة . إنّ ترتيب السور بأرقامها ليس عبثيا فهو ذو ثلاثة أبعاد على الأقل فيه رقم السورة و عدد آياتها و تقسيم السور بين حد عدد أيتها الأدنى ثلاثة (الكوثر) و أقصى ٢٨٦ (البقرة) ليس عبثيا و بدء فاتحة القرءان بعدد آياتها السبعة و جعل عبارة "بسم االله الرحمان الرحيم" ءاية مرقمة منها إشارة واضحة إلى البنية السباعية للكون من متناهي الصغر في الكتاب إلى متناهي الكبر. ونظام القرءان الذي يُقرأ به هو ما هو منسوخ فيه ولا مجال في هذا النظام لتغير في إحكامه أو تبديل في ترتيبه.

وسوره ١١٤ هي وحداته المستقلة المشبكة تمثل آل واحدة منها وحدة بنائية موضوعية يلخصها عنوانها ويرسم طريق قراءة سرّها ودخول جنّتها ويحصر نوافذ الدخول إليها. وفي النهاية أود شكر من دفعني للكتابة في المنهج وكان له فضل الاستفزاز الفكري وأشكر كل من تفاعل معي وأضاف بتفاعله شعلة للبحث ما كنت لأتصورها وأشكر كل المستهزئين إذ بهم عرف الناس وجود شيء إسمه منهج قراءة وضرورة بيانه وأشكر أولا وأخيرا االله الموفق إلى كل خير.

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

معارج التأويل البيولوجي للفاتح الم

  معارج التأويل في سفينة المـ في تقابل بنآء النص القرءاني مع بنآء الأحياء البيولوجي   ملاحظة تحتاج قراءة هذا البحث شيئا من القدرة على معفرة الذنوب فصاحبه ليس مختصا في البيولوجيا و لكنه متطفل عليها أرغمه القرءان على الدخول إلى أبوابها و لعل كتابة هذا البحث تملي على قارئه أن يعود إلى قرائته ثانية إن كان مثلي متطفل على البيولوجيا. ---------   هي رحلة ، حكاية عن رحلة مع ءايات سورة أل عمران و فاتحها الذي جعلني أكتشف نفسي، أكتشف مقدار التعاسة التي أحملها ظالما للقرءان، إكتشاف رهيب جعلني أرى صورتي الفرعونية الصغيرة و هي تحاول أن تقحم القرءان أن تدخله في البوتقة التي تريد أن تعنفه ليصل إلى مبتغاها مستعملة كل الوسائل. بعد كشف رهيب في الفاتح المـ البقرة ظننت أن القرءان سيواصل معي رحلة البنية اللفظية ، رحلة كشف البنآء القرءاني أخيرا. و لكنّه قادني بل هداني إلى ما لم أكن أتصوره يوما ، ما لم يخطر ببالي حتى في أعظم أحلامي. لعلنّي و لأول مرة أتسور القرءان و أدخل في باحة صغرى من باحاته لأرى حجم العمارة.     المـ ، كتاب علمني أن أساير النص ، أن أتركه يقود ، أ...

الفواتح مفاتيح الغيب المنتظر | الجزء الأوّل | مفتاح البنآء "الٓمٓـ" البقرة

  الفواتح مفاتيح الغيب المنتظر الجزء الأوّل مفتاح البنآء   الٓمٓـ البقرة   " وَمِنۡهُمۡ أُمِّيُّونَ لَا يَعۡلَمُونَ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّآ أَمَانِيَّ وَإِنۡ هُمۡ إِلَّا يَظُنُّونَ " البقرة 77 في المصحف الذي بين أيدينا ما يشبه الأكواد في بعض السور ، في 29 سورة من سور القرءان أكواد 14 عشر. أكواد أبجدية غريبة لا علامات إعراب فيها و بعض علاماتها تحمل رمزا غريبا، رمزا يشبه الموجة المنكسرة     هذه الأكواد الأربعة عشر لا تشبه كلمات  القرءان الأخرى و تلاوتها هجائية في أغلبها فالكود  الٓمٓـ ينطق الف لام ميم و الكود كٓهيعٓصٓ ينطق " كاف هـ يـ عين صاد " ، فالكاف و العين و الصاد تهّجى  أمّا الهاء و الياء  و الصاد فتنطق بلا إضافات ، يـ و ليس ياء و هـ و ليس هاء. هكذا تم نقل نطقها منذ أن نطق بها النبي و واصل الناس نطقها في نسك الصَّلَوٰةَ فمن خلاله تأصّل هذا النطق و استقر.   لم يسبق أنّ شكك أحد في نسبة هذه الفواتح لنص القرءان إلاّ المستشرقون فالقرءان عندهم من تأليف النبي بل و في بعض أجزاءه من تأليف غيره و ما دام النبي هو من ألّف هذا القرءان...

الجزء الثالث | المـ التنزيل - خطوة أولى في طريق فهم البنآء القرءاني

  المـ التنزيل خطوة أولى في طريق فهم البنآء القرءاني   " وَإِن يُرِيدُوٓاْ أَن يَخۡدَعُوكَ فَإِنَّ حَسۡبَكَ ٱللَّهُۚ هُوَ ٱلَّذِيٓ أَيَّدَكَ بِنَصۡرِهِۦ وَبِٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡۚ لَوۡ أَنفَقۡتَ مَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا مَّآ أَلَّفۡتَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيۡنَهُمۡۚ إِنَّهُۥ عَزِيزٌ حَكِيمٞ " نقلنا الفاتح المـ آل عمران إلى بحث الثنائيات ، و الذي نقلنا إليها فاصلة آل عمران بين الفاتح و حديث السورة عن الكتاب المـ " الٓمٓـ (1) ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡحَىُّ ٱلۡقَيُّومُ (2) نَزَّلَ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقٗا لِّمَا  بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَ أَنزَلَ ٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ (3)" عبارة الحي القيوم وضعتنا على فكرة الإرتباط فلا يرد القيوم في القرءان إلا مرتبطا بالحي ثم لما تلونا الكلمات التي تبدأ بالكتاب المـ كما فعلنا في سورة البقرة وقعنا على المفاجأة الغير المنتظرة و هي بداية تسلسل المجموعة و نهايتها بنفس الثنائية الميعاد  - المهاد ثم مفاجأة تشابه كلمات الثنائية المـ  ـيعـ   ـاد...