التخطي إلى المحتوى الرئيسي

بين الأماني و الدعاء

 

يخلط النّاس في المفاهيم القرءانية ويرى بعضهم أنّ رفع يده بالأمنيات يكفي لتحقيق رغبته أو نزول دمعه يكفي لتغيير السنن الكونية. وهنا ينبغي التأكيد على أنّ السنن تجري على الجميع دون فصل على أساسي عقائدي أو فكري وعبثا نحاول الحصول على جواب الرّب دون دعاءه:

"مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا (18) وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا (19) كُلاًّ نُّمِدُّ هَـؤُلاء وَهَـؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاء رَبِّكَ مَحْظُورًا (20) انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً (21)" الإسراء

إنّ سنن الكون تجري على الجميع فعطاء الرّب مفتوح للجميع لمن عرف الدخول إليه وحصّله وعطاء الأخرة مفتوح لمن دخل فضل الرّب من بابه الأخلاقي دون أن ينحدر، فالعجلة أم العِِجل.

والذي لا يجهل أو يعلم ثم ينحرف فستصله النتائج دون النظر إلى شكله ولا للونه ولا لعقيدته ولا لنسبه:

"لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللّهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا (123) وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَـئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (124) وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً (125) " النساء

إنّ يخاطبهم القرءان هم من يقرأون صحيفته ومن يجهلونها، فأهل الكـــــــــتاب (بالكاف المستلقية لتدل على الوسع) هو من يدرس الكون بعيدا عن أي تنزيل بل ربّما أنكر كل تنزيل، فإلى الطرفين يقول القرءان أن ليس الأمر بالأماني ولا بالتمنيات فكل سوء سيلقى صاحبه جزاءا وفاقا وستتبعه السنن هنا أو هناك "يجز به ولا يجد له من دون الله وليّا ولا نصيرا" فلا يظن أحد أنّ السنن ستغفله أو أن أحد سيخلصّه فلا فرار إلا لجاهل ظنّ أنّ من هو مثله سيخلّصه. وأحسن السبل أن يعود المرء عن خطئه إن كان ما فعله من سوء لم يكن يعلم أنّه سوء ويحنف إلى ويسير سير إبراهيم الحنيف.

ولندخل الأن في تحديد المفاهيم التي تسبب فهمها في قلب المفاهيم القرءانية رأسا على عقب وهذه المفاهيم هي

ـ السؤال

ـ الدعاء

ـ الأماني

فالسؤال هو في علاقة هذه الألفاظ خاصة وأنّها وردت كلّها في القرءان، فلا السؤال هو الدعاء ولا الدعاء هو الأماني.

السير في القرءان للبحث عن دليل لفظ هو أول الخطى لاستكناه مفهوم اللفظ. فالمشترك اللفظي معين واسع في القرءان يسمح بالاقتراب من البنية اللفظية والتماس هندستها. وسنبدأ الأن في البحث عن مفهوم السؤال في القرءان بمشتقاته اللفظية وسنحاول السياحة في بعض البلاغات لنعود بعد تحديد المفهوم إلى نقاش الأيات الأخرى مع القراء إن وقع لبس في دليلها. ولنبدأ سيرنا مع موسى في رحلته النونية:

" فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا (74) قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا (75) قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْرًا (76)" الكهف

إنّ الشكوك تتدافع على موسى حول هذا العبد فمن قبل خرق سفينة أبرياء فقراء ثم هو الأن يقتل فتى لم يرتكب جرما ومع الوعد الذي قطعه على نفسه بالصمت والتزام الإتباع دون اعتراض إلاّ أنّه لم يستطع الصبر ولزوم الصمت وحين اعترض جاءه التذكير بوعده وعاد ليلتزم مرّة أخيرة و ليقطع عن نفسه العذر:

" إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبنى قد بلّغت منّى عذرا"

ونرى بداية أنّ السؤال هو استفسار من الأخر بالضغط عليه ليبوح بما ينتظره الأخر من حاجة لجواب. ونرى عدم تأثر العبد الصالح بهذا الضغط الاتي من اتهامه بالقتل والظلم. فهو سائر مع ما قطعه على نفسه في محطّات ثلاث.

إلى هنا لم يخرج السؤال من معناه المعروف وإن كانت صفة الضغط والإلحاح لا تجعل من السؤال طلبا دون ضغط داخلي تدفع إليه، لنواصل:

" وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45) قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّى أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (46) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِى بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِى أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ (47)" هود

مع أنّ مع ورد في الأية 45 لم يأت بصيغة السؤال المتعارف عليها بيننا إلاّ أنّ الأية 46 أتت لتذكر نوح ألا يسأل ما ليس له به علم. وكأنّها تلزمه بجعل حد فاصل بين عاطفته الأبوية وبين ما يجب أن يقع ممّا لا تنفع معه عاطفة. ما مراد هذه الأيات؟

