التخطي إلى المحتوى الرئيسي

خطوات في تأسيس منهج قراءة القرءان (الجزء الأول)

فكرت بجد قبل المضي في هذا البحث، فليس أمر رسم منهج قراءة القرآن سهلا، ومع أنّني تمرست في معالجة بعض المواضيع فيه بمنهج ألفته، لكن خط هذا المنهج لغيري أمر غاية الصعوبة. 

إذ هدفي من نشر هذا البحث أو غيره هو جعله أداة في يد القارئ تدخله معي في عوالم البلاغ المبين، هذه الخطوة في نشر مبحث المنهج مع خطورة عواقبها ضروريا إن أردنا فتح القرآن أمام الإنسانية بعد أن أغلقه الكهنوت وسيج عليه خيوطه ودفنه دفنا ليسهل عليه استعباد الناس بطغيان أفكاره البالية. وقد يحمل هذا البحث نقاطا قد تثير القارئ وأنبهه أنّ الأفكار التي لا توقف الرجل من مقعده ولا تقض مضجعه لا تصلح عندي أن تسمى أفكارا ولا تستحق لا النشر ولا التعليق إلاّ من باب الذكرى. 

وإذا صدمت بعض أفكار هذه البحوث القارئ فلينتقد وليكتب ويرد فلم نفتح هذا المنتدى إلاّ للتفاعل فيما بيننا بعيدا عن أي سلطة فكرية أو كهنوتية تزعم الحديث باسم الله أو تمثيله في واقعنا اليومي، وما نرجوه أن تنير بحوث الإخوة المنشورة وما تثيره من تفاعل جدي دروب قراءتنا جميعا. وأبدأ مستعينا بالله: 

يوجه القرآن دارسه إلى تنزيل منهاج قراءة على قلبه تنزيلا ذاتيا فرديا لتفادي ضياع الرؤية والتناقض وللتفاعل معه تفاعلا صحيحا، وبدون تنزيل هذا 

المنهج 

(Loading

سيبقى فهم آياته محالا وسينزع الإنسان حينذاك إلى اتهام آيات القرآن بالتناقض والخطأ والبطلان. 

وستبقى محاولة استنطاق آيات القرآن تخرصا دون اعتماد منهج قراءة واضح وثابت يسمح بالمعرفة أولاّ وبالتوقف الحذر عند ما يظهر أنّه تناقض لأول وهلة ثانيا. 

وهذا ما نقرأه في البلاغ التالي: 

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴿101﴾ قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ ﴿102﴾ مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ ۙ ولكن الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ۖ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ﴿103﴾" المائدة:101/103 

سيجد قارئ تفاسير الأسلاف تبريرات لا حصر لها لما يظهر أنّه تناقض في هذه الآية، إذ كيف يُعقل أن يمنع عالم الغيب والشهادة أحدا من الناس أن يسأله إلاّ أن يريد الانفلات من الأسئلة؟ 

ولقد روى الأسلاف أخبارا لا حصر لها في هوية واسم الذي سأل وعن ماذا سأل ولماذا مُنع من السؤال وأغفلوا كالعادة نص الآية ونسوها وغرقوا في مروياتهم. 

فلنعد إلى الآية لنوضح ما قلناه سابقا. الآية تطالب بطرح السؤال حين تنزيل القرآن، وليس بعد تنزيله، وإذ تؤكد الآية مغفرة الله وحلمه فهي بهذا تدفع إلى السؤال بعد أن حذرت منه في بدايتها. 

ويظهر إذن أنّ الآية تحمل اختلافا وتناقضا بيّنا في أجزاءها، فما المشكلة؟ 

أساس المشكلة تبدأ من فهم دليل لفظ "حين يُنزّل" الذي جعله الأسلاف مرادفا ل "بعد أن يُنزّل" ولم ينتبهوا أن نزول آية النهي عن السؤال يعني أن السؤال قد طُرح. فالآيات لا تتحدث عن أسئلة شخصية طرحها معينون بل تتحدث عن أسئلة تخص القرآن ذاته بدليل تصحيحها الفوري: 

"ا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (103)" المائدة 103 

فالآيات تتحدث عن جواب يسوء من يسأل عنه إذ هو لم ينزِّل القرآن بعد على ذاته وهو قد يتهم القرآن بعد هذا بالنقص أو العجز أو الدجل، فتنزيل القرآن على الذات "حين ينزل" بمنهج قراءته الصحيح هو الدرع الواقي من السيئة والسوءة فلفظ "التنزيل" ليس محصورا في تنزيل النص القرآني على قلب النبي الكريم محمد وإنّما التنزيل 

Loading 

هو لكل إنسان يريد أن يتفاعل مع الكتاب فعليه تنزيل القرآن في ذاته. 

ومن الناس من يملك منهجا خاطئا يوصله في قراءته للقرآن إلى أخطاء تعود إلى خطأ المنهج نفسه وهذا لا ضير فيه إذ يمكن تصحيحه باكتشاف الخطأ بما أودع الله في الكون من عفو وحلم يسمح بتصحيح أخطاءنا 

وهذا ما تعنيه الآية 101. 

