التخطي إلى المحتوى الرئيسي

خطوات في تأسيس منهج قراءة القرءان (3)


2 ـ للقرءان بنية داخلية

  ورد تحدي القرءان للعالمين أن يأتوا بسورة من مثله أو بعشر سور من مثله أو بمثله وورود لفظ "مثل" في كل آيات "التحدي" يجعلنا نقف طويلا لنتأمل دليل هذا اللفظ في بيانات هذه الآيات و سأعرضها تفصيلا واحدة تلو الاخرى:

البقرة :23

 الريب في البلاغ المبين متعلق بقوانين هايزنبرغ وهو يدل على علاقة بين مفهومين، فكلمّا أردنا تحديد قياس لمقدار فيزيائي أثرّ هذا القياس على القياسات الأخرى ويستحيل أن نضبط قياس مقدار ذري دون أن يصبح ريب مقياس المقادير محدد، وكذالك الأمر إذن في عالم الألفاظ فكلّما أردنا تحديد مفهوما للفظ أثر هذا التحديد على دليل الألفاظ الأخرى المرتبطة به، و القرآن ينفي أن يكون الريب متعلقا به بل كل تحديد للفظ لن يؤثر في تحديد مفاهيم الألفاظ الأخرى. و لذلك فهو يطالبنا بالإتيان بأي سورة "من مثله"، فهو أولا يؤكد أنّ السورة وحدة موضوعية قائمة بذاتها تنتمي إلى وحدة هي القرآن كله. فما معنى المثلية التي يطالبنا بها القرآن؟

 ماذا يعني أن يقول القرآن :

"فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك إلاّ بشرا مثلنا"

ماذا يعني أن أقول أنّ عمرو مثل زيد ؟

معنى ذلك أنّ البنية الجينية التي يحملها عمرو هي نفسها التي يحملها زيد و أقصد البنية الجينيية ACGT المكونة لـ DNA

الإتيان بسورة من مثل سورة من القرآن يعني الإتيان بسورة تحمل نفس بنية السورة القرآنية و ليس نفس الألفاظ و لا النظم البلاغي و يحق لكل شاك في حمل القرآن للحق كله و أنّه مصاغ بحق أن يسأل هل للقرآن بنية لفظية داخلية INTERN STRUCTURE تسمح لنا بفهمه دون حاجة لعكاز من خارجه من معجم يشرح ألفاظه و من رواية تضيف ما نساه في غضون ألفاظه و آياته؟

 و قبل أن نجيب على هذا التساؤل أشير أنّ أيات التحدي التي عرضت إحداها و التي سأعرض بقيتها اقترنت بالصدق و ليس بالقدرة و من الناحية النفسية كان يجب على من صاغ القرآن أن يعلق التحدي بالقدرة و ليس بالصدق، وهذا ما يجعلنا نطمئن أنّ المقصد هو بنية القرآن الداخلية و لا شيء غيره إذ الصدق يعني أنّ الذي ينهض بالتحدي يجب أولاّ أن يكون صادقا في دعواه في فهمه للبنية حتى نصدق في دعواه. و لنقرأ البلاغ :

  

 يونس :38

 فالإفتراء شيء إيجابي و هو بتعبيرنا الأعجمي "إبداع"، والآية تحدد أنّ هذا القرآن مودع في رحم سنن الكون، وترسم أداة "دون" أنّ المخلوقات كلها هي من دون الله و لا تسطيع بطبيعتها إحداث سنة بله الكون، وهذا القرآن هو تصديق لما هو أمامه أي ما يستقبله من كشف ما في الكون فالذي بين يديه مقابل للذي من خلفه الدال على الوراء الزمني فما تكشفه الإنسانية من سنن الكون المستقبلية هو تفصيل الكون من بداية خلقه من أول الفجر (الإنفجار بتعبيرنا الأعجمي) إلى مطلع الفجر الثاني وهو من يصدق آيات البلاغ المبين و سوره، فلفظ الكتاب في القرآن هو مفهوم يتعلق بموجود مرتبطة أجزاؤه بعضها ببعض بحيث أنّ أي انفصال في جزء يعني إنهاء هذا الموجود فالكون كتاب و التوراة كتاب و القرآن كتاب. إنّ هذه الآية تجعل من القرآن حاملا للكون في صحيفة و تفصيل لها أي منظومة معلوماتية له كما توضحه لفظ "تفصيل" الذي يدل على الربط بين أجزاء منفصلة أو التي تظهر منفصلة. ويكرر القرآن التحدي هنا بإتيان "بسورة مثله" و ليس "بسورة من مثله" وهنا يشير القرآن ضمنيا إلى أنّ السورة وحدة موضوعية بذاتها تنتمي إلى وحدة كلية هي القرآن. ونلاحظ عابرين إرتباط الصدق بالتحدي و ليس القدرة.