إنّ الأيات تقول أنّ السؤال محض عبث إن لم يكن للسائل علم "ما ليس لك به علم " وكأنّ السؤال في هذه القضية مرتبط بالتحكم بمجموعة أمور تعطيه معناه ودونه فهو جهل بل إنّ الإلحاح فيه دون اكتساب هذا العلم يقود السائل إلى ضياع وقته بل ربّما حياته "أكن من الخاسرين". فارتباط السؤال بالعلم في هذه الأيات هو طلب للتهيئة المسبقة لاستيعاب الجواب، فالسؤال المطروح لا تأت إجابته من مجرد طرحه بل هو سير علمي متصل. وفي هذا البلاغ القرءاني بيان لتوّقي الحذر أنّ ما نجهله لا يجب أن نرفضه بل علينا أن نترك لأنفسنا الفسحة لدخوله برفق، دون ذاك يضيع الجهد ويتحول السؤال إلى إشكال نفسي. فليس هدف القرءان إبعاد السؤال في هذه الأية أو في غيرها إذ كيف يبعده وهو فينا وفي عمقنا الذاتي وإنّما الهدف تحضير الأرضية العلمية للسؤال. فسؤالنا لا معنى له دون ربا علمنا فيما نطرح:

"قال ربّ إنّى أعوذ بك أن أسألك ما ليس لى به علم"

فمن لم نُعلّم للمعرفة جوابه لا بدّ أن لا نرفضه بل نترك بابه مفتوحا ونهتم بالدليل الموضوعي علّه يوسع أبواب السؤال فهي أشبه بمن يطرح إشكالية معرفية وفي سير الإشكالية بحثا بين النّاس تتوضح معالمها وفي عباراتنا شيء من هذا عندما نقول "طرح السؤال بالصيغة الصحيحة هو نصف الجواب" فما نطرحه من إشكالات يبقى في إطاره الفلسفي والتنظيري حتّى يظهر الدليل الموضوعي للفصل بين جمع النظريات، فالسؤال في مفهومه القرءاني ليس هو ما نطرحه أوّلا بل ما نحمله معنا كإشكالية ونسير بها قُدُما إلى الغاية. ونلاحظ لفظ "تسألن" المنتهية بالنون الدالة على الوعاء الجامع، فلا سؤال إلاّ بظهور علم واختفاء جهل ويضعنا نوح أمام مسؤوليتنا في البحث ويعوذ ويحتمي بالرّب الدال على ربا المعرفة واتساعها ويحتمى بالغفر أي بمن يقيه الدخول إلى مكان دون إذن وحماية ودون الرحمة التي تتجاوز النقص.

إن مفهوم السؤال بدأ يتضح شيئا فشيئا وهو متعلق هو متابعة الأمر دون انقطاع وبشتى الوسائل للوصول إلى غاية. ونجد هذا في سؤال النّاس عن الساعة:

"يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا"

الأحزاب :63

فعلم الساعة و زمن حدوثها مرتبط بفهمنا لسنن الكون "علمها عند الله" فليس الله ذاتا يخفي زمن الساعة بل لفظ الله في القرءان عنوان للسنن الناظمة لسير الكون ، فمن يريد معرفة زمن الساعة عليه بالارتقاء في معرفة السنن و لا شك أنّ هذا السير سيني إذ السين تحمل في رسمها دليل الموج الصاعد النازل في حركته مصورة فترات النجاح و العلو و الفشل و النزول دون توقف بلوغا للغاية .و لعل كشفنا للثقوب السوداء بداية لمعرفة آلية توازن كوننا و آلية نهايته في آن واحد على أنّ القرءان يخبر أنّ حساباتنا ستكون احتمالية "و ما يدريك لعل السّاعة تكون قريبا" إشارة إلى هذا المعنى العميق .

إنّ النّاس يسألون القرءان عن الساعة وهم يريدون معرفة زمن الحدوث وما بعده وهم لن ينقطعوا عن المتابعة وعن الجدل والقرءان ينصحهم للبحث عنها علما عند الله فجوابها مبثوث في نفس هذا الكون الذي نعيش فيه. فسؤال النّاس القرءان عن الساعة هو بحث عبثي في نصّه إن لم يعود إلى الكون بإسم الله فيه.

ونجد في القرءان تكرار عبارة "لا أسألكم عليه أجرا" الدالة على صفاء ذات الأنبياء من استغفال الأخر واللعب على عواطفه لغاية منفعية محضة، فليس في سيرة أنبياء ولا شيء يدفع بالشك في نية سيرهم المجردة عن كل طلب لمقابل جرّاء ما يدعون النّاس إليه فهم لا ينتظرون مقابلا لعملهم وجهدهم من النّاس. هذه العبارة تعطينا مفهوم السؤال.

فالسؤال ليس نصّا شفويا أو كتابيا يحمله الإنسان. مثل هذا يمكن أن يكون أمنية لإيجاد السؤال لا يعدوه وأمّا السؤال فهو سير طويل مع الإشكالية حتّى تتم الدعوة أي الوصول إلى عمق القضية بتجلية كل ملابساتها:

" وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ " البقرة :186

ليواصل من يبحث عن القرءان فهو قريب، من يبحث عن آلية نزوله الكونية "رمضان" ومن يبحث عن استحضار ما فيه فهو حتما سيجيب وغاية إجابته أن يفتحوا ذواتهم للإيمان أي للبحث بتأمين من يبحث وبتأمين أنفسهم من نتائج بحثهم دون خوف ولا وجل ونرى في هذه الأية الربط بين السؤال والدعوة التي هي من مشتقات الدعاء والتي لها عنه حديث في بقية الموضوع.

الدعاء

لفظ الدعاء أخذ مدلولا شكليا في كل الملل الطقوسية وتفنّن النّاس في اختراع عبارات التذلل والخضوع لما اعتبروه ضرورة لإسكات غضب الله أو استجداء عطفه وتحوّل الدعاء عند البعض إلى مرادف السلاح "الديني" يرفعه ليهزم به الأعداء ويستعدي قوى الرّب للوقوف بجانبه والدفع عنه ولن ندخل هنا في تفاصلي التاريخ والتأسيس لهذه الطقوس فالذي يهمنا في هذا البحث المتواضع التعرّف في بلاغات القرءان على هذا اللفظ وتجلياته.