أمّا الأخطر فهو غياب المنهج وحينها يصبح الهدى الذي يحمله القرآن سببا في الكفر، أي سببا في الامتناع عن سماعه بتغطية كل سبل التفاعل معه التي تصوره الآية 102 فالمنهج الخاطئ يكشف سوءة صاحب من يتبناه أمّا غياب المنهج فهو دافع قوي إلى الكفر وصد أبواب الحوار والتفاعل الإيجابي مع الغير. 

وسياق الآيات يوضح أنّ بعض الناس يتهم القرآن أنّه يؤسس لشعائر وثنية ويجعل الناس مرتبطين بأشياء فلكلورية لا معنى لها من بحيرة وسآئبة ووصيلة وحام التي جعلوها مرادفة لمفاهيم الشهر الحرام والكعبة والهدي والقلائد التي جاءت في نفس: سياق الآيات آية 97 والتي تحمل دلالات فيزيائية بدأنا معرفة بعض أسرارها في نهايات هذا القرن فيما يسمى ب 

String theory 

فالشهر الحرام (الكوارك) باجتماعه يكون قلائد وفق هدي محدد يصل به إلى تناظر سداسي المعبر عنه في عالمنا بشكل الكعبة المعروف، هذه الحقائق الكونية المبثوثة في القرآن هي التي تجعلنا نعلم أنّ الله يعلم: 

"جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد؛ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (97)" المائدة: 97 

ونحن نتصور النبي وهو يتلو هذه الآية لمن ظنّ أنّ الدين طقوسا وفلكلور وبدأ يقنن للبحيرة والوصيلة والحام والمباح فعله والمكروه قربه ونبه القرآن أنّ شكل الكعبة وبعض الطقوس التي تحيطها رمز لعلم كوني سيعرفه الناس لاحقا لتبقى الإنسانية مرتبطة بالسماء مهما كان سقفها المعرفي ولتعلم أنّ العلم والمعرفة الكونية هي مراد القرآن وليست الطقوس والفلكلور. 

فالسؤال الذي طرح في الآية جوهري 

وهو: كيف نعلم أنّ الله يعلم، وجوابه: اقرأوا الكون وعودوا للقرآن لتروا التناظر وهذه الجدلية هي الوحيدة التي تجعلنا نطمئن في سيرنا الكوني المحاط بالرحمة من كل جانب. 

إنّ صياغة منهج قراءة النص القرآني أمان من الوقوع في التناقضات ومحاولة تبريرها بتبريرات غير معقولة توقع الإنسان في مصيدة الانغلاق النفسي عن مناقشة الآخر والإنزواء أخيرا في مستنقع الكفر ويسمي القرآن غياب منهج القراءة والتخبط في التعامل معه خوضا: 

" وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (66) لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (67) وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (68) وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (69) " الأنعام 69 

فأنباء القرآن هي الحق الكوني الذي سيستقر نبأها شيئا فشيئا مواكبة طور الإنسان العلمي والمعرفي والذين يخوضون دون تحضير ودون إطالة النظر في الكون ودون وقايات عديدة لفهم حقائق القرآن لا مجال للقعود معهم فهم في مرحلة طحلبية متأخرة جدا يجب تنبيههم إن سمعوا بارتداء الوقايات حتى لا ينزلقوا في الاتهام الباطل أمّا من أسس لنفسه منهجا وأخطأ فهذا "ما من حسابهم من شيء"، عليه فقط أن يحنف عن قراءته الخاطئة ومنهجه الخاطئ. 

ويشير القرآن إلى محاولات تشويه حقائقه بتشويه مفاهيمه ممن يريد الامتناع عن حوار الغير وكشف ما عنده لغرض سلطوي أو مادي أو عقائدي 

" وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآَنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (26)" فصلت:26 

ومع هؤلاء ننتظر أن يتطهروا من كفرهم فيدخلوا في الحوار والتفاعل، فلا مجال للحديث عن المنهج مع رجل يريد الحفاظ على مكتسباته المادية أو السلطوية والهيمنة على الناس. 

المنهج المؤَسس ليس خوضا ولا لغوا بل قواعد ثابتة يلتزم المرء بنتائجها مهما ظهرت هذه النتائج غريبة عن الفكر السائد ومعادية له، ويعود المرء لتحديث منهجه إن ظهر تناقضه، عكس اللغو الذي في دليله التشرذم والضياع. 

لا شك أنّ تأسيس المنهج ينبغي أن لا يُبنى على أسس نفسية بل لا بد أن ينبع من ضرورات عقلية منطقية. وتأسيس المنهج ليس هدفه فقط تقديم قراءة جديدة تنسف تراكم تناقضات الأسلاف في قراءة البلاغ المبين وتعيد صياغة قراءة تتناسب مع واقع الطور الإنساني الجديد فحسب ولكنّها تريد منهجا معرفيا مفتوحا يسمح بضبط خارطة التعامل مع ألفاظ القرآن أولاّ وفتح مفاهيمه بدل تعميتها بموروث حديثي وتفسيري لتجنيبه التناقضات والغاية من تأسيس المنهج هو فسح المجال ليتكلم القرآن لا أن نتكلم في مكانه. 

