| البقرة :23 |
"فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك إلاّ بشرا مثلنا"
ماذا يعني أن أقول أنّ عمرو مثل زيد ؟
معنى ذلك أنّ البنية الجينية التي يحملها عمرو هي نفسها التي يحملها
زيد و أقصد البنية الجينيية ACGT المكونة لـ DNA
الإتيان بسورة من مثل سورة من القرآن يعني الإتيان بسورة تحمل نفس
بنية السورة القرآنية و ليس نفس الألفاظ و لا النظم البلاغي و يحق لكل شاك في حمل القرآن
للحق كله و أنّه مصاغ بحق أن يسأل هل للقرآن بنية لفظية داخلية INTERN STRUCTURE تسمح لنا بفهمه دون حاجة
لعكاز من خارجه من معجم يشرح ألفاظه و من رواية تضيف ما نساه في غضون ألفاظه و
آياته؟
| يونس :38 |
و يشير القرآن أنّ تكذيب الناس له راجع لعدم اعترافهم بالقصور في
وسائلهم و في ذواتهم و الإحاطة بما يحويه من حقيقة و عدم إدراكهم أنّ قراءته
تاريخية لا يمكنها أبدا أن ترتقي إلى فهم كل الحق الذي يحويه، إذ تناسب القرآن مع
الكون يعني أنّ فهمه متعلق بالفهم الكلي بالكون و مجموع علاقاته و ذالك مستحيل، و
في تسامي خارق يوضح القرآن أنّ التكذيب ليس هو المنتقد هنا و إنّما الظلم، فليكذب
من شاء أن يكذب و ليترك الآخرين في تصديقهم و بحثهم. و يشير القرآن إشارة واضحة
أنّ من الناس من يصل إلى الأمن التام الذاتي و الغيري بهذا القرآن و منهم من لا
يصل بالقرآن إلى حالة الإيمان و ذالك غير منتقد، فهي حالة طبيعية جدّا، ولكن
المنتقد هو الإفساد و ليس عدم الوصول. وتصل حالة التسامي إلى أن ينصحنا القرآن أن
نطالب من يناقضنا القراءة و الفهم وصولا إلى المناقضة في العمل و التوجه أن يلتزم
كل منّا حده و لا يعتدي على الآخر.
لنواصل قراءة آيات "التحدي" لنكشف أنّ القرآن يؤكد على وجود
البنية فيه :
| هود :13 |
هكذا يجعل القرآن نظام عشري لسور القرآن و الذي أعترف به أنّه لم يدرس
إلى الآن هذا النظام و هو في نظري أشبه بجدول مندليف لترتيب العناصر الذرية، والذي
يهمنا هنا هو لفظ "مثله" و لفظ "صادقين" الذي يؤكد وجود
البنية فيه و دعوة لصدق بحثها و كشفها. ونلاحظ هنا بلع النون في "إن لم"
التي أصبحت "إلّم" و نكتفي بالإشارة فقط أنّ هذا يدل على ضياع كل
المحاولات و فشلها إذ النون تمثل "الوعاء" الذي يحمل. و نشير هنا كذالك
أنّ القرآن أنزل "بعلم الله" و هو كما قلنا من قبل ضمن سننه الكونية
المبثوثة فيه حين خلقه.
إنّ التحدي في الإتيان بسورة و بعشر سور ليس إلاّ تنبيها لوجود وحدة
موضوعية ووحدة عشرية في القرآن وهذا التحدي مبني على فهم بنية القرآن و كشفها، إذ
هو الطريق الوحيد لكشف عجزنا عن رفع التحدي و لنقرأ البلاغ :
| الإسراء :88/89 |
إنّ القرآن بهذا وحدة موضوعية يحمل بنية داخلية بدليل جملة "بمثله"، وهذه البنية يستطيع الناس كشفها و لكنّهم لا ولن يستطيعون تركيب صحيفة تسقط فيها الكون تختلف عن هذا القرآن مهما حاولت. هذا يعني أنّ التناسب بين الكون و القرآن وحيد و ليس متعدد، و هذا ما يعني أنّ الكون تحكمه سنن بثوابث كونية لا تتغير و هذا ما سنفصله الآن :
و نبدأ بطرح السؤال الأول من جديد : ما هي بنية القرآن اللفظية و كيف
أصبح القرآن (الصحيفة) إنزالا للكتاب (الكون)؟
هل ألفاظ القرآن اصطلاحية خاضعة لما تواضع عليه سكان الجزيرة و ما
حولها في زمن النبي من ألفاظ تدل على مدلولات؟
هنا المشكلة الكبرى. إذ لو كانت لغة القرآن تخضع للغة قريش لعجزت عن
حمل الحق بحكم أنّ لغة البشر وعاء لفكرهم في مرحلة تاريخية و هي بطبيعتها عاجزة عن
الإحاطة بالحق الكوني، ولغة البشر اصطلاحية بطبيعتها، إذ يستطيع سكان الجزائر
استبدال لفظ الخبز عندهم بلفظ الرغيف و يبقى المدلول نفسه دون أن يحدث هذا إشكالا
في بنية لغتهم. وما دامت اللغة البشرية اصطلاحية تخضع لتراكم التخاطب و تتضخم وفق
التفاعل مع الآخر و وفق اكتشاف موجودات و مفاهيم جديدة فإنّ النص القرآني ثابث و
هو بهذا يفقد التعبير عن الحق الكوني لو كان اصطلاحيا.