ورد الجذر العربي (د ع) في القرءان بالمشتقّات التالية بتفريعاتها:

دعا

الدّاع / الداعى

دعاء

دعوة

دعواهم

أدعياءكم / أدعياءهم

هذا الترتيل للجذر العربي (د ع) يكشف بعضا من وجوه دليل لفظ "الدعاء" إذ ارتباطه بألفاظ الدعوة والدعوى يجعلنا نتمهل في متابعة العُرف الشعبي التاريخي لهذا اللفظ الذي كرّسته العادات الطقوسية. فلفظ "دعواهم" يدّل على محيط حركتهم ومساحتها، ولنقرأ:

"وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ (11) فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُم مِّنْهَا يَرْكُضُونَ (12) لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ (13) قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (14) فَمَا زَالَت تِّلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ (15) " الأنبياء

القرية الظالمة وما فيها من ظالمين يؤكدون ظلمهم بفعلهم "قالوا" ومع أنّهم يعترفون بأنّ ما يفعلونه وخيم العواقب بل سيجر الأزمات والموبقات "يا ويلنا" ولكنّهم مستمرون، فمجال حركتهم ومحيطهم ظلم مستمر وليس فيه بارقة محاولة إصلاح رغم الاعتراف "فما زالت تلك دعواهم " إلى أن يُسدل الستار عنهم "حتى جعلناهم حصيدا خامدين". لنواصل تلاوة لفظ "دعواهم" ولنقرأ:

"إِنَّ الَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْـ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ ، تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِـ (9) دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ ؛ وَآخِرُ دَعْوَاهُمـْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (10)" يونس

إنّ الفصل يوم الحساب جيني، فالّذين ءامنوا هم المؤهلين جينيا لتفجير الأنهار وصناعة الجنّة وهذا ما تصوّره بدقة تشريحية عبارة "يهديهم ربّهم"، فالجنّة ليست محطة نهائية فيها كل المتّاع بل هي كجنّة كوكبنا الذي بدأ فيها ءادم السير ـ ونحن كلنّا ءادم ـ. الجنّة ظاهر فيها كمون البناء منها وفيها أحسن وأحسن والذين ءامنوا مؤهلين لهذا البناء، فمجال حركتهم "سبحانك اللهم " أي أنّهم يجددون طاقاتهم المتنوعة في كل مرحلة فلفظ "سبحانك " يحمل فيه مشتق التسبيح الدال على تجديد الطاقة ولفظ "اللهم" يدل على إحياء السنن وإخراجها للحياة فالله هو عنوان السنن الناظمة. إنّ عبارة "سبحانك اللهم" ليست عبارات شفوية يتلفظ بها سكّان الجنّات بل هي دعوى بداية أي هي مجال الحركة من البداية بالاستزادة من الارتقاء "سبحانك اللهم" إلى الحدود القصوى للمجال إن كان هناك ءاخر "وءخر دعواهمـ " فالميم المقصوصة ترسم الوصل في دفع لتصور الحدث الباقي من الشريط المقصوص. فأخر الدعوى أن يحمد الذين ءامنوا ما توّصلوا ألهي ليصلوا معترفين كما اعترفت المخلوقات العليا في هذا الكون من أول لحظة اتصال تنزيلي بنا في افتتاحية الخطاب:

"الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ " الفاتحة :1

مجال الحركة هو الاستزادة من المعرفة والنعيم والغاية هو التكثير من هذا النعيم ليتفرغ سكان الجنّة إلى البحث الصرف، فوصف النعيم الجنّة ليس دفعا للوهم ليتخيل بل للروح لتنتفخ ومن النّاس من يرى المتاع غاية في ذاته وما تطول غفلته ليدرك أنّ المتاع دون بحث عودة لنقطة الحرمان الأولى إذ لا نعيم بلا بحث ولا بحث دون تهيؤ روحي له يصنعه الإيمان. نعيم الجنّة ليس غاية:

"إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ " محمد :12

مجال الحركة البحثية متصل والحياة المتوّلدة عنه سلام كلّها "تحيتهم فيها سلام". فمن شأن الذين ءامنوا أن يصنعوا عالما كهذا ليُجاب عن أسئلتهم وتُلبى رغباتهم الضرورية بما يسمح لهم بالارتقاء إلى مصاف من يحمد الله. فهي صورة أخروية لكنّها رسالة لأهل الأرض هنا واليوم ليصنعوا هذه الجنّة:

"وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ " البقرة :35

الدعوى إذن هي مجال الحركة مفهوما. ولعلّ القارئ يعتبر لفظ الأدعياء في القرءان مانعا من اعتبار هذا المفهوم فقد اعتبر الأسلاف هذا اللفظ متعلقا بما أسموه قضية التبنّي وسبق أن ناقشنا هذا الموضوع مرارا في المنتدى وخاصة في موضوع "متى سيبدأ الصيام"

ويكفي أن ننبه هنا أن لفظ "أزواج" لا يعني في ءاية الأحزاب "زوجات النبي" وأنّ لفظ "تظاهرون" يدل على المساندة والتعاضد وليس دالا على طرح الزوج والامتناع عن معاشرته جنسيا ولنقرأ:

"مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءكُمْ أَبْنَاءكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ" الأحزاب :4