وسيرى القارئ كيف غُيّب الكهنوت بتحالفه مع السلطات المتعاقبة النص القرآني داخل منظومة روايات متهافتة تهافت من يحملها زعموا أنّها من الرسالة بل زعموا أنّها هي الرسالة ولمن يصدق الكهنوت وتخريفاته أقول: 

"مثل الذين حمِّلوا التوراة ثمّ لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا؛ بئس مثل القومـ الذين كذّبوا بآيات الله؛ والله لا يهدي القوم الظالمين" الجمعة5 

وأظن أنّ الناس لم يتمعنوا جيدا في هذه الآية، فلنقف عندها قليلا. يهود قوم النبي موسى يفتخرون بالتوراة وهم يتلونها ولكنّهم لم يحملوها لوحدها بل حملوا معها أسفارا أخرى من ميشنا وتلمود وهاجانا زعموا أنّ التوراة لا حق فيها دون هذه الأسفار، فمثلهم كمثل الحمار يحمل أسفارا، فهل تنفع الحمار أسفارا ولو هدت ظهره من ثقلها!!!!!! 

بدل أن يحملوا التوراة ويتفاعلوا مع الكون ليطمئنوا، حملوا أسفار البشر وأثقلوا بها أنفسهم، فهل ينتظر هؤلاء إلا البأس والبؤس ونفس الملاحظة تنطبق اليوم على قوم النبي الكريم محمد، أليس من حقنا أن نقول لهم. 

(مثل الذين حملوا القرآن ثم لم يحملوه كمثل الحمار يحمل أسفارا) 

أليس من حقنا عليهم أن ننبههم أنّه مهما بلغ علم الإنسان فهو محصور في التاريخ يتجاوز كلامه الناس ويرتقون عليه وهذا هو التاريخ يشهد أنّ نيوتن تعداه آينشتاين وباستور تعداه كريك وليبنيتز تعداه بلانك، أليس من حقنا إذا نحن طلبناهم بتجاوز النظريات العلمية التي أجهد الناس فيها أنفسهم بالبينات والعمل الطويل أن نطالبهم بترك أسفار ابن عباس وابن عمر من قبلهم وترك أسفار ابن هشام والبخاري والكافي والطبري والروايات المشبوهة عن النبي الكريم التي تزعم أنّ كلامه البشري هو عين كلام الله وأنّ النبي ترك الرسالة فلم يبلغها وتركها لأحمد بن حنبل كي يجمعها في مسنده وللبخاري كي يجمعها في صحيحه، ونسى البخاري أنّ الصحيح عكسه السقيم وكان أحرى به أن يسمي كتابه صواب البخاري. 

أليس من واجب الناس أن ينتبهوا أنّ الله شرفهم بالتوراة والإنجيل والقرآن وطالبهم بالبحث الكوني فقط وهم يستمرون في تصديق أحاديث البشر المحصورة في التاريخ العاجزة عن بيان الحق وتبيينه، فبدل أن تتظافر جهودها في البحث العلمي يواصل الكهنوت حملته ليرغمها لتبقى مستعبدة في تخرصاته. 

بهذه التوطئة ندخل في طريق تأسيس المنهج مع اعتباري أنّ مثل هذه الخطوة شديدة الخطورة إلاّ أنّني أود أن يعرف الناس منهج تعاملي مع البلاغ المبين قبل طرح بعض مواضيعي المتعلقة أساسا بمفاهيم القرآن في منتدانا الكريم. 

وها أنا ذا أطرح المنهج لتُنتقد بنوده علّنا بالتفاعل بيننا نصل إلى تصحيحه وإثراءه. وأنبه أنّ هناك مجموعة من الألفاظ تمثل مفاتيح تأسيس هذا المنهج وسيأتي دليلها تباعا وهي: 

الله 

الملائكة 

الروح 

القرآن 

الهدى 

عربي 

التشابه 

المحكم 

الآية 

السورة 

إذ تمثل هذه الألفاظ محطات أساسية في رسم المنهج، وقد يسأل القارئ محقا: 

كيف تؤسس منهجا وأنت تنطلق من ألفاظ تزعم معرفة دليلها مسبقا وكان يجب أن يقودك المنهج إلى فهمها لا أن تنطلق منها؟ 

وأجيب أنّ أي بحث ينطلق من فرضيات يزعم أنّها مسلمات ثم يعود إليها في النهاية ليمحصها من جديد، ويسمي القرآن هذه العملية "القلم": 

"اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5) 

القراءة وليس التلاوة تبدأ بمتابعة الخلق وزيادة معرفتنا به "ربك الذي خلق" وصولا إلى خلق الإنسان وسر نفخ الروح فيه وانتقاله من بشر لم يكن شيئا مذكورا إلى إنسان خليفة. 

