تطوّرنا في كوكبنا الأزرق الفريد مؤسف و خلاّق ، مضحك و مبكي بأفراحه وأحزانه، باكتشافاته الدالة على قدراتنا و حملنا لقوى خفية جبّارة بحروبه و دمه المسفوك و بالفساد الكبير و التدمير الدال على همجيتنا ووحشيتنا و بهيميتنا المتجاوزة لحد البهائم المعقول.
في هذه الرحلة منذ استوى الإنسان على قدميه بلغ الإنسان حد قدرته على تدمير الكوكب الذي يعيش فيه بقنابله النووية بل قدرته على تدمير توازن كل مجموعته الشمسية ونحن الأن في مفترق طرق واضح ، ففي قرننا هذا تضاعف عدد سكان كوكبنا حدّا مرعب إذ طوال تاريخنا كلّه لم يتضاعف عدد السكان إلاّ بعد قرون طويلة و قد تضاعفنا من بداية القرن التاسع إلى نهاية القرن العشرين أكثر من 600 مرّة !!!
إنّ الأرض لن تسع هذه الأعداد فقدراتها المحدودة و تكاثر عدد سكانها سيجعل الإنسانية تتقاتل أكثر و تلّوث أكثر و تُفسد بيئتها أكثر ، و رغم تقدم التقنية فإنّ تقدمها مرتبط كذلك بتأثيرها سلبا على البيئة و نحن الأن أمام خيارات واضحة.
إمّا تقليص عدد السكان بقوانين صارمة و هذا ما لا يمكن الأن لعطالة القوى الإجتماعية و للمعارضة الشديدة من جميع الأطراف تقريبا لمثل هذا الحل أو محاولة نشر ثقافة المثلية في العلاقات الجنسية و هذا شبه مستحيل و حتى إن انتشرت مثل هذه الثقافة مع ما ستنتجه من خراب في العلاقات الإنسانية لن تؤثر كثيرا في ارتفاع عدد السكان.
و حتى مخططات العودة إلى التقليص من إستهلاك الطاقة لن يؤثر على المسار مع تقدم الطب و الكشوف العلمية التي سمحت بتقليص عدد وفيات المواليد و إطالة معدل عمر الإنسان، إذ يُقارب الأن السبعين سنّة.
الحل الوحيد و الضروري هو وصولنا إلى فهم آلية إنشاء غلاف جوّي في الكواكب القريبة منّا أي المريخ و الزهرة و شبه الكوكب سيريس و بداية إقامتنا هناك و معرفة آلية التوازن البيئي و البهيمي لبداية دورة الحياة في هذه الكواكب. مثل هذا المشروع هو من سيسمح بتوحيد جهودنا جميعا لهدف إنساني مشترك و نسف الحدود الجغرافية المصطنعة و بداية عملنا كإنسانية موّحدة و نضالنا ينبغي أن يكون بالتأثير على كل دولة للدخول في هذا المشروع و إرغام الدول الصناعية الكبرى للضغط على الدول الضعيفة للدخول في هذا المشروع عكس ما نراه الآن في المحطة العالمية التي تُنشأ و التي حُيّد منها مجموعات إنسانية كبيرة للأسف.
الدول الصناعية الكبرى تظن أنّ حاجز الفيزا و الجغرافيا سوف يصنع سدا و حائطا بينها و بين الضعفاء و هذا وهم كبير فتزايد تعرف هذه الشعوب على مستوى حياة المجتمعات الصناعية بفعل تطور البرامج الإعلامية و شبكة النت و تزايد عدد سكان هذه الدول سيسرّع من عمليات المواجهة بكل الوسائل و يرى كل الملاحظين إرهاصات ما يمكن حدوثه إن استمر هذا الإغلاق ، إذ لا تكفي معه قنابل نووية من مثل ما أرسل فوق هيروشيما و نجازاكي أو أسلحة بيولوجية كالتي تستعمل في بعض المناطق الإفريقية.
هذه السياسة الإقصائية لن تنفع، إذ مستوى التعليم يرتفع في الدول الضعيفة و هي لن تقبل إلاّ بالمشاركة و أفضل السبل إليه هو إشراكها الطوعي و الإكراهي في البحث العلمي بدل اعتبارها مناطق إستهلاك كحال ما يسمى الدول العربية وخاصة الدول البترولية منها. نعم ، قد تساهم عملية الإقصاء هذه في ربح كبير للشركات الرأسمالية في الدول الصناعية لكن خطرها على توازن الإنسانية ثمنه باهض.