هذه الأية تصوّر حال من يقف بين مقعدين من غير موقف منتظرا ميل الأحداث، فلا يمكن والمرء يدافع عن مصالحه أن يدافع عن أصحابه في المصالح وأعداءه "ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه" فوحدة الموقف يرسمها القلب ولا يمكن للذات أن تتخذ موقفين متعارضين مهما حاول الإنسان إخفاء نواياه الداخلية. فأن يؤلب الإنسان والجماعة "أدعياء" أي يدخلهم في مجال حركته وقضيته ليس معناه أنّهم بالضرورة يتبنون منهجه ويشاركونه قناعته "ما جعل أدعياءكم أبناءكم" ولو صحّة قراءة الأسلاف لورد لفظ "أولادكم" بدل "أبناءكم" والموضوع كلّه متصل ببناء التكتلات في المجتمع الإنساني جملة والفئوي المحلي وسبق أن ناقشناه.

الدعوى هي مجال الحركة والأدعياء هم من يسايروننا في هذا المجال فما هي الدعوة؟

الدعوة هي تهيئة الشروط لإدخال الأخر في مجال حركتنا. دل على الشروط والتهيئة التاء المربوطة التي فصلنا الحديث فيها في موضوع " حفريات في كتاب التاء"، لنقرأ:

"وَيَا قَوْمـِ مَا لِى أَدْعُوكـُمْ إِلَى النَّجوَاةِ وَتَدْعُونَنِى إِلَى النَّارِ (41) تَدْعُونَنِى لِأَكْـفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكـُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ (42) لَا جَرَمـَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِى إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنآ إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (43)" غافر

عبارة "لا جرم" ترسم لنا سبيل فهم لفظ "الدعوة" فهي عبارة تدل أنّ من يعاقب أحدا على فعل ارتكبه لا جريمة عليه و لا جنحة فعندما يقول القرءان "لا ريب" فهو ينفي الريب و عندما يقوا "لا مساس" فهو ينفي المساس و كذلك الأمر في "لا جرم" فهو ينفي الجرم عن العقاب الذي جازى به:

" لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الأَخْسَرُونَ" هود :22

" لاَ جَرَمَ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ " النحل :23

" وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ الْنَّارَ وَأَنَّهُم مُّفْرَطُونَ " النحل :62

" لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرونَ " النحل :109

لا جرم أنّ الكفر والشرك لا دعوة له. فمجاله في الدنيا سينحسر ومجال حامله النّار في الأخرة. هذه هي السنّة السارية ولا يُنتظر من مؤمن أن يدخل فيها فهي أساس لا مستقبل لها لا في الدنيا ولا في الأخرة، فالكفر ولا الشرك لا تساند نشأتهما سنن إلهية بل من العدل أن تسير عكسهما وهو ما يحصل ومشكلة الإنسان دائما هي في بقاءه مع الخطأ والخطيئة بشتى الدوافع النفسية " وأنّ المسرفين هم أصحاب النّار".

الكفر لا يعرف معروفا ولا منكرا فكل الوسائل مسموحة لقمع الأخر وإكراهه والشرك لا حد له في تقليد أخر دون قناعة ووعي وقد يصل بالإنسان إلى سفك دم الأبرياء وقتل النّاس وإلى الإضرار بنفسه وبغيره وإلى العودة إلى البهيمية، كل هذا ملاحظ ومشاهد في التاريخ الإنساني. فأن لا يكون للكفر والشرك دعوة في الدنيا هو بيان لعقمهما فكلاهما لا ينتجان. فالكفر يسعى في كل مرّة إلى إزاحة الأخر بدل تأمينه وهو بهذا يحكم على نفسه بالحتف بتكثير مظلومية والشرك لا ينتج في الإنسان وعيا ولا قناعة ولا ارتقاء نفسي بل يسوقه من تقليد إلى تقليد إلى أن يفقده وعيه وذاتيته ويصبح قردا لا يقوى على شيء. وهذا ما لا يفعله الأنبياء فهم لا يكفرون فعلامة النبي الإيمان طبيعة وضرورة والنبي يسير بقناعته دون أن يشرك قناعته بأخر من غير دليل وبينة وقناعة " وأشرك ما ليس لي به علم"، فليس من عادة الأنبياء أن يقلّدوا دون وعي.

الدعوة هي تهيئة الشروط لإدخال الأخر في مجال الحركة وكل من يحمل إشكالية ويسير باحثا عن حلّها في القرءان ويهيأ شروط البحث بتأمين غيره سيبلغ الرشد في رؤية إشكاليته. فالبحث القرءاني يتطلب عبادة أي بقاء والتزام بالشروط الموضوعة فيه، دلّ على هذا لفظ "عبادى" والقرءان سيأتي لمجال حركتنا وسيواكب طريقنا إلى الرشد في سؤالنا، فجواب القرءان متعلق باستجابة العبد أي بحركته السينية ومواصلة السير خطوة خطوة إلى الوصول وقد لا يصل الفرد ولكن الوصول مؤكد إذ لفظ "عبادى" يصور هذه الجموع الباحثة المتنوعة:

" وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى فَإِنِّي قَرِيبٌ، أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ، فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِى وَلْيُؤْمِنُواْ بِى لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ " البقرة :186

وإذ لا أنسى أن أذكر أن هذه الأيات أتت في معرض الحديث عن "شهر رمضان" في كشف الأشعة الكونية السريرية التي حملت التنزيل أرجو ممن يريد التفصيل أن يعود لموضوع "متى سيبدأ الصيام".