وفي قراءتنا نكتشف كرم الرب الذي كلما يئسنا فتح الأبواب أمامنا للمعرفة الأعمق، ومن خصائص هذا التعليم الرباني خاصية القلم التي تهدم الماضي لتبني عليه أعمق وأوسع دون أن يكون في هدمها هذا سببا في توقف حياتها وسيرها، ولكن الإنسان يأبى القلم ويريد الحقيقة الكلية الآنية التي تعفيه من البحث ومشاقه ويزعم أنّه مستغني عن البحث حامل للحق كله ويريد التهود والبقاء في قراءات الأسلاف وترديدها كي يصنع لنفسه عباءة من التقوى الهشة لا تلبث رياح البحث الجاد أن تعصف بها لتتركه مكشوف السوءة: 

كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى (7) العلق 

الحقيقة أنّ دراسة القرآن هي دراسة كائن حي، لا نستطيع دراسته إلاّ وهو ميت، أي بفصل أجزاءه إبتداءً للوصول إلى دراسته حيّا بعد ذلك بتراكم معرفتنا به. فنحن أولاّ ننطلق من فرضيات ونثبتها أو ندحضدها بمنهج القلم 

Elimination 

وليس لدينا من وسيلة قراءة الكون أو النصوص إلاّ بالقلم. 

يبدأ رسم قواعد هذا المنهج في إطار محورين كبيرين تتحرك فيهما هذه القواعد وهما: 

1 ـ أنّ منهج قراءة القرآن ينبغي أن يصاغ من داخله. ذألك أنّ القرآن قد رسم هذا المنهج في نصه، فمن غير المعقول أن: نصيغ منهج قراءة من تلقاء أنفسنا وهو قد منحنا مفاتيح قراءته فيه، إذ كيف نحمل برنامجا آليا يحمل دليله معه 

HELP 

ونحاول تعلمه في نص من خارجه، رواية أو قول يزعم ملء فراغاته أو تتميم نقصه ولنقرأ:

" وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ ﴿15﴾ لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ﴿16﴾ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ﴿17﴾ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ﴿18﴾ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ﴿19﴾" القيامة: 15/19 

وقبل أن نصل إلى دليل الآيات أعلاه علينا أن نحاول فهم دليل الفعل "قرأ" و"قرآن" 

فعل "قرأ" يدل على إخراج ما هو مكنون في رحم وبيانه. فبفعل قرأ يخرج ما هو مكنون في كتاب الكون من رموز ويخرج قرء للناس لبيانها، وبفعل "قرأ" تخرج بيانات ثلاث من جوف المطلقة دما يبين أنّها غير حامل 

[وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ] البقرة 228 

أمّا فعل "تَلو" فهو يدل على تتبع الكلمات المتتالية سواء كانت مسطورة في صحيفة أو متتابعة في صوت أو منظورة في الكون. 

فتلاوة الكلام (الكلام في القرآن ليس خطابا شفويا بل هو ما نطلق عليه Information

فالكلام أيّا كانت هيئته لا تعني أنّ من يتلو يفهم ويعلم. لكن إذا أجهد نفسه في النظر والإدراك قد يصل إلى استنباط ما يتلوه، وهو بهذا الجهد يكون قد "قرأ" وجعل الكلام المتلو قرءا. 

وينبغي أن نشير هنا عابرين أن لا ترادف في ألفاظ القرآن كما سيتم توضيحه، فلكل لفظ مدى حركته وصلاته بحيث لا يتداخل مع غيره. 

لفظ "قرأ" إذن متحرك يسعى لإدراك المعنى وإظهاره سواء تعلق الأمر بكلام القرآن أم بكلمات الكتاب (الكون)، ويحاول بيان هذا الإدراك وفق السقف المعرفي وطور إدراكه التاريخي أمّا البيان عن جميع التكوين وجميع أطوراه فهو قرء لكامل الحق وهذا ما تعبر عنه كلمة "قرآن"، وأشير هنا عابرا أنّ رسم النون يدل على الاحتواء، وكأنّ النون مجموعة من النقاط محصورة في وعاء لا تنفلت منه ويقذف بها نقطة نقطة من الداخل مع صعوبة خروجها من عمقه. 

ويزعم الناس ظلما أنّ رسم حروف القرآن قلدت نفس خط حروف قوم النبي، ولهؤلاء أقول خبروني بدليل أركيولوجي برسم خط النون عند قوم النبي الكريم محمد وعند من حولهم وعند من قبلهم وخبروني عن شكل باقي الحروف وأظهروا لي خطا بشريا موصولا قبل نزول القرآن أكن لكم من الشاكرين، ولنعد للموضوع ف "قرآن" تدل على احتواء كل الحق فيه وخروجه قرءا بعد قرء. 

ويشهد القرآن لنفسه أنّه تنزيل للكتاب، أي أنّ الكون كلّه أُسقط في صحيفة تحويه في قروءه كلها. وعليه فبيان القرآن يأتي في وقت بعيد عن وقت نزوله. 

القرآن نزل قروءاً متتالية ويسميها البلاغ المبين أرتالاً (ملفات) 

Files 

" وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً ۚ كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ ۖ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا ﴿32﴾" الفرقان: 32 

قرءانه يعني إخراجه من أرتاله المفروقة إلى قلب النبي ثمّ إلى لسانه لينطق به ثمّ إلى يده ليخطه بها وينسخ ما هو مثبت في فؤاده. 