فعل الخلافة هو وحده من يستطيع أن يوّحدنا كإنسانية أي فعل تحضير أبناءنا للخروج من الكوكب و زرع الحياة في هذا الكون الفسيح ، تحضيرهم نفسيا بتعويدهم على السفر و تحضيرهم فكريا بأنّ أساس الكون و ماهيتنا نحن هي البحث العلمي لنشر الحياة الراقية و ليست الهمجية في باقي أصقاع الكون. هذا التحضير سيُنشأ أجيالا منفتحة تأبى الصراع من أجل الأرز و الرغيف و ترى الأمور بنفسية أعلى و أرقى و تجعل منها أجيالا تضحّي بوقتها من أجل البحث بدل ضياع وقتها في العبث و اللعب و الجنس و المخدرات و فقدان التوازن .
و لكن الجبهات المعارضة كثيرة و كثيرة جدّا ، و لن تدق ساعة البدء إلاّ حين تكثر الكوارث و تعمّ و تلك سنّة أبدية أن لا يقتنع النّاس بالتغيير و ضرورته إلاّ بعد إقتراب أجل الدمار الكلّي و لات حين مناص.
لو درسنا دوافع خروج القوى العظمى الإقتصادية و العسكرية للفضاء و استثمارها فيه لرأينا دوافعه هيمنة عسكرية واستخباراتية، فما دفع هذه القوى و لا يزال يدفع لتحصين وجودها و هيمنتها الفضائية ليست دوافع خلافية بل دوافع هيمنة.
الإنسانية ، لو سارت في مشروع خلافة تحت راية واحدة لتنتفع كلّها بما يدره الفضاء من طاقة هائلة و طاقات بحثية تفيدنا في كل شيء لتغيرّت المعادلة.
تاريخنا كإنسانية يظهر أنّنا لا نتحرك إلا حين تهوي علينا الكوارث و تشتد الأزمات و يكثر القتل و النحر و سفك الدماء و الدمار بيننا. للأسف هذا الواقع و المؤسف أنّ القوى التي تدعي الديمقراطية و شعارات الحرية و حقوق الإنسان هي الأكثر دموية والأكثر سفكا للدماء و الأكثر إحتقارا للإنسان و الأكثر ديماغوجية في رفع الشعارات و إنزالها حسب رياح المصلحة. ليس لهذه القوى معايير أخلاقية و هي تقول و تعلن صبح مساء على الأشهاد و الكل يسمع :
"ليس هناك عداوات دائمة ولا صداقات دائمة بل مصالح دائمة"
و الناس المغفلين تردد خلفهم و تحاول مسايرتهم و نسي البلهاء أن عمق الإنسان هي أخلاقياته و شعوره الأخلاقي ، عمق الإنسان هي دعوة الأنبياء و ما تحمله من أخلاقية و إفهامنا بوظيفتنا الخلافية.
اليوم أصبحنا نستجدي أمريكا ـ صاحبة شعار الحرية ـ لتوّقع على معاهدة كيوتو لتوقيف إزهاق الغلاف الجوي بغاز ثاني أوكسيد الكربون و أصبحنا نستجديهم كي يقللوا من دعمهم للقيط الصهيوني المجرم حتى تتفرغ الإنسانية لمشاكلها الحقيقية و اصبحنا نستجدي الأوربيون ، اصحاب شعار حقوق الإنسان أن لا يكيلوا بمكيالين و ينتبهوا أن قوى الجنوب لا تنسى و لن تنس و أنّ العالم المستضعف ليس أبلها ولا غبيا و ان الفاتورة ستُدفع اليوم أو غدا حروبا و فتنا وأزمات شرق غرب لا يعرف مداها إلاّ الله.
للأسف ، حتى السماح لدول الجنوب للدخول في مشروع الفضاء العالمي ممنوع ، و ممنوع التقدم في التصنيع النووي و ممنوع ..ممنوع ..ممنوع.
إن خروجنا من كوكبنا قضية عقدين أو ثلاث ، و ستبدأ قوافل من العلماء والخبراء للاستقرار في المريخ و لكن المشكلة الكبرى ، هل سينقل هؤلاء نفس عقلية الهيمنة و السلطة هناك أم سيحوّلوا الوجهة إلى وجهة خلافية ؟؟ سؤال يصعب الجواب عليه الآن.

تعليقات
إرسال تعليق