هذا هو مفهوم الدعوة فما هو الدعاء؟

الدعاء هو صهر لمجال الحركة الذاتي بمجال حركة الأخر، لنقرأ:

" قَالَ رَبِّ إِنِّى دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (5) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِى إِلَّا فِرَارًا (6) وَإِنِّى كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (7) ثُمَّ إِنِّى دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (8) ثُمَّ إِنِّى أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (9)" نوح

كم حاول نوح أن يجد الأرضية التي يلتقي فيها مع هؤلاء. كم حاول أن يفهمهم أنّ ما يطرح فيه نجاة الجميع وإنقاذ لهم من الكارثة الكونية الآتية لكن لا حياة. حاول أن يدخلهم في مجاله "دعوتهم" ثم حاول أن يجد الأرضية بالاقتراب منهم "فلم يزدهم دعائى إلاّ فرارا"، فالفرار يصوّر هذا التنافر بين الطرفين وهذا ما يوضح لنا مفهوم الدعاء. وأجدّني في الختام أوكد هذا المفهوم بلفظ مشتق قريب من الدعاء وهو لفظ "الدعّ " بتشديد العين لنقرأ:

"يَوْمَ تَمُورُ السَّمآء مَوْرًا (9) وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا (10) فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (11) الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ (12) يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (13) هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنتُمـ بِهَا تُكَذِّبُونَ (14) أَفَسِحْرٌ هَذآ أَمْ أَنتُمْـ لَا تُبْصِرُونَ (15) اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَآء عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمـْ تَعْمَلُونَ (16)" الطور

كأنّ هذا اللفظ يصور تعقب هؤلاء المكذبين من خلف بالسياط والعنف لإدخالهم في النّار وهم متزاحمون في خوفهم مقموعين محتجزين من كل جانب. ولنرى صورة هذا اللفظ ثانية في هذا البلاغ:

"أَرءَيْتَ الَّذِى يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذاَلِكَ الَّذِى يَدُعُّ الْيَتِيمَـ (2) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامـِ الْمِسْكِينِ (3) فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (5) الَّذِينَ هُمْ يُرَآءُونَ (6) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (7) " الماعون

من هو الذي يكذّب بالدين بل ما هو هذا الدين الذي يكذّب به؟؟

إنّ هذه السورة بمفردها تصوّر هداية القرءان لهذا الإنسان الضائع في البحث عن هوّيته وماهيته.

الدين هو مجموع الشروط بين متعاقدين. ربّ وعبد وبينهما دين، فهل انتبهت أيّها الإنسان إلى من يكذبّ بهذا الدين؟؟

لنرى:

ـ يدعّ اليتيمـ

ـ لا يحض على طعامـ المسكين

ـ عن صلاتهم ساهون

ـ يراءون

ـ يمنعون الماعون

الشرط المودع فينا والذي نسميه "الضمير الداخلي" هو أن نحم الضعيف وأن نهتم بمن لا يقدر على طلب طعامه وأن نواصل صلاتنا على الأخر فلا نهمل شيئا منها، من صلاة علمية وصلاة على القربى وصلاة على الأخر وأن نفعل عن هذا دون أن نبحث عن حظوة ومقابل وألا نسعى لمنع الأخرين بعون بعضهم تحت أي حجّة. هذا هو الدين المبثوث فينا ومن يكذّب به ستراه منحطا إلى الأوصاف أعلاه.

لفظ الدع يصور هذا الدفع الإرادي الذي غايته ترك اليتيمـ وإهماله. فالدع إذن هو تثبيت الأخر في مجال معين وعدم تركه الخروج منها فالدع في ءايات الماعون رسم لحدود قمعية هي ضد الصلاة والصلواة هي توسيع للحدود من غير تجاوز على الأخر في التعامل والتفاعل معه.

الأماني

ما يسميه البعض دعاءا و دعوة يسميه القرءان أماني فأن يرفع الإنسان أياديه متضرعا لينزل الغيث أو لتزول المآسي أو ليُفع العدو أمنية ليس لها رابط بسنّة كونية و لا يمكن إجابتها بهذه الطريقة فصمت المظلوم أرفع من الجهر بظلامته و صنع المخازن و حفر الأبار و إقامة السدود المائية هي الدعاء الأمثل للاستسقاء فالسنن ترحم الجميع و تتعامل معهم بالسوّية سوآءا صاحوا أم صمتوا فالنّار تُحرق و البحر يُغرق و المجاعة تعصف بالنّاس و الزلازل تدمر من لا يحسن فهم آلية حفظ نفسه منها و الغازات ستعصف بغلافنا الجوّي إن لم نسارع في الاتقاء من سيئات أعمالنا الصناعية .

القرءان ليس صحيفة "للأذكار" ولا للأغاني "الدعائية" بل هو كتاب هدى العالمين للقيام بواجباتهم الخلافية وهو "أحسن الحديث" وأحسن القيل والقول ولن أقف هنا لأمنع النّاس ـ لا سمح الله ـ من التضرّع بالعبارات التي يختارونها ولا لأنهاهم عن الاستمتاع بتلاوة "الأدعية" ولكنّي هنا أقوم بواجبي بتحديد المفاهيم فأخطر أمر يتصورّه الإنسان أن يظنّ أنّه مصطفى ومجتبى من دون العالمين لانتمائه ولمعرفته بموروث لفظي ظنّه مانع له من سوء الحال:

"وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى !!! تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ ااا قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمـْ صَادِقِينَ (111) بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (112) وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَىَ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ !!! كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ /// فَاللّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (113)" البقرة

من التعجب (!!!) يأتي رفع التعجب (ااا) إذ كيف تكون الجنّة مرتعا لمن عبد أسلاف ولمن عبد بعض معاصريه، هذا يعلن خيرية القرون الأولى وقرب الأسلاف من الوحي والأنبياء ويتلو الروايات الرافعة لهم وذاك يعدد مثالب السابقين ويمجد هذا المعاصر المجدد الذي خرق العالم باجتهاده، ولكن أين البرهان من قول أولئك وهؤلاء "هاتوا برهانكم".