فالمنزِّل هو الذي يجمع ما تفرق في أرتال وجمعه له هو الذي يجعله قرءانا نطقا وخطّا، فقرءانه من القوى الملائكية المنزلة (فإذا قرأناه) يتبعه إخراجه نسخة من فؤاد النبي الكريم (فاتبع قرءانه). أمّا بيان القرآن فيأتي بعد ذلك بزمن بعيد الذي ترسمه أداة "ثمّ". 

فالنبي الكريم محمد لم يكن من الّذين يقرءون ولم يكن في قومه من يقرأ وإن كان فيهم من يتلو ويخط فهم "أميون" يتبعون أمة في دليلها منهج السابقين والأسلاف التي تحمله كلمة أم، وإنّما حمل بشارة القرآن للإنسانية لتقرأه على مكث وتحذيرا وإنذار من اتخاذ هدا القرآن الذي أتى به مدعاة للسخرية والتجني: 

" وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ ۗ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ﴿105﴾ وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا ﴿106﴾" الإسراء:105/106 

وقد يظن القارئ أنّ المخاطب هنا شخص النبي الكريم والأمر ليس كذلك، بل المخاطب هو الرسول "وما أرسلناك" والقراءة موجهة للناس جميعا على اختلافهم بتنزيل قراءته عليهم درجة المعبر عنه بلفظ "تنزيلا" المعبر عن الاستمرار والتتابع دون انقطاع. ويدل تتبع كلمة "مُكث" في القرآن على البقاء في دائرة والانتشار فيها. 

ولو تأملنا الآيات بعده لرأينا من يصل إلى حالة الإيمان الدالة عن الأمن الذاتي بسبب القرآن، أي أنّ القرآن يصبح في يدهم مولّدا للمعرفة وليس شاهدا عليها فقط: 

" قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا ۚ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا ﴿107﴾ وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا ﴿108﴾ وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا ۩ ﴿109﴾" الإسراء: 107/109 

فالعلم الكوني هو وحده سبيل معرفة الحق القرآني، في جدلية تصاعدية بين القرآن والكتاب ولنقرأ ثانية: 

"ويقول الذين كفروا لست مرسلا!!!!! 

قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب" الرعد:43 

الذي يشهد للقرآن هي بينات الكون التي فطرها الله فيه عند خلقه والمعبر عنها بلفظ الله في القرآن، والذي يشهد للقرآن هو من عنده العلم الكوني، فالكتاب في القرآن إمّا الكون UNIVERS

أو إسقاطه في صحيفة مقروءة من توراة وقران. فهي إذن صفا ومروة بين القرآن والكتاب في ارتقاء تصاعدي إلى مطلع الفجر (الانفجار الجديد) 

THE NEXT BIG BANG 

فالقرآن كما أوضحت آيات سورة القيامة يحمل بيانه فيه ولا سبيل إلى قراءته بقواعد من خارجه. 

2- أنّ هذا المنهج ينبغي أن يكون ثابتا بطبيعته عكس القراءة التي هي قابلة للتغيير والتبديل كما سنوضحه بعد قليل. 

أن يكون المنهج ثابتا فهذا إبعاد للمنهج النفسي التبريري أو ما يسميه القرآن ب "الهوى". ومن أخطار الهوى الكبيرة رفض نتائج المنهج المؤسس مع اعتبار المنهج نفسه صحيحا: 

فتأسيس منهج يعني إتباعه حرفيا دون مواربة وقبول نتائجه مهما ظهرت معارضة للموروث أو مناقضة للمعهود عند الناس، وتغيير المنهج لا ينبع إلاّ من قناعة عميقة باحتوائه الخطأ لا غير. ولذلك فتأسيس المنهج ينبغي أن يخضع إلى تفكير عميق بين الضرورة المنطقية وضرورة تأسيس قواعده من داخله ولا يجوز بحال عند تأسيسه إلاّ الالتزام الحرفي به. 

لا شك أنّ تأسيس المنهج ناتج عن قراءة مسبقة للنص القرآني وتأثر بما قاله الباحثين والأسلاف وتفاعل مسبق مع أطروحاته ومحاولة توفيقها مع نتاجات العصر العلمية والإنسانية، خاصة وأنّ إغلاق القرآن منذ أمد بعيد أدى إلى تصورات ومفاهيم كارثية علينا. ولذلك فالحذر قائم في ألا ننزلق إلى منهج نفسي نغلق به القرآن بدل فتحه: 

"أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا " محمد:24 

ثبات المنهج ضمان لصيانته من التعسف والهوى، على أنّ ثبات المنهج لا يعني ثبات القراءة بل القراءة في حركة دائمة تخضع للتراكم المعرفي كلّما جدّ في عالم المعرفة الكونية جديد، هذا التراكم وهذه الحركة يسميها البلاغ المبين "التشابه" ومن واجبنا أن نقف هنا لنعيد لهذا المفهوم دليله بعدما لغت فيه "اللغة" المعجمية ولنقرأ البلاغات التالية: 

"قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (70)" البقرة: 70 

" وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ ۚ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ ۖ وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ﴿141﴾" الأنعام: 141 

ونفهم من هذا أنّ التشابه يعني التماثل في التكوين الأصلي (نفس جينات البقر) واختلاف في المظهر النهائي الخارجي (شكل البقر) وكذألك التشابه بين صنف النبات الواحد (الرمان أو الزيتون). فالتشابه ينشأ دائما من المحكم أي من أصل واحد، فتشابه نفس النوع من الموجودات راجع إلى أنّها تملك نفس المكونات الأولية 

DNA 

واختلاف ترتيب عينات هذه المكونات 

Sequences 

هو الذي يُنشأ التشابه في عالم الظاهر. 