و علينا أن نستنطق القرآن لنعرف بنيته، وعلينا أن نسأل هذا السؤال
الضروري :
ما هي البنية التي تجعل صحيفة تعبر و تحيط بالحق الكوني كله و كيف؟
لو لاحظنا النص القرآني لرأينا في بعض سوره ابتداءا من السورة الثانية
(البقرة) إلى السورة 68 (القلم) حروفا في بداية سوره بعضها آية و بعضهل جزء من آية
و قد وردت هذه الفواتح في 29 سورة:
"و لقد ءاتيناك سبعا من المثاني و القرءان العظيم"
الحجر : 87
فصل هذه السبع المثاني عن القرآن يشير أنّها دليل قراءته و بتعبيرنا
الحالي Help
النص القرآني و قولنا أنّ الفواتح هي السبع المثاني لأنّها من مضاعفات العدد سبعة
في عددها و في حروفها، فعددها 14 :
طس ـ يس ـ ص ـ حمـ /حم ـ عسق ـ ق ـ ن.
ا ـ ل ـ م ـ س ـ ص ـ ن ـ ق
ع ـ ك ـ ح ـ ر ـ ط ـ هـ ـ ي
هذه الحروف يعتبرها القرآن آيات كونية " تلك آيات الكتاب" و ليست آية واحدة تعبر عن موجود أو مفهوم واحد. و في نفس الوقت يعتبرها القرآن آيات له وهو بهذا يشير بكل وضوح عن تمثيل هذه الحروف للروابط بين الكتاب (الكون) و القرآن، فلهذه الحروف اللفظية ما يقابلها في الكون ولا شك أنّ معرفة ماهية هذه التقابل هو عمل الراسخين في العلم في كل زمن.
هذه البنية اللفظية تنطلق في القرآن من الحرف بدليل وجود فواتح من حرف
واحد (ن؛ ص؛ ق) لتشكل اللفظ مماثلة في ذلك ارتباط الجزيئات الأولية في عالم الحي و
الميت لتشكيل الموجودات المحيطة بنا. وليس كما اعتقد الناس بوجود لغة فصحى مثلتها
لغة قبيلة النبي أو لغات القبائل حولها خضع القرآن لبنيتها و امتثل. و هنا سؤال
جوهري لا نستطيع التغاضي عنه:
إذا كانت لغة القرآن كونية تحمل نفس بنية الكون و تقابله مقابلة تامة
كاملة و هذا الذي يضمن لها التعبير عن الحق بكل الحق، فهل فهم قوم النبي النص
القرآني وهل نستطيع نحن فهم النص القرآني.
و يبدو هذا السؤال وجيها لأول وهلة، و لكن مشكلته أنّه يتصور القرآن
عقيدة ثابثة في الزمن لا تتعاظم. والحقيقة أنّ النبي الكريم جاء لتبليغ الناس
رسالة و لم يأتهم لتبليغ عقيدة. فرسالة الإسلام هي في أساسها رسم لحرية العقيدة و
الفكر و النسك وتحديد لآلية حل نزاعاتنا و خلافاتنا بالبحث العلمي (أطيعوا الله) و
وثيقتها المركزية الإبتعاد عن سفك الدماء و الإفساد في الأرض (أتجعل فيها من يفسد
فيها و يسفك الدماء) وليزول الإشكال نرى أنّ القرآن أعطى لكل فرد جاحد أو مصدق،
كافر أو مؤمن سلفي أو أممي حقه في الوجود و في ممارسة حريته وترك قضية الدين و فهم
الوجود و الحكم عليه قضية فردية لا يحق لأحد التدخل فيها و دعا الناس جميعا إلى
الإلتزام بالعمل الصالح المعروف عندهم بحكم البرنامج المودع فيهم.
إنّ الإسلام رسالة الناس جميعا أيّا كانت وجهتهم و لا وجود فيه لشعب
الله المختار و لا لفرقة ناجية و إنّما النجاة للفرد فقط بما قدمه و أنتجه من
صالحات أيّا كانت عقيدته في الوجود و خالق الوجود.