و يشير القرآن أنّ تكذيب الناس له راجع لعدم اعترافهم بالقصور في وسائلهم و في ذواتهم و الإحاطة بما يحويه من حقيقة و عدم إدراكهم أنّ قراءته تاريخية لا يمكنها أبدا أن ترتقي إلى فهم كل الحق الذي يحويه، إذ تناسب القرآن مع الكون يعني أنّ فهمه متعلق بالفهم الكلي بالكون و مجموع علاقاته و ذالك مستحيل، و في تسامي خارق يوضح القرآن أنّ التكذيب ليس هو المنتقد هنا و إنّما الظلم، فليكذب من شاء أن يكذب و ليترك الآخرين في تصديقهم و بحثهم. و يشير القرآن إشارة واضحة أنّ من الناس من يصل إلى الأمن التام الذاتي و الغيري بهذا القرآن و منهم من لا يصل بالقرآن إلى حالة الإيمان و ذالك غير منتقد، فهي حالة طبيعية جدّا، ولكن المنتقد هو الإفساد و ليس عدم الوصول. وتصل حالة التسامي إلى أن ينصحنا القرآن أن نطالب من يناقضنا القراءة و الفهم وصولا إلى المناقضة في العمل و التوجه أن يلتزم كل منّا حده و لا يعتدي على الآخر.

لنواصل قراءة آيات "التحدي" لنكشف أنّ القرآن يؤكد على وجود البنية فيه :

  

هود :13

 

هكذا يجعل القرآن نظام عشري لسور القرآن و الذي أعترف به أنّه لم يدرس إلى الآن هذا النظام و هو في نظري أشبه بجدول مندليف لترتيب العناصر الذرية، والذي يهمنا هنا هو لفظ "مثله" و لفظ "صادقين" الذي يؤكد وجود البنية فيه و دعوة لصدق بحثها و كشفها. ونلاحظ هنا بلع النون في "إن لم" التي أصبحت "إلّم" و نكتفي بالإشارة فقط أنّ هذا يدل على ضياع كل المحاولات و فشلها إذ النون تمثل "الوعاء" الذي يحمل. و نشير هنا كذالك أنّ القرآن أنزل "بعلم الله" و هو كما قلنا من قبل ضمن سننه الكونية المبثوثة فيه حين خلقه.

إنّ التحدي في الإتيان بسورة و بعشر سور ليس إلاّ تنبيها لوجود وحدة موضوعية ووحدة عشرية في القرآن وهذا التحدي مبني على فهم بنية القرآن و كشفها، إذ هو الطريق الوحيد لكشف عجزنا عن رفع التحدي و لنقرأ البلاغ :

  

الإسراء :88/89

إنّ القرآن بهذا وحدة موضوعية يحمل بنية داخلية بدليل جملة "بمثله"، وهذه البنية يستطيع الناس كشفها و لكنّهم لا ولن يستطيعون تركيب صحيفة تسقط فيها الكون تختلف عن هذا القرآن مهما حاولت. هذا يعني أنّ التناسب بين الكون و القرآن وحيد و ليس متعدد، و هذا ما يعني أنّ الكون تحكمه سنن بثوابث كونية لا تتغير و هذا ما سنفصله الآن :

و نبدأ بطرح السؤال الأول من جديد : ما هي بنية القرآن اللفظية و كيف أصبح القرآن (الصحيفة) إنزالا للكتاب (الكون)؟

هل ألفاظ القرآن اصطلاحية خاضعة لما تواضع عليه سكان الجزيرة و ما حولها في زمن النبي من ألفاظ تدل على مدلولات؟