فحروف القرآن هي محاكماته وألفاظه الناشئة عن حروفه هي متشابهات التي تتجمع وفق آيات لتنشأ السور 

Elements 

التي بتجمعها ينشأ القرآن. 

إنّنا هنا نرى التناسب القائم مع الكون بدءا بالكوركات واللبتونات والبريونات (الحروف) إلى الجزيئات الأولية (الآيات) مرورا إلى الذرات (السور) ثمّ إلى الكون كله (قرآن). 

لا شك أنّ هذا التصوير تمثيلي، إذ الغوص في تفاصيله سيخرجنا عن غاية هذا البحث. 

الحروف بمعناها العام (حروف ورموز وعلامات) محكمة في القرآن، أي لا ينقص منها حرفا لإحداث التناسب بين القرآن والكتاب (الكون)، والسور محكمة إذ لا تنقص في الكون سورة لإحداث التفاعلات الكيميائية وصولا إلى العالم الحي وكذألك القرآن. 

وقد ظنّ الأسلاف أنّ المتشابه هو الغامض الذي لا يجوز البحث فيه ولا الخوض في تفاصيله مع أنّ القرآن ينبه أنّه متشابه كله: 

" اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ﴿23﴾"الزمر: 23 

الكون متشابه أي الكائنات في بنيتها الجزيئية متماثلة ولكن تغيير الترتيب والتكوين هو الذي ينشأ هذا التعدد والتشابه. 

هذا الكون (الكتاب) المتشابه جُعِل قرآنا في صحيفة، ينفر منها من يحتمي من ظهور المعرفة الجديدة (يخشون ربهم)، إذ الرب في القرآن يدل على الزيادة والتعاظم (ربا؛ ربوة) وبطول البحث والمعرفة التي تعبر عنه أداة (ثمّ) يلين الجلد ليعبر عن قبوله للحقائق الجديدة بعد استيعابه لها مصدقا بذلك القرآن الذي صاغه من يعلم السر في السماوات والأرض. 

إنّ المرور إلى المتشابه يسبقه معرفة ماهية المحكم، ولمّا كانت محكمات القرآن هي حروفه تحتم معرفة دلالتها أولاّ، فكل حرف في القرآن له دلالته ومفاهيمه التي بها يرتبط بغيره ارتباطا سننيا وليس عبثيا، فكل حرف فيه لا يرتبط مع كل الحروف الأخرى بل في نظام يقابله نظام ارتباط الكوركات واللبتونات ببعضها. 

والإنسانية التي لا تريد تأسيس منهج معرفة المحكم معرفة علمية تزيغ في تعاملها مع الكتاب بشقيه الكوني والرسالي ويسمى القرآن هذا الانحراف "مرضا للقلب" يؤدي بها إلى قلب مفاهيمه ووصفه بالتناقض ولنقرأ: 

" هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ ﴿7﴾" آل عمران:7 

والحقيقة أنّ لفظ "أُخر" لا يعني التقابل بين محكمات ومتشابهات بل يعني وجودهما معا، وسمّى القرآن الآيات المحكمات "أم الكتاب" ليزيل كل لبس ويؤكد أنّ المتشابهات تنشأ من هذه المحكمات وتتولد عنها، ولقد وردت بعض هذه المحكمات في فواتح بعض السور وسمّاها القرآن آيات على ما يأتي تفصيله عند الحديث عن البنية القرآنية. 

فالبحث عن المحكم أساس قبل الوصول إلى فهم المتشابه الذي يليه في التركيب والتعقيد والراسخون في العلم (الفيزياء والبيولوجيا) يدركون بعض حقائق الكتاب (الكون) ويدركون أنّه يخضع لقانون واحد صيغ في بوتقة واحدة، وهم بقناعتهم بهذا البعض لا يشككون ولا يرجفون بل يقولون "كل من عند ربنّا" فلفظ "كل" يدل على الاعتراف الذاتي بجهلهم الواسع بالحقائق الكلية واعترافهم بأنّ القليل الذي عرفوه كاف بجعلهم مطمئنين. وينبغي أن نقف لحظة لنعرف دلالة لفظ "تأويله". 

وما دمنا نجهل بنية المحكمات في القرآن فإنّنا نلجأ في بحثنا هذا وبحوثنا الأخرى إلى المشتركات اللفظية من داخل القرآن نفسه لمعرفة دلالات كل لفظ، على أنّ طريقة المشتركات اللفظية لا أساس منطقي لها فهي تزعم أنّ السياق هو من يضبط الدليل والمعنى ومع تعدد السياقات يمكننا ضبط معنى اللفظ!!!! 