الناس اليوم يسمعون القرآن و منهم من يعجبه بيانه و هو لا يصدقه بل
يرى أنّه كتاب تناقضات و دجل وكذالك كانت قريش تسمع ويعجبها ما تسمع و لا يهمها
كثيرا ما يقول ولكن الأمر عندها تحول عندما أصبح للنبي الكريم مشروعا سياسيا. و
هنا تغير موقفهم من محاولة فهم هذا الذي اتهموه بالكهانة و الجنون إلى موقف
الإضطهاد و التهجير و الإستضعاف. و كل منّا يرى اليوم أنّ الحكومات الديكتاتورية
في كل مكان تسمح بنوع من حرية الفكر و لكنّها تبدأ في التصفية الجسدية إذا تعلق
الأمر بمحاولة إنشاء قوة سياسية مناهضة.
و عودة للموضوع، ففهم القرآن في زمن قريش لن يتناقض مع فهمنا و لكن
فهمنا يتسع بحكم أنّ مقايسينا أصبحت نانومترية نرى الكون أعمق و أوسع:
| فصلت :53 |
لا تناقض بين فهم الأجيال و إنّما اتساع و تراكم و تعاظم و تعميق،
فكيف ورثنا إذن هذه القراءة الكاريثية للقرآن من الأسلاف؟
لهذا أسباب موضوعية تكلمنا على قسط منها سابقا بين السطور و سنوضحه
الآن.
غياب المنهج الواضح أكبر هذه المآسي و لم نحظ فيما كتبه الأسلاف لمحاولة
بناء منهج لقراءة البلاغ المبين، وكان الذي حظينا به أن جعل الأسلاف القرآن مشابها
لشعر البشر في بنيته و مشابه لما اصطلح عليه الناس في حديثهم. غياب هذه البديهية
البسيطة وهي أنّ لغة القرآن تحوي الحق وهي بهذا لا يمكنها أن تكون اصطلاحية بشرية
جعلهم يبحثون عن دلالات الألفاظ القرآنية خارج النص القرآني بدل البحث عليها داخله
مع أنّ القرآن يؤكد أنّ لغات البشر كلها أعجمية وهو اللسان الوحيد الذي يحمل بنية
داخلية و هو ما يسميه القرآن ب "اللسان العربي"، و علينا أن نقف قليلا
هنا لنعرف دليل الوصف العربي و لنقرأ :
النحل :101/103
فلسان القرآن (حروفه التي بها تتكون ألفاظه) عربية أي تحمل بنية بحكم
تشابكها وارتباطها و هذا ما يطلب القرآن بعقل هذه الروابط للوصول لفهم البنية و
لنقرأ :
"الر؛ تلك ءايات الكتاب المبين (1) إنّآ أنزلناه قرءانا عربيا
لعلّكم تعقلون(21)" يوسف
عقل القراءة هو ربط أجزاءها و ربط هذا العقل بحم و الكتاب المبين
للتنبيه للصلة بين القرآن و الكون، فالعقل ليس العلم بل الربط بين الأجزاء التي
تظهر منفصلة، وبربط هذه الأجزاء نصل إلى البنية القرآنية التي يسميها القرآن عربي.
فصلت :44
لا شك أنّ القارئ سوف يحتج بأنّ سكان الجزيرة عرب و لغتهم اسمها
"العربية" قبل نزول القرآن، و لكنّي أسأل الباحثين في تاريخ الجزيرة هل
كلمة عرب و عربية وُجدت قبل نزول القرآن؟
لا شك أنّ تسمية سكان العرب من الأجانب كانت "هاجريين" و
"إسماعليين" و أنّ لغاتهم تنسب لقبائلهم و لم أجد إلى الآن رغم بحثي
الطويل كلمة "عرب" و "عربية" قبل نزول القرآن و لكنّي أترك
للبحث كلمته للفصل فيما طرحته.
"و يوم نبعث في كلّ أمة شهيدا عليهمـ من أنفسهم، و جئنا بك شهيدا
على هؤلآء؛ و نزّلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء و هدى و رحمة و بشرى
للمسلمين"
النحل : 89
"إقرأ باسم ربّك الذي خلق"
العلق
بعيدا عن قراءته بما سمّاه الأسلاف "أسباب النزول"، فالقرآن
يتحدث عن الحق الكوني و لئن ظهر أنّ لبعض آياته "مناسبات للنزول" فهذا
لا يجعلها محصورة في التاريخ بل يجليها ليرفع عنها التاريخية :
يوسف
ولم يقل القرآن أبدا أنّ فهمه مرتبط ب "أسباب النزول" بل
فهمه مرتبط بالسير في الأرض و معرفة الكون فقراءته مرتبطة بقراءة الكون و الخلق
فيه باسم الرب الذي في معانيه الزيادة، فهو طلب بقراءته بالتراكم المعرفي، و طلب
بقراءته بالقلم أي ما نسميه ُ ُElimination فتأسيس الفرضية و هدمها و بناء الجديد عليها هو القلم و هو جوهر
البحث العلمي للوصول إلى استقرار النبأ.
"قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق؛ ثمّـ الله ينشئ
النّشأة الأخرة؛ إنّ الله على كل شيء قدير"
العنكبوت :20
و للحديث بقية عن بقية القواعد.
بن نبي
تعليقات
إرسال تعليق