هنا المشكلة الكبرى. إذ لو كانت لغة القرآن تخضع للغة قريش لعجزت عن حمل الحق بحكم أنّ لغة البشر وعاء لفكرهم في مرحلة تاريخية و هي بطبيعتها عاجزة عن الإحاطة بالحق الكوني، ولغة البشر اصطلاحية بطبيعتها، إذ يستطيع سكان الجزائر استبدال لفظ الخبز عندهم بلفظ الرغيف و يبقى المدلول نفسه دون أن يحدث هذا إشكالا في بنية لغتهم. وما دامت اللغة البشرية اصطلاحية تخضع لتراكم التخاطب و تتضخم وفق التفاعل مع الآخر و وفق اكتشاف موجودات و مفاهيم جديدة فإنّ النص القرآني ثابث و هو بهذا يفقد التعبير عن الحق الكوني لو كان اصطلاحيا.

و علينا أن نستنطق القرآن لنعرف بنيته، وعلينا أن نسأل هذا السؤال الضروري :

ما هي البنية التي تجعل صحيفة تعبر و تحيط بالحق الكوني كله و كيف؟

لو لاحظنا النص القرآني لرأينا في بعض سوره ابتداءا من السورة الثانية (البقرة) إلى السورة 68 (القلم) حروفا في بداية سوره بعضها آية و بعضهل جزء من آية و قد وردت هذه الفواتح في 29 سورة:

 البقرة ـ آل عمران ـ الأعراف ـ يونس ـ هود ـ يوسف ـ الرعد ـ إبراهيم ـ الحجر ـ مريم ـ طه ـ الشعراء ـ النمل ـ القصص ـ العنكبوت ـ الروم ـ لقمان ـ السجدة ـ يس ـ ص ـ غافر ـ فصلت ـ الشورى ـ الزخرف ـ الدخان ـ الجاثية ـ الأحقاف ـ ق ـ القلم.

 في هذه الحروف التي يسميها القرآن السبع المثاني :

"و لقد ءاتيناك سبعا من المثاني و القرءان العظيم"

الحجر : 87

فصل هذه السبع المثاني عن القرآن يشير أنّها دليل قراءته و بتعبيرنا الحالي Help النص القرآني و قولنا أنّ الفواتح هي السبع المثاني لأنّها من مضاعفات العدد سبعة في عددها و في حروفها، فعددها 14 :

 المـ ـ الر ـ المص ـ المر ـ كهيعص ـ طه ـ طسمـ

طس ـ يس ـ ص ـ حمـ /حم ـ عسق ـ ق ـ ن.

 و عدد حروفها 14 :

ا ـ ل ـ م ـ س ـ ص ـ ن ـ ق

ع ـ ك ـ ح ـ ر ـ ط ـ هـ ـ ي

  الفواتح هي دليل دراسة البنية اللفظية القرآنية و في نفس الوقت تسمح لنا بربط بنية القرآن بنية الكون في موجوداته الأولية في العالم الميت (كواركات؛ لبتونات؛ باريونات) و موجوداته الأولية في العالم الحي (الأحماض الأمينية) وفي ثوابث الكون (سرعة الضوء؛ ثابث بلانك؛ ثابث بولتزمان؛ ثابث معامل الجاذبية...)

هذه الحروف يعتبرها القرآن آيات كونية " تلك آيات الكتاب" و ليست آية واحدة تعبر عن موجود أو مفهوم واحد. و في نفس الوقت يعتبرها القرآن آيات له وهو بهذا يشير بكل وضوح عن تمثيل هذه الحروف للروابط بين الكتاب (الكون) و القرآن، فلهذه الحروف اللفظية ما يقابلها في الكون ولا شك أنّ معرفة ماهية هذه التقابل هو عمل الراسخين في العلم في كل زمن.

هذه البنية اللفظية تنطلق في القرآن من الحرف بدليل وجود فواتح من حرف واحد (ن؛ ص؛ ق) لتشكل اللفظ مماثلة في ذلك ارتباط الجزيئات الأولية في عالم الحي و الميت لتشكيل الموجودات المحيطة بنا. وليس كما اعتقد الناس بوجود لغة فصحى مثلتها لغة قبيلة النبي أو لغات القبائل حولها خضع القرآن لبنيتها و امتثل. و هنا سؤال جوهري لا نستطيع التغاضي عنه:

إذا كانت لغة القرآن كونية تحمل نفس بنية الكون و تقابله مقابلة تامة كاملة و هذا الذي يضمن لها التعبير عن الحق بكل الحق، فهل فهم قوم النبي النص القرآني وهل نستطيع نحن فهم النص القرآني.