وفي هذا الكلام هوى واضح، إذ كيف يضبط اللفظ الذي ورد مرة واحدة في القرآن؟ 

اللفظ في القرآن تضبطه محاكماته أي حروفه التي تكونه، وحروفه التي تكونه تضبط مفهومه، ف "شجر" هو مفهوم متعلق بكل شيء تفرع من أصل. 

ف: 

ش ج ر حروف عربية أي عارية عن قوى الفعل (الحركات والرموز والحروف الصامتة) وتجمع هذه الحروف بهذا الترتيب هو من يعطي ل "شجر" هذا المفهوم، أمّ الموجودات المتعلقة بهذا المفهوم فالسياق هو من يضبطها ولنقرأ بعض البلاغات لنوضح المراد: 

"وشجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن وصبغ للآكلين" 

" وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ ﴿20﴾" المؤمنون:20 

هنا الشجرة هي شجرة نبات 

"قَالَ يَا آَدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى (120)" طه:120 

فالشجرة هنا هي سلالة بشرية همجية 

" أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (71) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (72) 

فالشجرة هنا متعلقة بشجرة النار وامتدادها من مركزها 

FRACTALS 

هذا البحث سوف نعود إليه في قواعد المنهج بتفصيل ولكن أنبه هنا لخطورة منهج المشترك اللفظي الذي جُعل جسرا لتحكيم شعر الشعراء ونثر الناس من قوم النبي على الحق القرآني، وتعاملنا بالمشترك اللفظي في بعض بحوثنا ليس نابع من تصديقنا له بقدر ما هو دال على جهلنا بالبنية اللفظية القرآنية الراجعة إلى توقف تفاعلنا الكوني وانعدام جهدنا في إيجاد الرابط الكوني ـ القرآني. 

وما دامت الإنسانية تأبى النظر في الكتابين فهي مستمرة في عبوديتها للكهنوت الطاغوت، وإذ نحاول تحفيز الهمم إلى البحث في الرابط الكوني ـ القرآني فأملنا كبير أن نخطو فيه خطوات في منتدانا هذا. 

جهلنا بالبنية اللفظية ليس معناه توقفنا عن تدبر البلاغ المبين لحين معرفتنا بها فهذا غير ممكن ولكن لمّا كان لسان القرآن جيني أي جذري في بنيته كما يوضحه الشكل أسفله فهذا يسمح لنا برؤية أولية للفظ بتجميع مشتقاته، فللفظ في القرآن عربي عار عن قوى الفعل تدخل عليه هذه القوى لتحدث فيه التغييرات وتجعله مبينا

ولنعد إلى آيات آل عمران المتعلقة بالمحكم والمتشابه لنحاول معرفة دليل لفظ "التأويل" فسنعود إلى مبحث الجذر والجين اللفظي بتفصيل في الحديث عن قواعد المنهج. 

أوّل مشتقات لفظ "تأويل" هو أول، والتأويل إذن هو محاولة معرفة المعنى الأول الذي جاء في التنزيل حين نزوله وهو أمر محمود ومطلوب، فكيف أصبح التأويل مذموما إذ نُسب إلى "الذين في قلوبهم مرض". 

والحقيقة واضحة إذ أنّ من في قلبه مرض يظن الوصول إلى حقائق القرآن من قراءته التاريخية وهو لم يع أنّ هذا محال وأنّ هذه التأويل لن يتحقق إلاّ بدراسة السنن الكونية (وما يعلم تأويله إلاّ الله) ولم يع استحالة الإحاطة بالكون وتجاوز حائط بلانك وريب هايزنبرغ (كل من عند ربّنا)، فآيات آل عمران تؤكد للناس جميعا أنّ قراءتهم تاريخية وقد يستقر عندهم بعض أنباء القرآن، ويستحيل أن يستقر عندهم القرآن كله. 

لا شك أنّ قراءتنا للبلاغ المبين تاريخية وفهمنا لحقائقه وضبط محكمه خاضع لمستوى معارفنا الكونية التي لن تصل إلى فهم سر الكون لاستحالة تجاوز حائط بلانك ولاستحالة معرفة غيب الجزيئات الأولية المصاغة في 

قوانين الريب (هايزنبرغ) ولنقرأ البلاغات التالية: 

" وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَىٰ عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴿52﴾ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ ۚ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ ۚ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ﴿53﴾" الأعراف: 52/53 

" وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ ۚ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ ﴿66﴾ لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ ۚ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴿67﴾" الأنعام: 66/67 

إنّ أنباء القرآن يستقر فهمها ودليلها حتما ولا يملك الإنسان إلاّ التفاعل المرحلي معها. 

" إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ ۚ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا ﴿105﴾ " النساء:105 

وبعد هذه التوطئة نبدأ الآن في رسم قواعد هذا المنهج في نقاط محددة: 

1 ـ القرآن كلام الله الحي القيوم رسما ولفظا 

2 ـ للقرآن بنية داخلية 

3 ـ ألفاظ القرآن حق 

4 ـ ألفاظ القرآن مفاهيم 

5 ـ السورة وحدة موضوعية 


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

معارج التأويل البيولوجي للفاتح الم

  معارج التأويل في سفينة المـ في تقابل بنآء النص القرءاني مع بنآء الأحياء البيولوجي   ملاحظة تحتاج قراءة هذا البحث شيئا من القدرة على معفرة الذنوب فصاحبه ليس مختصا في البيولوجيا و لكنه متطفل عليها أرغمه القرءان على الدخول إلى أبوابها و لعل كتابة هذا البحث تملي على قارئه أن يعود إلى قرائته ثانية إن كان مثلي متطفل على البيولوجيا. ---------   هي رحلة ، حكاية عن رحلة مع ءايات سورة أل عمران و فاتحها الذي جعلني أكتشف نفسي، أكتشف مقدار التعاسة التي أحملها ظالما للقرءان، إكتشاف رهيب جعلني أرى صورتي الفرعونية الصغيرة و هي تحاول أن تقحم القرءان أن تدخله في البوتقة التي تريد أن تعنفه ليصل إلى مبتغاها مستعملة كل الوسائل. بعد كشف رهيب في الفاتح المـ البقرة ظننت أن القرءان سيواصل معي رحلة البنية اللفظية ، رحلة كشف البنآء القرءاني أخيرا. و لكنّه قادني بل هداني إلى ما لم أكن أتصوره يوما ، ما لم يخطر ببالي حتى في أعظم أحلامي. لعلنّي و لأول مرة أتسور القرءان و أدخل في باحة صغرى من باحاته لأرى حجم العمارة.     المـ ، كتاب علمني أن أساير النص ، أن أتركه يقود ، أ...

الفواتح مفاتيح الغيب المنتظر | الجزء الأوّل | مفتاح البنآء "الٓمٓـ" البقرة

  الفواتح مفاتيح الغيب المنتظر الجزء الأوّل مفتاح البنآء   الٓمٓـ البقرة   " وَمِنۡهُمۡ أُمِّيُّونَ لَا يَعۡلَمُونَ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّآ أَمَانِيَّ وَإِنۡ هُمۡ إِلَّا يَظُنُّونَ " البقرة 77 في المصحف الذي بين أيدينا ما يشبه الأكواد في بعض السور ، في 29 سورة من سور القرءان أكواد 14 عشر. أكواد أبجدية غريبة لا علامات إعراب فيها و بعض علاماتها تحمل رمزا غريبا، رمزا يشبه الموجة المنكسرة     هذه الأكواد الأربعة عشر لا تشبه كلمات  القرءان الأخرى و تلاوتها هجائية في أغلبها فالكود  الٓمٓـ ينطق الف لام ميم و الكود كٓهيعٓصٓ ينطق " كاف هـ يـ عين صاد " ، فالكاف و العين و الصاد تهّجى  أمّا الهاء و الياء  و الصاد فتنطق بلا إضافات ، يـ و ليس ياء و هـ و ليس هاء. هكذا تم نقل نطقها منذ أن نطق بها النبي و واصل الناس نطقها في نسك الصَّلَوٰةَ فمن خلاله تأصّل هذا النطق و استقر.   لم يسبق أنّ شكك أحد في نسبة هذه الفواتح لنص القرءان إلاّ المستشرقون فالقرءان عندهم من تأليف النبي بل و في بعض أجزاءه من تأليف غيره و ما دام النبي هو من ألّف هذا القرءان...

الجزء الثالث | المـ التنزيل - خطوة أولى في طريق فهم البنآء القرءاني

  المـ التنزيل خطوة أولى في طريق فهم البنآء القرءاني   " وَإِن يُرِيدُوٓاْ أَن يَخۡدَعُوكَ فَإِنَّ حَسۡبَكَ ٱللَّهُۚ هُوَ ٱلَّذِيٓ أَيَّدَكَ بِنَصۡرِهِۦ وَبِٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡۚ لَوۡ أَنفَقۡتَ مَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا مَّآ أَلَّفۡتَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيۡنَهُمۡۚ إِنَّهُۥ عَزِيزٌ حَكِيمٞ " نقلنا الفاتح المـ آل عمران إلى بحث الثنائيات ، و الذي نقلنا إليها فاصلة آل عمران بين الفاتح و حديث السورة عن الكتاب المـ " الٓمٓـ (1) ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡحَىُّ ٱلۡقَيُّومُ (2) نَزَّلَ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقٗا لِّمَا  بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَ أَنزَلَ ٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ (3)" عبارة الحي القيوم وضعتنا على فكرة الإرتباط فلا يرد القيوم في القرءان إلا مرتبطا بالحي ثم لما تلونا الكلمات التي تبدأ بالكتاب المـ كما فعلنا في سورة البقرة وقعنا على المفاجأة الغير المنتظرة و هي بداية تسلسل المجموعة و نهايتها بنفس الثنائية الميعاد  - المهاد ثم مفاجأة تشابه كلمات الثنائية المـ  ـيعـ   ـاد...