منطق "لست على شيء" مرفوض فعند الأسلاف ما يصلح أن يقتف المرء أثره و يبني عليه و يراكم عليه معرفته و عمل المعاصرين ضروري للصلواة شرط أن يتلو الجميع الكتاب، إذ لا بد من كتاب يُبنى عليه و هو ما اكتملت أجزاؤه تلاوة على الأقل، فالأساس ليس بمن سبق و لا بمن لحق بل الأساس بتلاوة الكتاب كونا أو صحيفة و لمّا كان تعويل اليهود و النصارى على نص جاء لفظ الكتاب بالكاف المنتصبة لتحصر المعنى و تؤكد إمكان فتح تلاوة الكتاب لأفاق هؤلاء كي يدركوا خلل القراءة و التعامل مع الواقع الذي يرسمه فعل "قالوا" في سيرهم و لكن هيهات. بل هؤلاء الذين يتلون تسببوا في انجرار من ليس في العير ليتبع القافلة إلى الحتف والحكم لله يوم القيانة ببيان الاختلاف وأشير مكررا أنّ الله هو عنوان السنن الكونية فهي من ستُظهر حيثيات هذا الاختلاف.

واقع الحال يشهد بتخلف اليهود و النصارى الدالة عليه الأزمة النفسية و الانغلاق مع كل حق جديد يظهر تمنعهم يهوديتهم و تنصرهم من الحنف إليه فقولهم انتكاس و لكن تعاليهم يجعلهم يتعاملون مع النّاس على أساس أنّهم المفضلين و الأعلون و المصطفين من أبناء الله ، فقولهم هو سيرهم اليومي بين النّاس و لكّنه للأسف أماني و لا يعدو الأماني فلا الانتساب و لا الثياب و لا الشكل و لا التلاوة و لا شيء من هذا يسمح بأن يكونوا من داخلي الجنّة، إذ من شروطها أن يسلم المرء وجهه لله و يضع السلاح أمام الدليل الموضوعي و ينتهي من الطغيان عند يقنعه الدليل و يركع ساجدا بل من شرط دخولها أن يقتنع ثم يضيف و يواصل البناء و هذا ما يصوّره لفظ "و هو محسن"، فما نتلقاه لنا مسؤولية رعايته و تحسينه و مواصلة السير من دون خوف و لا وجل من أحد ، حينذاك فقط يزول حزننا و خوفنا يوم الحساب.

وهذا ما نسمعه من هؤلاء مرّة "بحق محمد" ومرّة "بحق موسى والمسيح" وبألقاب القديسين والأولياء وبإسم السياسي الفلاني الناطق بإسم الله الذي يأمر فيموت الألاف من أجله من دون وعي ويعلن فيطلق المغفل قنبلته في حربه المقدسة قنبلة الدمار على الرضع والمستضعفين والله أكبر ولله الحمد وليحيا المسيح وغدا مملكة داوود.

"تلك أمانيهم ااا قل هاتوا برهانكم إن كنتمـ صادقين"

وسيأتي البرهان مدوّيا علينا كلّنا ونحن نرفع شارات الاصطفاء ونتخلى عن مسؤوليتنا الخلافية في كل حين، بإسم الغباء حينا وبقلّة المعرفة ووصل الأمر ببعضهم أن يقول "حذاء فلان خير منّي"، فمتى كانت الروح المنفوخة فينا تستحق هذا النعت وسيأتي الجواب عن كل هاته التبريرات:

"وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللّهِ عَهْدًا فَلَن يُخْلِفَ اللّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (80) بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيـئَتُهُ فَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (81) وَالَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أُولَـئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (82) " البقرة

وعندما نراهم يتمرغون ويتضرعون وينبطحون لبشر ندرك سبب تركيز القرءان على الشرك وأنّ من يمارسه فقد أجرم في حق روحه المنفوخة فيه وندرك أهمية الفرد كوحدة لا تقبل الاستنساخ الفكري في القرءان فكل مسؤول عن نفسه وكل محاسب كفرد بتمام المسؤولية المنبثقة من حريتّه.

"وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاء ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاء لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ " الأنعام :94

فالذي أمعن في السيئة حتّى أحاطت به ولم يستطع الخروج وكأنّ شباكها شلّت حركته، مثل هذا لا يمكنه أن يتنفس الأوكسجين ثانية مهما تذرّع أنّه صديق لصاحب الباخرة أو يملك حصانة ديبلوماسية أعطاه إياه البرلمان العُرباني، فالقضية الأساس هي تأمين الأخر وتأمين الذات وعمل الصالحات التي تبقى للأجيال ليراكموا عليها فتاء الصالحات موّلدة للصالح وكل من لم يساهم على الأقل في عمل الصالح لن يغنيه من أشركه في قناعته وتوجهه وسار مقفل العينين.