و يبدو هذا السؤال وجيها لأول وهلة، و لكن مشكلته أنّه يتصور القرآن عقيدة ثابثة في الزمن لا تتعاظم. والحقيقة أنّ النبي الكريم جاء لتبليغ الناس رسالة و لم يأتهم لتبليغ عقيدة. فرسالة الإسلام هي في أساسها رسم لحرية العقيدة و الفكر و النسك وتحديد لآلية حل نزاعاتنا و خلافاتنا بالبحث العلمي (أطيعوا الله) و وثيقتها المركزية الإبتعاد عن سفك الدماء و الإفساد في الأرض (أتجعل فيها من يفسد فيها و يسفك الدماء) وليزول الإشكال نرى أنّ القرآن أعطى لكل فرد جاحد أو مصدق، كافر أو مؤمن سلفي أو أممي حقه في الوجود و في ممارسة حريته وترك قضية الدين و فهم الوجود و الحكم عليه قضية فردية لا يحق لأحد التدخل فيها و دعا الناس جميعا إلى الإلتزام بالعمل الصالح المعروف عندهم بحكم البرنامج المودع فيهم.

إنّ الإسلام رسالة الناس جميعا أيّا كانت وجهتهم و لا وجود فيه لشعب الله المختار و لا لفرقة ناجية و إنّما النجاة للفرد فقط بما قدمه و أنتجه من صالحات أيّا كانت عقيدته في الوجود و خالق الوجود.

الناس اليوم يسمعون القرآن و منهم من يعجبه بيانه و هو لا يصدقه بل يرى أنّه كتاب تناقضات و دجل وكذالك كانت قريش تسمع ويعجبها ما تسمع و لا يهمها كثيرا ما يقول ولكن الأمر عندها تحول عندما أصبح للنبي الكريم مشروعا سياسيا. و هنا تغير موقفهم من محاولة فهم هذا الذي اتهموه بالكهانة و الجنون إلى موقف الإضطهاد و التهجير و الإستضعاف. و كل منّا يرى اليوم أنّ الحكومات الديكتاتورية في كل مكان تسمح بنوع من حرية الفكر و لكنّها تبدأ في التصفية الجسدية إذا تعلق الأمر بمحاولة إنشاء قوة سياسية مناهضة.

و عودة للموضوع، ففهم القرآن في زمن قريش لن يتناقض مع فهمنا و لكن فهمنا يتسع بحكم أنّ مقايسينا أصبحت نانومترية نرى الكون أعمق و أوسع:

  

فصلت :53

 

لا تناقض بين فهم الأجيال و إنّما اتساع و تراكم و تعاظم و تعميق، فكيف ورثنا إذن هذه القراءة الكاريثية للقرآن من الأسلاف؟

لهذا أسباب موضوعية تكلمنا على قسط منها سابقا بين السطور و سنوضحه الآن.

غياب المنهج الواضح أكبر هذه المآسي و لم نحظ فيما كتبه الأسلاف لمحاولة بناء منهج لقراءة البلاغ المبين، وكان الذي حظينا به أن جعل الأسلاف القرآن مشابها لشعر البشر في بنيته و مشابه لما اصطلح عليه الناس في حديثهم. غياب هذه البديهية البسيطة وهي أنّ لغة القرآن تحوي الحق وهي بهذا لا يمكنها أن تكون اصطلاحية بشرية جعلهم يبحثون عن دلالات الألفاظ القرآنية خارج النص القرآني بدل البحث عليها داخله مع أنّ القرآن يؤكد أنّ لغات البشر كلها أعجمية وهو اللسان الوحيد الذي يحمل بنية داخلية و هو ما يسميه القرآن ب "اللسان العربي"، و علينا أن نقف قليلا هنا لنعرف دليل الوصف العربي و لنقرأ :

  وَإِذَا بَدَّلْنَا آَيَةً مَكَانَ آَيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (101) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (102) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (103)

النحل :101/103

 التبديل في البلاغ المبين معناه الذهاب بالشيء و إنهاءه و الإتيان بشيء في مكانه، فالآية 101 لا تتحدث عن إبطال مفعول بعض الآيات و استبدالها بغيرها أو كما يقول الاسلاف "نسخ" الآيات. و أي جريمة أكبر من تحويل لفظ نسخ من فعل يدل على الإثباث لفعل يدل على الزوال و التحويل و التبديل، فالقرآن لا "نسخ" فيه بل كله منسوخ مثبث، و تتحدث الآية عن التبديل الذي طرأ في بينات الأنبياء المعروضة للناس من آيات حسية يروها إلى آية تدعوهم إلى كشف هذه الآيات الحسية و النهوض بأعباء الخلافة، وربط الآية بالعلم يدل على جهل هؤلاء الناس بالتوراة و ما تحمله من آيات، وتشير الآيات أنّ روح القدس بالنص القرآني لتثبيث جميع "الذين ءامنوا" من الذين أَمِن بعضهم بعضا و هداية و بشرى لمن وقف موقف المسلم فألقى بسلاحه و دخل الحوار أنّه سيصل إلى نتائج ترضيه. ونصل إلى الآية الشاهد، وهو الزعم أنّ النبي تلّقى القرآن من بشر مثله و من تأليفه و يؤكد القرآن أن كل ألسن البشر (الحروف التي تمثل ألفاظهم و مدلولتهم)و ما ينطقون به أي لغتهم أعجمية و ليس عجمي نسبة للعجم بل القرآن يتحدث هنا عن كل لغات البشر، و لعلّ القارئ يتبع المفسرين فيرى في لفظ بشر ورقة بن نوفل أو صهيب الرومي أو ربما سلمان الفارسي أو سرجون النصراني و القرآن يقول "بشر" بالإطلاق، فالبشر عاجزون عن إنشاء لغة عربية، أي لغة تحمل بنية للتعبير بحق عن الكون و حقائقه، فلغات البشر أي كانت تبقى حبيسة الزمان و المكان و هي بهذا تخضع لقانون الإرتقاء و التراكم و الزوال.

فلسان القرآن (حروفه التي بها تتكون ألفاظه) عربية أي تحمل بنية بحكم تشابكها وارتباطها و هذا ما يطلب القرآن بعقل هذه الروابط للوصول لفهم البنية و لنقرأ :

"الر؛ تلك ءايات الكتاب المبين (1) إنّآ أنزلناه قرءانا عربيا لعلّكم تعقلون(21)" يوسف

 "حم (1) و الكتاب المبين (2) إنّا جعلناه قرءانا عربيا لّعلّكم تعقلون(3)" الزخرف

عقل القراءة هو ربط أجزاءها و ربط هذا العقل بحم و الكتاب المبين للتنبيه للصلة بين القرآن و الكون، فالعقل ليس العلم بل الربط بين الأجزاء التي تظهر منفصلة، وبربط هذه الأجزاء نصل إلى البنية القرآنية التي يسميها القرآن عربي.

 لنواصل التدليل على لفظة "عربي" في القرآن :

 "و لو جعلناه قرءانا أعجميا لقالوا لولا فصلت ءاياته، ءاعجمي و عربي، قل هو للذين ءامنوا هدى و شفاء، والذين لا يؤمنون في ءاذانهم وقر وهو عليهمـ عمىً؛ أولئك ينادون من مكان بعيد"

فصلت :44

 يظهر أنّ صائغ القرآن لا يُمانع أن يكون القرآن أعجمي أي من صنع بشري يعجم عن التعبير بالحق عن الحق بل يواكب البشر في اصطلاحهم، و القرآن يجعل مشكلة خلط العربي بالأعجمي أي بين لغة تحمل بنية و لغة بشرية اصطلاحية، يجعل المشكلة فيمن يتلقاه، إذ سينددون بهذا الخلط. وفهم الآية على أنّ العربي نسبة لجنس إسم عرب يتكلمون لغة اسمها "العربية" و اعتبار الأعجمية هي باقي اللغات الأخرى و من ثمّ فإنّ الله بهذا المنطق ينبغي أن يخضع لهذه اللغة البشرية الإصطلاحية بحكم أنّها أرقى اللغات يجعل تفسيرنا لنزول التوراة بلسان يختلف عن لسان قوم النبي و برسم يختلف عن رسمه أمرا مستحيلا.