ليست مسيرتنا في هذه الحيواة بالأماني ولا بالرغبات و الأحلام بل هي مسيرة مضنية تؤهلنا بهذا التربص الجاد أن نرتق لندرك بعضا من هوّيتنا تحضرّنا لدخول المعبر الواسع:

"أَمْ لِلْإِنسَانِ مَا تَمَنَّى (24) فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى (25)" النجم

للأسف فالإنسان ليس له ما تمنى دائما بل غالبا ما تأتي الأمور بعكس أمنيته إذ الله هو الحاكم أولا وأخيرا ومن لم يراع السنن فنتيجته تحمل مسؤوليات جهله ورحمة ربّك وسعت كل شيء.

هذا وأرجو أن يكون الموضوع قد ساهم في توضيح مفاهيم محورية في القرءان وإن كان تفصيلها يتطلب جهدا أكبر من هذا بكثير وغايتي فتح النافذة لتبدأ العاصفة.

فما هي الدعوة؟

كنّا في موضوع التاء القرءاني فصلّنا في رأينا في علامة التاء المربوطة الدالة على الرحم الذي ينتظر شروط إخراج ما بداخله فالدعوة هي رحم ينتظر خروج الجذر (د ع)، لنقرأ:

"وَيَا قَوْمـِ مَا لِى أَدْعُوكـُمْ إِلَى النَّجوَاةِ وَتَدْعُونَنِى إِلَى النَّارِ (41) تَدْعُونَنِى لِأَكْـفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكـُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ (42) لَا جَرَمـَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِى إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنآ إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (43)" غافر

طريق الكفر هو طريق من يقمع ومن يمنع ومن يغطّي الحقائق ومن يرفض البحث بتأمين الأخر في ذاته وفكره ويكون هذا الطريق مأسويا إن هو زعم أنّ السنن الكونية وهوّيته الإنسانية هي من تدفع به لسلوك هذا المسلك، فالله هو عنوان السنن الناظمة للكون والهادية للإنسان في طريق بحثه وكل ما في الكون يدفع للإيمان ويُبعد عن الكفر لكن الإنسان يُمارس حريّته وتمرده ورفضه للإيمان نابع من هذه الحرية.

الأنبياء لا يكفرون ولا يمكنهم الكفر بالله فعلامة النبي الإيمان طبيعة وضرورة والنبي يسير بقناعته دون أن يشرك قناعته بأخر من غير دليل وبينة وقناعة "وأشرك ما ليس لى به علم"، فليس من عادة الأنبياء أن يقلّدوا دون وعي.

دعوة فرعون وهامان موسى إلى الكفر لا دعوة لها في الدنيا ولا في الأخرة ونجد أنفسنا ملزمين بالوقوف على هذه العبارة القرءانية.

الكفر لا حد له ولا قاعدة ولا يعرف معروفا ولا منكرا فكل الوسائل مسموحة لقمع الأخر وإكراهه والشرك لا حد له في تقليد أخر دون قناعة ووعي وقد يصل بالإنسان إلى سفك دمه وإلى قتل النّاس وإلى الإضرار بنفسه وبغيره وإلى العودة إلى البهيمية، كل هذا ملاحظ ومشاهد في التاريخ الإنساني. فأن لا يكون للكفر والشرك دعوة في الدنيا هو بيان لعقمهما فكلاهما لا ينتجان ز فالكفر يسعى في كل مرّة إلى إزاحة الأخر بدل تأمينه وهو بهذا يحكم على نفسه بالحتف بتكثير مظلومية والشرك لا ينتج في الإنسان وعيا ولا قناعة ولا ارتقاء نفسي بل يسوقه من تقليد إلى تقليد إلى أن يفقده وعيه وذاتيته ويصبح قردا لا يقوى على شيء.

الدعوة هي الشروط المنتظرة لتوسيع الدائرة على الأخر فالأخر ليدخل فيها. وقد يكون في الشرك فتح للدائرة وتوسيع لها ليدخلها المشركون ولكن هذا الفتح لا شروط له فهو تكثير للعدد دون قيد إلاّ التصفيق لمن يسوق ويؤم ويقود القطيع.

وما هو الدعاء؟

قبل أن نجيب على هذا السؤال نعود لجذر (د ع) في القرءان في بعض بلاغات القرءان، لنقرأ:

"وَاللّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلاَمِ وَيَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ " يونس :25

"فَجَآءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِى عَلَى اسْتِحْيآء قَالَتْ إِنَّ أَبِى يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا ؛ فَلَمَّا جَآءهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ، نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِـ الظَّالِمِينَ " القصص :25

الدعاء فتح للحدود ليدخل فيها رجاء استقواء بالأخر بفتح الحدود الذاتية له ليدخل في الدائرة، لتقرأ:

السؤال جهل بموضوع السؤال بل ظن لحق يجب أخده أو جواب تجب معرفته، فمن خلق مُطالب بالإجابة عن سبب الخلق وغايته وعن سبب اختيار ساعة الخلق ودق ساعة النهاية وعن فصول الحدث الكوني كلّه والذي يرى أنّ حقّه أُخذ يسأله والّي يمتنع تعففا من السؤال:

"لِلْفُقَرَاء الَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ " البقرة: 273

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُم مَّا أَنفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ "

الممتحنة :10

السؤال هو متابعة الأمر دون انقطاع وبشتى الوسائل للوصول إلى غاية

سير وحركة موجية صعودا ونزولا بين نجاح وفشل للوصول إلى غاية ونهاية ما نسأل عنه.