 و الحقيقة أنّ "أعجمي" تخص كل اللغات الإنسانية لعجزها عن احتواء بنية داخلية متناسقة مع الكون المحيط بها و هي لا تحتوي إلاّ على بنية محدودة في إطارها المناخي الجغرافي التاريخي.

لا شك أنّ القارئ سوف يحتج بأنّ سكان الجزيرة عرب و لغتهم اسمها "العربية" قبل نزول القرآن، و لكنّي أسأل الباحثين في تاريخ الجزيرة هل كلمة عرب و عربية وُجدت قبل نزول القرآن؟

لا شك أنّ تسمية سكان العرب من الأجانب كانت "هاجريين" و "إسماعليين" و أنّ لغاتهم تنسب لقبائلهم و لم أجد إلى الآن رغم بحثي الطويل كلمة "عرب" و "عربية" قبل نزول القرآن و لكنّي أترك للبحث كلمته للفصل فيما طرحته.

 للقرآن بنية داخلية تسمح بقراءته التاريخية دون وقوع في الزلل بمعارف العصر و هو قد ضمن الهدى لكل عصر في صيروة تاريخية متصاعدة و الهدى هو إيضاح للسبيل الصحيح و من نافلة القول أن نسجل هنا أنّ القرآن باحتواءه بنية الحق فيه التي تجعله يحوي الحق الكوني كله لا يفتقر إلى رواية من خارجه و لا يحتاج إلى سند خارجي يملأ ما فراغ ما نسيه أو غفل عنه، فهو يشهد لنفسه بهذا الكمال و هذا الإحكام و لنقرأ :

 

"و يوم نبعث في كلّ أمة شهيدا عليهمـ من أنفسهم، و جئنا بك شهيدا على هؤلآء؛ و نزّلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء و هدى و رحمة و بشرى للمسلمين"

النحل : 89

 و من نافلة القول أنّ وجود البنية الكونية في القرآن التي تجعل منه حاملا للحق الكوني كله تجعل قراءته مرتبطة بفهم هذه البنية و استكناهها :

"إقرأ باسم ربّك الذي خلق"

العلق

بعيدا عن قراءته بما سمّاه الأسلاف "أسباب النزول"، فالقرآن يتحدث عن الحق الكوني و لئن ظهر أنّ لبعض آياته "مناسبات للنزول" فهذا لا يجعلها محصورة في التاريخ بل يجليها ليرفع عنها التاريخية :

 "لقد كان في قصصهم آيات للسائلين"

يوسف

 و من يظن أن القرآن يُفهم بمعرفة أسباب نزوله فعليه أولا أن يجد في كل آية من آياته سببا للنزول، و عليه أن يقبل بتاريخية القرآن و أنّه لا يحوي الحق الكوني بل يحوي حق سكان الجزيرة في القرن السابع، و عليه أخيرا أن لا يُنكر على من يتهم القرآن بالعجز عن الشهادة لنا اليوم بمعارفنا العلمية و الرسالية.

ولم يقل القرآن أبدا أنّ فهمه مرتبط ب "أسباب النزول" بل فهمه مرتبط بالسير في الأرض و معرفة الكون فقراءته مرتبطة بقراءة الكون و الخلق فيه باسم الرب الذي في معانيه الزيادة، فهو طلب بقراءته بالتراكم المعرفي، و طلب بقراءته بالقلم أي ما نسميه ُ ُElimination فتأسيس الفرضية و هدمها و بناء الجديد عليها هو القلم و هو جوهر البحث العلمي للوصول إلى استقرار النبأ.

"قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق؛ ثمّـ الله ينشئ النّشأة الأخرة؛ إنّ الله على كل شيء قدير"

العنكبوت :20

و للحديث بقية عن بقية القواعد.