ورد في القرءان عدم ارتباط السؤال بجهل السائل

هو غاية الطلب وهدفه

فالقرءان يريد منّا البحث عن الدليل الموضوعي سبقه علم سؤال لحاجة مالية وغدائية وسؤال لحاجة الحكم على المتهم

متعلّق بمن يطالبك عن حاجة والدعاء هو استحضار المدعو والأماني هي رغبة لحصول الرغبة. ولي عودة بعد تفاعلاتكم لكل من هذه المفاهيم

إبراهيم بن نبي.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

معارج التأويل البيولوجي للفاتح الم

  معارج التأويل في سفينة المـ في تقابل بنآء النص القرءاني مع بنآء الأحياء البيولوجي   ملاحظة تحتاج قراءة هذا البحث شيئا من القدرة على معفرة الذنوب فصاحبه ليس مختصا في البيولوجيا و لكنه متطفل عليها أرغمه القرءان على الدخول إلى أبوابها و لعل كتابة هذا البحث تملي على قارئه أن يعود إلى قرائته ثانية إن كان مثلي متطفل على البيولوجيا. ---------   هي رحلة ، حكاية عن رحلة مع ءايات سورة أل عمران و فاتحها الذي جعلني أكتشف نفسي، أكتشف مقدار التعاسة التي أحملها ظالما للقرءان، إكتشاف رهيب جعلني أرى صورتي الفرعونية الصغيرة و هي تحاول أن تقحم القرءان أن تدخله في البوتقة التي تريد أن تعنفه ليصل إلى مبتغاها مستعملة كل الوسائل. بعد كشف رهيب في الفاتح المـ البقرة ظننت أن القرءان سيواصل معي رحلة البنية اللفظية ، رحلة كشف البنآء القرءاني أخيرا. و لكنّه قادني بل هداني إلى ما لم أكن أتصوره يوما ، ما لم يخطر ببالي حتى في أعظم أحلامي. لعلنّي و لأول مرة أتسور القرءان و أدخل في باحة صغرى من باحاته لأرى حجم العمارة.     المـ ، كتاب علمني أن أساير النص ، أن أتركه يقود ، أ...

الفواتح مفاتيح الغيب المنتظر | الجزء الأوّل | مفتاح البنآء "الٓمٓـ" البقرة

  الفواتح مفاتيح الغيب المنتظر الجزء الأوّل مفتاح البنآء   الٓمٓـ البقرة   " وَمِنۡهُمۡ أُمِّيُّونَ لَا يَعۡلَمُونَ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّآ أَمَانِيَّ وَإِنۡ هُمۡ إِلَّا يَظُنُّونَ " البقرة 77 في المصحف الذي بين أيدينا ما يشبه الأكواد في بعض السور ، في 29 سورة من سور القرءان أكواد 14 عشر. أكواد أبجدية غريبة لا علامات إعراب فيها و بعض علاماتها تحمل رمزا غريبا، رمزا يشبه الموجة المنكسرة     هذه الأكواد الأربعة عشر لا تشبه كلمات  القرءان الأخرى و تلاوتها هجائية في أغلبها فالكود  الٓمٓـ ينطق الف لام ميم و الكود كٓهيعٓصٓ ينطق " كاف هـ يـ عين صاد " ، فالكاف و العين و الصاد تهّجى  أمّا الهاء و الياء  و الصاد فتنطق بلا إضافات ، يـ و ليس ياء و هـ و ليس هاء. هكذا تم نقل نطقها منذ أن نطق بها النبي و واصل الناس نطقها في نسك الصَّلَوٰةَ فمن خلاله تأصّل هذا النطق و استقر.   لم يسبق أنّ شكك أحد في نسبة هذه الفواتح لنص القرءان إلاّ المستشرقون فالقرءان عندهم من تأليف النبي بل و في بعض أجزاءه من تأليف غيره و ما دام النبي هو من ألّف هذا القرءان...

الجزء الثالث | المـ التنزيل - خطوة أولى في طريق فهم البنآء القرءاني

  المـ التنزيل خطوة أولى في طريق فهم البنآء القرءاني   " وَإِن يُرِيدُوٓاْ أَن يَخۡدَعُوكَ فَإِنَّ حَسۡبَكَ ٱللَّهُۚ هُوَ ٱلَّذِيٓ أَيَّدَكَ بِنَصۡرِهِۦ وَبِٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡۚ لَوۡ أَنفَقۡتَ مَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا مَّآ أَلَّفۡتَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيۡنَهُمۡۚ إِنَّهُۥ عَزِيزٌ حَكِيمٞ " نقلنا الفاتح المـ آل عمران إلى بحث الثنائيات ، و الذي نقلنا إليها فاصلة آل عمران بين الفاتح و حديث السورة عن الكتاب المـ " الٓمٓـ (1) ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡحَىُّ ٱلۡقَيُّومُ (2) نَزَّلَ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقٗا لِّمَا  بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَ أَنزَلَ ٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ (3)" عبارة الحي القيوم وضعتنا على فكرة الإرتباط فلا يرد القيوم في القرءان إلا مرتبطا بالحي ثم لما تلونا الكلمات التي تبدأ بالكتاب المـ كما فعلنا في سورة البقرة وقعنا على المفاجأة الغير المنتظرة و هي بداية تسلسل المجموعة و نهايتها بنفس الثنائية الميعاد  - المهاد ثم مفاجأة تشابه كلمات الثنائية المـ  ـيعـ   ـاد...