بن نبي

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

معارج التأويل البيولوجي للفاتح الم

  معارج التأويل في سفينة المـ في تقابل بنآء النص القرءاني مع بنآء الأحياء البيولوجي   ملاحظة تحتاج قراءة هذا البحث شيئا من القدرة على معفرة الذنوب فصاحبه ليس مختصا في البيولوجيا و لكنه متطفل عليها أرغمه القرءان على الدخول إلى أبوابها و لعل كتابة هذا البحث تملي على قارئه أن يعود إلى قرائته ثانية إن كان مثلي متطفل على البيولوجيا. ---------   هي رحلة ، حكاية عن رحلة مع ءايات سورة أل عمران و فاتحها الذي جعلني أكتشف نفسي، أكتشف مقدار التعاسة التي أحملها ظالما للقرءان، إكتشاف رهيب جعلني أرى صورتي الفرعونية الصغيرة و هي تحاول أن تقحم القرءان أن تدخله في البوتقة التي تريد أن تعنفه ليصل إلى مبتغاها مستعملة كل الوسائل. بعد كشف رهيب في الفاتح المـ البقرة ظننت أن القرءان سيواصل معي رحلة البنية اللفظية ، رحلة كشف البنآء القرءاني أخيرا. و لكنّه قادني بل هداني إلى ما لم أكن أتصوره يوما ، ما لم يخطر ببالي حتى في أعظم أحلامي. لعلنّي و لأول مرة أتسور القرءان و أدخل في باحة صغرى من باحاته لأرى حجم العمارة.     المـ ، كتاب علمني أن أساير النص ، أن أتركه يقود ، أ...

الفواتح مفاتيح الغيب المنتظر | الجزء الأوّل | مفتاح البنآء "الٓمٓـ" البقرة

  الفواتح مفاتيح الغيب المنتظر الجزء الأوّل مفتاح البنآء   الٓمٓـ البقرة   " وَمِنۡهُمۡ أُمِّيُّونَ لَا يَعۡلَمُونَ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّآ أَمَانِيَّ وَإِنۡ هُمۡ إِلَّا يَظُنُّونَ " البقرة 77 في المصحف الذي بين أيدينا ما يشبه الأكواد في بعض السور ، في 29 سورة من سور القرءان أكواد 14 عشر. أكواد أبجدية غريبة لا علامات إعراب فيها و بعض علاماتها تحمل رمزا غريبا، رمزا يشبه الموجة المنكسرة     هذه الأكواد الأربعة عشر لا تشبه كلمات  القرءان الأخرى و تلاوتها هجائية في أغلبها فالكود  الٓمٓـ ينطق الف لام ميم و الكود كٓهيعٓصٓ ينطق " كاف هـ يـ عين صاد " ، فالكاف و العين و الصاد تهّجى  أمّا الهاء و الياء  و الصاد فتنطق بلا إضافات ، يـ و ليس ياء و هـ و ليس هاء. هكذا تم نقل نطقها منذ أن نطق بها النبي و واصل الناس نطقها في نسك الصَّلَوٰةَ فمن خلاله تأصّل هذا النطق و استقر.   لم يسبق أنّ شكك أحد في نسبة هذه الفواتح لنص القرءان إلاّ المستشرقون فالقرءان عندهم من تأليف النبي بل و في بعض أجزاءه من تأليف غيره و ما دام النبي هو من ألّف هذا القرءان...

الجزء الثالث | المـ التنزيل - خطوة أولى في طريق فهم البنآء القرءاني

  المـ التنزيل خطوة أولى في طريق فهم البنآء القرءاني   " وَإِن يُرِيدُوٓاْ أَن يَخۡدَعُوكَ فَإِنَّ حَسۡبَكَ ٱللَّهُۚ هُوَ ٱلَّذِيٓ أَيَّدَكَ بِنَصۡرِهِۦ وَبِٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡۚ لَوۡ أَنفَقۡتَ مَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا مَّآ أَلَّفۡتَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيۡنَهُمۡۚ إِنَّهُۥ عَزِيزٌ حَكِيمٞ " نقلنا الفاتح المـ آل عمران إلى بحث الثنائيات ، و الذي نقلنا إليها فاصلة آل عمران بين الفاتح و حديث السورة عن الكتاب المـ " الٓمٓـ (1) ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡحَىُّ ٱلۡقَيُّومُ (2) نَزَّلَ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقٗا لِّمَا  بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَ أَنزَلَ ٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ (3)" عبارة الحي القيوم وضعتنا على فكرة الإرتباط فلا يرد القيوم في القرءان إلا مرتبطا بالحي ثم لما تلونا الكلمات التي تبدأ بالكتاب المـ كما فعلنا في سورة البقرة وقعنا على المفاجأة الغير المنتظرة و هي بداية تسلسل المجموعة و نهايتها بنفس الثنائية الميعاد  - المهاد ثم مفاجأة تشابه كلمات الثنائية المـ  ـيعـ   ـاد...